Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الموسيقى التصويرية "ملح" السينما

نبض يحيي مشاهد الأفلام لكنه غائب عن تكريم المهرجانات العربية

الموسيقى التصويرية إحدى القواعد الصلبة التي قام عليها الأساس السينمائي في فيلم تايتنيك (الحقوق محفوظة - مواقع التواصل)

ملخص

 تزداد أهمية الموسيقى داخل الأعمال السينمائية لكون وظيفتها تتفوق أحياناً على الصورة لأنها تتجاوز في تعبيراتها الجمالية الأفق الضيق الذي لا تنحته بعض اللقطات، فكثير من المشاهد السينمائية بقيت عالقة في أذهاننا بسبب التصعيد الدرامي الذي تكثفه الموسيقى.

لا يمكن بأية حال فصل صناعة السينما المعاصرة عن الموسيقى التصويرية، إذ تعد بمكانة الروح من الجسد فتعطي المشاهد انطباعاً بحيوية الواقع الذي ينتمي إليه لدرجة تسحبه من الواقع الفيزيقي المباشر صوب فضاءات وعوالم أخرى متخيلة.

لهذا اعتبرت الموسيقى التصويرية إحدى القواعد الصلبة التي يقوم عليها الأساس السينمائي، ولم تعد عنصراً ثانوياً يعبر بطريقة درامية عن مشهد ما، بل ركيزة أساسية داخل الأعمال الفنية المركبة، وهو ما يفسر مدى حرص المؤسسات السينمائية العالمية المتمثلة في المهرجانات على تخصيص جوائز خاصة بالموسيقى التصويرية.

يوماً بعد يوم، تزداد أهمية الموسيقى داخل الأعمال السينمائية، فهي تقوم بوظيفة تتفوق أحياناً على الصورة لكونها تتجاوز في تعبيراتها الجمالية الأفق الضيق الذي لا تنحته بعض اللقطات، فثمة كثير من المشاهد السينمائية بقيت عالقة في أذهاننا بسبب التصعيد الدرامي الذي تكثفه الموسيقى، إذ يستحيل مثلاً استعادة فيلم تيتانيك (1997) للأميركي جيمس كاميرون، من دون نسيان موسيقى الملحن الراحل جيمس هورنر (1953 ـ 2015)، بل إن الموسيقى أصبحت في نهاية الفيلم متفوقة على الصورة السينمائية، بعد أن غدت هذه الأخيرة بيضاء لا تعبر عن شيء، مفسحة المجال للآلة الموسيقية وهي تنثر شعورها وتأثيرها في مخيلة المشاهد.

على هذا الأساس فاز هورنر بأفضل موسيقى تصويرية في ذلك العام، إضافة إلى جائزتي أوسكار وجائزتي غولدن غلوب و12 جائزة غرامي التي تقدمها الأكاديمية الوطنية لتسجيل الفنون والعلوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن المدهش في موسيقى هورنر داخل أفلام مثل "التيتانيك" و"القلب الشجاع" (1995) و"أفاتار" (2009) أنها لا تعمل على محاكاة الصورة السينمائية، بل تؤدي وظيفة تحديثية تعمل على فتح نوافذ صغيرة أخرى للحلم، تكون متوازية مع الصورة ومبتعدة عنها في آن واحد. لهذا ظلت موسيقاه تسمع بمنأى عن الأفلام وتثير دوماً شعوراً غريباً في كونها أعمالاً مستقلة عن الأفلام التي ظهرت داخلها، إذ نادراً ما نعثر على موسيقى تصويرية من هذا النوع داخل السينما الأميركية والهندية التي لا تحاكي الصورة وسياقاتها ومتخيلها، فللمرة الأولى يستغل ملحن أميركي الموسيقى الكلاسيكية داخل الأفلام السينمائية، ويعمل على مزجها بالموسيقى الإلكترونية. وكانت هذه الخلطة الموسيقية المبكرة اجتذبت جيمس كاميرون بعد أن وضع فيها جيمس هورنر بعضاً من الإيقاع الإيرلندي الكلاسيكي في سبيل الخروج بتوليفة موسيقية تفتح أفقاً جديداً للملحن داخل الفيلم.

التأليف الإلكتروني

يقول الكاتب الصحافي سلام أبو ناصر "دخلت الموسيقى التصويرية مرحلة أخرى في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي رسخت عوامل التقدم التكنولوجي وظهور التأليف الموسيقي الإلكتروني، إلى جانب الصورة البصرية بأنواعها في الوقت الحالي، وبروز أسماء مؤلفين جدد، أشهرهم هاينز زيمير الذي أعطى دفقاً مغايراً لشكل المقطوعات الموسيقية التي امتازت بالقوة والحيوية في أفلام مثل ’رجل المطر‘ و’الملك الأسد‘ و’خيط أحمر رفيع‘ و’قراصنة الكاريبي‘، و’مهمة مستحيلة 2‘. وكذلك الملحن جيمس هورنر صاحب الألحان الدافئة والرومانسية الساحرة الذي قدم مقطوعات لأشهر الأفلام مثل ’تايتانيك‘ و’قلب شجاع‘ و’زورو‘ و’أساطير الخريف‘".

ويضيف "والحقيقة أن هذا الإنتاج الموسيقي جعل صاحب فيلم ’عقل جميل‘ على عرش الموسيقى التصويرية ذات النفحة التجديدية داخل السينما الهوليوودية، بل يعتبر من الرواد الذين آمنوا بأن الموسيقى التصويرية، لا تعمل دائماً على محاكاة مشاهد الفيلم وإن كانت تنتمي إليه، فهي تبقى على الدوام تتطلع إلى نوع من الاستقلالية الجمالية التي تجعلها تنحت مسارها الخاص في وجدان المشاهد".

 

 

ويعتبر عديد من النقاد في العالم أن التأليف الموسيقي لعب دوراً مهماً في بروز الفيلم، إذ يصعب متابعة بعض مشاهده بعيداً من التأثير الدرامي للموسيقى، خصوصاً في اللحظات التي اشتدت فيها المأساة بين الشخصيات. هنا لم تعد الموسيقى التصويرية تلعب دور المكمل، بل أصبحت تنبض بكل ما هو فكري في الفيلم، فعملية الفهم رهينة العنصر السمعي الذي يسهم في بناء التذوق الجمالي إلى الجانب البصري، وهي طريقة مبتكرة لم نألفها في الأفلام الهوليوودية القديمة. وأعطى ذلك انطباعاً قوياً بأهمية تكامل العمل بين المخرج والمؤلف الموسيقي وقدرتهما على إنجاح الفيلم.

بينما يرى الصحافي الفلسطيني طارق حمدان أن "الخلفية الموسيقية الكلاسيكية كانت بالغة التأثير في أعمال هورنر بشكل عام، الأمر الذي كان دائماً موضع شك ونقد حول أصالة أعماله، فكثيراً ما تعرض لاتهامات بالسرقة والنسخ أحياناً، وهو ما حصل مع الموسيقى التي وضعها لفيلم "ستار تريك" في جزئيه الثاني والثالث، والاتهامات التي طاولته حينها بنسخ الفكرة الأساسية من المؤلف الموسيقي الروسي سيرجي بروكوفيف (1891 - 1953)، أو كما حصل مع فيلم "ويلو" (1988)، والانتقادات التي واجهته حول موسيقى الفيلم المشابهة لسيمفونية "رينيش" للمؤلف الألماني روبرت شومان (1810ـ 1856)".

غياب الجوائز العربية

لكن بالنظر إلى عالمنا العربي لا يعثر المتابع على جائزة خاصة بهذا اللون الفني المتصل بالسينما ومتخيلها، وعلى رغم كون الأوطان العربية قابعة في المحاكاة، لم تفكر في تقليد الثقافة الغربية في هذا الأمر، وكأن السينما العربية وصلت إلى مرحلة متقدمة من حداثة، تجعلها تختار ما يليق بأعمالها الفنية ومتخيلها الرمزي.

ارتباك لا يظهر إلا مدى هشاشة هذا اللون الفني في الواقع العربي وعدم قدرة مؤسسات على فهم ما يقع داخل العمل السينمائي من تحولات جمالية، وعلى رغم قدم بعض المهرجانات السينمائية العربية، إلا أن طريقتها في التسيير والتنظيم تبقى هشة وجد مرتبكة، فالتجديد لا يدخل في برنامجها، بقدر ما تبقى دائماً ملتصقة بالفقرات نفسها والندوات والضيوف.

ببساطة المهرجان ثقافة حداثية أكثر من كونه حفلة أو فضاء للسياحة والاستجمام، بل لم تعمل جهات عربية رسمية على دفع قاطرة المهرجان صوب التجديد من خلال ابتكار جوائز خاصة بالمونتاج والموسيقى التصويرية، وحتى إن وجدت بعضها فإنها تبقى ثانوية بالمقارنة مع جائزتي الأداء والإخراج مثلاً.

تحتاج المهرجانات السينمائية العربية إلى أن تجدد طرق اشتغالها وتتخلى منهجياً عن منطق "القبيلة" الذي يحولها إلى حفلات ترفيهية أكثر من كونها فضاءات للمشاهدة السينيفيلية (النخبوية) وتأجيج النقاش. ولا يمكن تفسير غياب جوائز الموسيقى التصويرية إلا في كونها ثقافة حداثية لم نعهدها بعد، بل توجد كثير من الأفلام العربية ذات اشتغال موسيقي مميز، فالمخرج المغربي أحمد المعنوني أنجز عام 1982 فيلماً وثائقياً خاصاً بفرقة ناس الغيوان، وتخللت صورة هذا الفيلم مقاطع غنائية مميزة جعلته يصل إلى يد المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي ليفتتح المنظمة العالمية للسينما.

كان الفيلم بمثابة مختبر للسينما العربية، إذ للمرة الأولى يتم بشكل قوي ومنفرد العمل على نوع من السينما الغنائية، وعلى رغم أن العالم العربي لم يستفد من هذا الفيلم، وما يمكن أن يفتحه من نوافذ جديدة يظل اليوم منطبعاً في الذاكرة السينما العربية.

يقول المخرج المغربي عن هذا الفيلم "أدرجت إحدى الأغاني الأكثر رمزية لناس الغيوان ’فين غادي بي خويا‘ في افتتاح أول فيلم لي ’آليام آليام‘، فأثرت بعمق في الجمهور والنقاد. بحكم اهتمامي الشديد بالفرقة، كان لدي مشروع فيلم موسيقي عنهم، فطلبت مني المنتجة إيزا جنيني تصوير إحدى حفلاتهم الموسيقية، عرضت عليها مشروع فيلم شخصي أكثر طموحاً وتفرداً وقبلته بحماسة وشجاعة. أما سهيل بن بركة فتدخل بدافع الصداقة للمساعدة في عمليات ما بعد الإنتاج، وسد بعض النقص في الموارد المالية".

مهرجانات مرتبكة

ولم يعمل كثير من المخرجين العرب في أفلامهم على تأليف أغنيات وإنتاج وابتكار موسيقى تصويرية من شأنها أن ترفع من العمل السينمائي وصوره، وهو أمر متوفر اليوم بقوة لدى التجارب الموسيقية الجديدة، غير أنها تبقى في مجال الموسيقى من دون أن تقتحم العمل السينمائي.

وأحياناً أخرى تجدها كما الحال داخل السينما المصرية مثلاً، طاغية عليها بشكل ميلودرامي مفرط، يبدد كل رغبة في استكمال عملية المشاهدة. وهذا العجز يجعل دائماً من السينما العربية تقليدية في متخيلها وسلوكاتها وتنظيمها ورؤاها.

 

 

ولا شك أن الهشاشة التي تنضح بها برامج السينما داخل المهرجانات تنم عن هذا العجز البين الذي يحول الإنتاج السينمائي إلى محض غرافة وهباء، غير أن هذه العلاقة المتشابكة بين السينما والموسيقى لا يبتهج بها إلا المخرج الذي يتوفر على ثقافة موسيقية ووعي زائد بحسها قبل أن يبلوره بصرياً، كما أن الوعي بأهمية التقنيات الجديدة يزيد من أهمية هذه العلاقة على المستوى البصري، فإذا فكرنا قليلاً في الذكاء الاصطناعي سنعثر على علاقة خفية بينه وبين الموسيقى.

يقول الناقد الفني عبدالرزاق الزاهير في كتابه "السرد الفيلمي: قراءة سيميائية" إن "اعتماد الفيلم المصري الكيت كات على اللغتين السمعية والبصرية، يجعل البحث في كيفية تعالقهما وتبنيهما داخل الفيلم من الأهمية بمكان، إذا كان السمعي يتجاوز حدود اللقطة فإن البحث في العلاقة بينه وبين البصري ستكون على مستوى أكبر من اللقطة، أي على مستوى المقطع ما دامت اللغتان تتظافران في بناء اللغة المقطعية والفيلمية عموماً".

خلال السنوات الأخيرة بدأت تبرز على سطح المشهد السينمائي بعض التجارب الموسيقية الجديدة، إلا أنها تبقى ذات ارتباط كلي بالمسلسلات والبرامج والسيتكومات، إذ لم تعط لها الفرصة بعد للدخول إلى عالم المتخيل السينمائي، بما يجعلها تتمرس على عملية تأليف أعمال حقيقية تبقى في ذاكرة المجتمعات، بدل الجري وراء التلفزيون وما يفرضه من استسهال وترفيه.

المزيد من ثقافة