Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جوني ديب يفتتح "كان" باحتفال شعبي وسجال مفتعل

النجم الأميركي تخطى أزمة المحاكمة ببراءته وعلاقته بالمخرجة لم تخل من توتر  

مشهد من الفيلم في قصر فرساي حيث تم التصوير (ملف الفيلم)

بعد عام على المعركة القضائية بين جوني ديب وطليقته أمبر هيرد، عاد أمس الممثل الأميركي الشهير إلى الأضواء من بوابة مهرجان "كان" السينمائي (16 - 27 مايو/ أيار) مفتتحاً الدورة السادسة والسبعين بفيلم "جانّ دو باري" للمخرجة الفرنسية مايوان حيث يلعب دور الملك لويس الخامس عشر. حظي ديب باستقبال الأباطرة، منذ اللحظة التي وطأ فيها على جادة الكروازيت، حيث مجموعة كبيرة من الناس كانت تجمهرت لإلقاء التحية عليه والتقاط الصور معه أو الفوز بتوقيع بخط يده. حرص ديب، كعادته، على تلبية رغبات أكبر عدد ممكن من المعجبين والمعجبات. خصص لحظات طويلة لمقابلة الناس قبل ان يدخل مع فريق الفيلم إلى صالة "لوميير" لحضور الافتتاح. وشوهد يذرف دمعة على خده بعد انتهاء عرض الفيلم.

استقبال جماهيري

هكذا كان المشهد مساء أمس أمام قصر مهرجان "كان": استقبال جماهيري حاشد لفنان فرشت له السجادة الحمراء بعدما عاش أزمة شخصية، وأضحى حديث الجميع لأسابيع عدة، بعدما بُثت وقائع المحاكمة مباشرةً وتابعها ملايين على وسائط التواصل الاجتماعي. أمس، خرج ديب من صفحات القضاء في الجرائد عائداً إلى صفحته المفضلة، السينما. لكن، رغم أنه تمت تبرئته من تهم العنف الأسري التي كانت موجهة إليه، فلا تزال أصداء القضية تطارده إلى المهرجان، وبعض الاعلاميين حاولوا في الأيام الماضية إقحام القضية في سياق الحديث عن فيلم الافتتاح. خلال لقاء الصحافيين مع المدير الفني تييري فريمو، جرى عشية الإفتتاح، سألت مندوبة مجلة أميركية عن الدافع خلف اختيار فيلم يمثل جوني ديب بطولته علماً أن "صورته في أميركا ليست إيجابية"، فجاء رد فريمو حاسماً: "نحن نشاهد فيلماً ونختاره. إني أؤمن بحرية التعبير التي تمارَس تحت سقف القانون. لو كان جوني ديب ممنوعاً من العمل وكان الفيلم نفسه ممنوعاً، لما تحدّثنا عنه. هذا كلّ ما في وسعي أن أقوله، وإذا كان هناك شخص واحد لم يتابع قضية جلسات محاكمة ديب، فهو أنا. لا أعرف حتى عمّا تتحدّث. أهتم بجوني كممثّل".

قضية جوني ديب لم تكن الوحيدة التي ألقت بظلالها على فيلم الإفتتاح. فالمخرجة مايوان التي سبق أن عرضت عدة أفلام في "كان"، أثارت بلبلة بعدما اعتدت على الصحافي الشهير إدوي بلينيل وبصقت على وجهه خلال وجوده في مطعم باريسي خلال فبراير (شباط) الماضي. ونقلت الصحف أن بلينيل رفع دعوة عليها عند السلطات المختصة. أما سبب هذا الإعتداء، فمن المرجح أن المقالات التي نشرتها الصحيفة الإلكترونية "ميديابار" (بلينيل من مؤسسيها) عن لوك بوسون (طليق مايوان وأبو ابنتها) متهماً إياه بالاغتصاب، هي التي دفعتها إلى هذا التصرف.

تُضاف إلى هذا كله الخلافات التي نشبت خلال التصوير بين مايوان وديب، والتي عادت المخرجة ووضعتها في خانة الإختلافات في نمط العمل بين أميركا وفرنسا. روت مايوان أنه كان ممنوعاً عليها طرق باب حجرة ديب خلال التصوير لإبلاغه ببدء التصوير، ومع ذلك خالفت هذا "العرف" ذات يوم، قبل أن تشرح لديب أن المخرج هو صاحب القرار في فرنسا، خلافاً لأميركا حيث الممثّل لا يخضع لأوامره. 

جو متشنج

هذه الأجواء المتشنجة لم تكن مثالية لعرض الفيلم والحديث عنه كعمل فني، ذلك أنها انعكست سلباً على العمل ومنعت البعض من إبداء رأي موضوعي فيه، بعيداً من الشخصنة. ولكن، يجب ألا ننسى أن في "كان"، عدداً كبيراً من الإعلامين ممن يبحثون عن السبق الصحافي والأخبار السطحية، والقليل ممن يكتبون عن الأفلام من وجهة نظر نقدية. 

يعود بنا "جانّ دو باري" إلى القرن الثامن عشر لنتابع الحكاية الكاملة لجانّ فوبرنييه، فتاة من الشعب وابنة طباخة، استطاعت دخول البلاط الملكي، وإغواء الملك لويس الخامس عشر مستخدمةً سحرها، قبل أن تصبح محظيته وتنال لقب كونتيسة، لينتهي أمرها بعد موت الملك تحت المقصلة عند قيام الثورة الفرنسية. الفيلم الذي يخرج في كل فرنسا بالتزامن مع عرضه في "كان" يمكن اختصاره بثلاثة أسطر، لكنه مشهدياً أكثر من هذا بكثير، وهو يمتد على ساعتين من الاستعراض السينمائي الذي يثير المتعة. متعة المشاهدة أقوى من أي شيء آخر في هذا المشروع الضخم والطموح الذي كان يسكن مايوان منذ سنوات، علماً أنه كلّف 20 مليون يورو لسرد قصة امرأة استثنائية صورتها امرأة أخرى بعدما رأت فيها مصيراً استثنائياً، وكان عليها بالتالي انتشالها من النسيان ورد الإعتبار إليها، خصوصاً أن أفلاماً أخرى، منها "ماري انطوانيت" لصوفيا كوبولا، كانت تعاملت معها كشخصية ثانوية. 

ينطلق الفيلم مع عرض لأبرز محطات سيرة هذه الفتاة الطموحة، من نشأتها في دير للراهبات ثم كيفية تثقيفها على يد رجل يأخذها تحت جناحه، فصعودها الاجتماعي التدريجي إلى الذروة. ولكن عليها مواجهة المحيطين بالملك، لا سيما بناته اللواتي يُكنّ كرهاً لها لكونها تأتي من أصول متواضعة. لكن، جانّ، بطابعها الصلب وعفويتها وقدرتها على دبّ الروح أينما حلّت، تصر على أنها تستحق هذه المكانة محدثةً قطيعة مع ماضيها. ولعل أجمل ما في الفيلم هو أننا نرى حياة القصر وبروتوكولاتها من وجهة نظرها، مما يجعلنا نتماهى معها وهي تدخل إلى هذا المكان التاريخي الذي هو قصر فرساي.

تروي مايوان الحكاية بصيغة تذكّر بـ"باري ليندون"، رائعة ستانلي كوبريك، وهو الفيلم الذي تعترف أنه شكّل صدمة لها يوم شاهدته للمرة الأولى. على غرار فيلم كوبريك، تستعين بالتعليق الصوتي الذي يسبق أحياناً الأحداث، وبحركات كاميرا مدروسة ودقيقة تثير الإبهار، وكذلك بحس جمالي يفرض نفسه منذ اللحظة الأولى. أما على مستوى المضمون، فنحن أمام شخصية تشبه إلى حد بعيد شخصية باري ليندون، في طموحها وتسلقها، ثم سقوطها وانهيارها. لا يمكن المُشاهد الذي لا يعرف فيلم كوبريك أن يرى هذا التشابه، ولكنه بديهي لأي سينيفيلي، هاوي سينما. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد ان الفيلم ليس فقط عن صعود شخصية طموحة وتقهقرها، بل ينطوي على موضوعات مثل صراع الطبقات في فرنسا القرن الثامن عشر، والعلاقة بين صاحب سلطة وصاحبة سلطة من صنف آخر. صُوِّر الفيلم في قصر فرساي ليوفّر رحلة عبر الزمن في ذلك الصرح الكبير، مع ما يحفل من شخصيات ملكية قد تبدو مضحكة اليوم بسبب ملبسها وطبقات البودرة على وجوهها، وكيف تضحك أو تغضب.

كل هذه الصورة التي يرسمها الفيلم تقع في منتصف الطريق بين الهجاء المقصود والسقوط الوشيك في فخ الكاريكاتور. هذا كله يقع بعيداً في الزمن، ومع ذلك يمكن لمسه على الشاشة، بفضل استعادة ستغدو حتماً موضوع نقاش بين المؤرخين والمتخصصين بالتاريخ الفرنسي في الأيام القادمة. ما يهمنا نحن ليس القراءة التاريخية للأحداث، بل ما فعلته مايوان من كل العناصر المتداخلة، خصوصاً أنها أردات فيلماً تاريخياً لا يقف عند الماضي، بل يتردد صداه في الواقع المعاصر.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما