2 أغسطس: أشأم من طويس

تجاوزت الكويت جراحها وتسامت فوق ذكريات الخيانة والغدر لتمد يد العون للعراق الجار الشقيق

قبل تسعة وعشرين عاماً، وتحديداً في الثاني من أغسطس (آب) عام 1990، دكت جحافل الجيش العراقي دولة الكويت واحتلتها وشردت أهلها وقتلت وعذبت وأسرت واختطفت وعاثت في البلاد دماراً ونهباً. في ذلك اليوم المشؤوم، تحطم كل شيء عن التضامن العربي وكل فكرة عن "الأمن والدفاع العربي المشترك".

تراص الكويتيون خلف قيادتهم السياسية، ورفضوا الاحتلال والعدوان، وقاوموه بكل ما يملكون من قوة، وكان تلاحمهم ووحدتهم الأرضية الصلبة، والمدخل الأساس للتضامن مع الحق الكويتي ونصرته.

وفي مقابل الغدر والعدوان، كانت الفزعة والنصرة الخليجية بقيادة المملكة العربية السعودية بعهد الملك فهد بن عبد العزيز-طيب الله ثراه- والذي ردد كلمات غضبة مضرية نعلمها للأجيال ونرددها بحساباتنا كلما عادت ذكرى الشؤم والغدر: "إما ترجع الكويت، أو تروح السعودية معها".

ووقفت معظم الدول العربية مع الشعب الكويتي، وتضامن معها المجتمع الدولي، وتشكلت جيوش ثلاث وثلاثين دولة "لعاصفة الصحراء" التي حررت الكويت بعد سبعة أشهر عجاف من الاحتلال والظلم والقهر.

تمر الذكرى التاسعة والعشرين لذلك اليوم المشؤوم الذي لم تعد المنطقة العربية بعده مثلما كانت قبله، فالعراق لم يعد عراقاً منذ تلك الليلة الظلماء التي قرر فيها صدام حسين أن يغزو غدراً دولة عربية جارة مسالمة طالما وقفت مع بلاده في أيام محنتها وحربها الطويلة الضروس التي خاضها مع إيران. ولّى صدام حسين بلا رجعة، وفي طريقه للفناء جر معه العراق المنكوب. منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا، تحطم العراق وتبعثر، وأصبح اليوم مرتعاً للأحزاب الطائفية والفساد والفوضى، وصارت إيران اليوم تمسك بتلابيبه، وتتحكم بتعيين مسؤوليه ووزاراته ونوابه، ويعيش حالة غير مسبوقة في تاريخه من التراجع والانهيار.

 

 

العرفان

تعافت الكويت (إلى حد كبير)، وعادت روحها من جديد تتطلع نحو البناء وتتوق للحرية والاستقرار والسلام، وتستذكر بالفخر والاعتزاز تضحيات أبنائها وصلابة قيادتها وعمق وحدة شعبها.

ولا ينفك لسان الكويت- حكومة وشعباً- يلهج بالثناء والعرفان لموقف التضامن والمناصرة الخليجي- العربي- الدولي الذي شكلت المملكة العربية السعودية رأس حربته، فلولا أن سخرت المملكة العربية السعودية أرضها وماءها وسماءها لما تحررت الكويت- هذه حقيقة لا ينكرها إلا جاحد، والكويتيون معروفون بالوفاء والعرفان ورد الجميل.

تجاوزت الكويت جراحها، وتسامت فوق ذكريات الخيانة والغدر لتمد يد العون للعراق الجار الشقيق، والمساعدة في تجاوز مصائبه التي توالت عليه منذ مجيء صدام حسين للحكم وبطشه بشعبه وجيرانه حتى ولّى إلى محرقة التاريخ بعدما كان المتسبب الأول بحرق الأخضر واليابس ببلاده.

لعل كثير مما كتبته أعلاه، متكرر بالندوات والمقالات والكتابات، ولكن تكراره هنا له مسبباته، فدروس العدوان المشؤوم قائمة لمن يريد الاستفادة منها، والتضامن الكويتي التاريخي الذي لم يسجل له التاريخ مثيلاً، تشوبه اليوم شروخ داخلية بين فئات مجتمعه من طائفية وقبلية وعنصرية بغيضة وحزبية دينية مرتبطة بالخارج، وقد ظن المخلصون من أبناء الكويت أنهم تجاوزوا تلك التفرقة بعد وحدة الدماء والتضحيات في مقاومة جيوش الغدر والاحتلال.

التلاحم الكويتي السعودي

نكرر التعبير عن العرفان والشعور بالفخر بالموقف الخليجي- العربي- الدولي، وبالذات، موقف المملكة العربية السعودية، التي سخرت الغالي والثمين لنصرة الكويت شعباً وقيادة، في وقت نشهد فيه حملة شعواء منظمة في وسائل الإعلام المختلفة، تقودها أحزاب دينية سياسية، لدق أسافين في العلاقات الخليجية- الخليجية وتحديداً بالعلاقات الكويتية- السعودية، وشنت حسابات الإعلام الاجتماعي المدفوعة الثمن هجوماً على هذا الطرف أو ذاك، واختلاق قصص وفبركات لخلق هوة في العلاقة العضوية المصيرية بين الكويت والسعودية. لذا يجد الواحد لزاماً عليه أن يذكر بالتلاحم الكويتي- السعودي عبر التاريخ، وواجباً علينا بتأكيد ما هو مؤكد بوحدة المصير المشترك بين الدولتين الشقيقتين، مهما اشتدت التباينات، ومهما اختلق الخصوم من فبركات الوهم وأفلام الخيال والتمنيات.

إن ما تشهده منطقة الخليج اليوم، هو استمرار لتداعيات ذلك اليوم الأشأم في تاريخ العرب الحديث، ودروس ذلك الغزو بائنة للعيان، لمن كان له قلب وبنان. منطقتنا ملتهبة، والعربدة الإيرانية فيها تمتد من اليمن إلى سوريا ولبنان، ناهيك عن العراق الذي أصبح تحت الهيمنة الإيرانية، وهو واقع يحثنا على استرجاع دروس التضامن الخليجي، والتضحيات التي قدمها الجميع انتصاراً للكويت وحريتها.

طويس

بالأمس القريب، قلب الرئيس الأميركي المتقلب دونالد ترمب ظهر المجن لأقرب حلفائه الغربيين، بريطانيا، معلقاً على قرصنة إيران لسفينة بريطانية بالمياه العمانية قرب مضيق هرمز، حيث قال إن على بريطانيا حماية سفنها بالخليج، ولعل هذا يذكرنا بأهمية تلاحمنا والانتباه لما يحدق بنا "فما حك جلدك مثل ظفرك". ولعل هذه الذكرى المشؤومة تذكرنا بأهمية تلاحمنا الذي نحن أحوج ما نكون إليه في هذه المرحلة التي تكالب علينا فيها الأعداء بمعاونة بعض الأشقاء، فلا مناص ولا خلاص إلا بخلاص الجميع، ولا قوة في العالم قادرة على حمايتنا ما لم نشحذ قوانا الذاتية بتوحيد الصفوف الخليجية ورصها قبل كل شيء.

قالت العرب "أشأم من طويس" وللمثل قصة قديمة، و2 أغسطس عام 1990 كان يوماً مشؤوماً بكل المقاييس التي تجعل من طويس رمزاً للتفاؤل بدلاً من ربطه بالشؤم والويل والثبور.

المزيد من آراء