Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أسهمت التكنولوجيا في توسيع رقعة الجريمة بدل تحجيمها؟

مخاوف من تنامي دور مواقع التواصل في تعزيز الجريمة      

نظرة المجتمع للمجرم متغيرة باستمرار (غيتي)

ملخص

#الجريمة حديثاً معركة من أجل الكماليات لا الأساسيات والحل علمياً في "تقليل وسائل الإغراء حول المجرم"

أقدم جريمة عرفها الإنسان القتل، إذ قام قابيل بقتل أخيه هابيل، الإنسان وقتها كان أقل ذكاء مما هو عليه الآن، فالغراب دل قابيل على طريقة طمس جنايته من خلال إخفاء جثة الضحية.

منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، يدور البشر في حلقة شبه مفرغة في محاولة لإنهاء الجريمة، والسبب في ذلك يعود إلى ارتكاب أخطاء كثيرة نتيجة للتفكير غير المنطقي في مفهوم الجريمة قديماً، إذ تأخرنا في اعتماد العلم كوسيلة رئيسة في هذا المجال، إلى جانب عدم قدرتنا على توظيف التقنيات الحديثة بشكل حاسم في هذا الصراع في وقتنا المعاصر. 
فيما الجريمة تتطور باستمرار، ويقول المحامي صائب العزة معللاً هذه الحالة إن عالم الجريمة يتسم بالذكاء، فالمجرم يطور أساليب جديدة تسبق القوانين أحياناً كما أنه يعمل دائماً للإفلات من العقاب في حال الإمساك به. 
الجريمة قديماً

ورد في مجلة العلوم الإنسانية مقالة بعنوان "تطور الجريمة واستراتيجية معالجتها"، أن نظرة المجتمع للمجرم متغيرة باستمرار، إذ كان المجرم قديماً بمثابة عدو للمجتمع لذلك حاول المجتمع الانتقام منه بدل إصلاحه بخاصة في عهد السلطات الغاشمة التي مثلتها سلطات مجتمعية عدة، من أشهرها دور شيوخ القبائل وتعاليم الكنيسة في العهد الأوروبي القديم، إذ تركت آثاراً سلبية كثيرة، واستمر ذلك حتى مطلع القرن الـ19 إذ حاول رجال القانون التعامل معها من خلال محاولة فهم الجريمة ومبرراتها والوقاية منها. وتبين رسالة الدكتوراة لمزهر جعفر عبد حول "جريمة الامتناع" ومقالة المحامي سامي العوض بعنوان "الجريمة في مدلولها الجنائي" وكتابات أخرى، أن الجريمة تطورت كثيراً خلال القرون الوسطى وما قبلها بسبب إنكار المجتمع لدوره في حدوثها. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد ظل هذا الاعتقاد سائداً حتى زمن "أرسطو" الذي اعترف بأن المجرم إنسان وضع في بيئة خاطئة، ولكنه مع ذلك دعا إلى معاقبته مثل "حيوان شرس"، فكان تطبيق العقوبة يتمثل في تعذيب المجرم وانتظار موته بسبب الاعتقاد السائد بأن أفعاله ما هي إلا "أثر الشيطان" أو نتيجة أرواح شريرة سكنته ودفعته إلى ارتكاب هذا الفعل الشائن، وهو ما عرف بالتفكير غير المنطقي (الغيبي) في تفكيك الجريمة وتحديد العقاب.

الجريمة حديثاً

النشوة والرغبة في تملك الأشياء وحب السيطرة على الآخرين إضافة إلى الانتقام من السلطات الرادعة للمجرم، هي أهم مبررات الجريمة حديثاً، فالجريمة وفق القانوني الإنجليزي (جيريمي بانثام 1748-1832) هي معركة من أجل الكماليات لا الأساسيات كما كان معروفاً حتى أفلاطون، ويعد بانثام صاحب كتاب "مبادئ الأخلاق والتشريع" والمؤسس الروحي لجامعة لندن واحداً من أشد منتقدي الخيال القانوني القديم، إذ دعا إلى "تقليل وسائل الإغراء حول المجرم" وله يعود الفضل في دفع المجتمعات الحديثة مطلع القرن الـ19 نحو الاعتراف بدور المجتمع كله في وقوع الجريمة.

الجريمة عند العرب

خرج العرب في الإسلام من عباءة القوانين العرفية التي كانت تدور في حلقة مفرغة أخرى يمكن اختصارها بقانون الثأر فالدم بالدم، وجاء خروجهم من هذه الحالة في زمن الخليفة الثاني للمسلمين عمر بن الخطاب الذي عطل حد السرقة في زمن الرمداء أو المجاعة.

وقال حينها جملته الشهيرة "لو جاءني سارق قطعت يده ولو جاءني جائع قطعت يد ولي أمره". ويؤكد أستاذ الفقه في جامعة النجاح في نابلس جمال زيد الكيلاني أن الاسلام ذهب إلى أبعد من ذلك حين تفوق على التشريعات الوضعية في مجال تحميل الممتنع عن تقديم واجب العون مسؤولية، مما ينجم عن ذلك من جرائم ولو وصلت إلى درجة الإعدام. 
في حين أن المحامي العزة يوضح أن القانون عموماً بما في ذلك القانون الأردني يعاقب الممتنع في حال كان مكلفاً بأداء واجب رسمي مثل رجل الإطفاء، فيما لا يجرم إنساناً عادياً امتنع عن تقديم العون خوفاً من تسبب الإنسان بضرر أكبر في بعض الحالات، ويعود ذلك إلى مراعاة القضاء مبدأ "القصد الجرمي" الذي ينطبق على كل الحالات في هذا الشأن وفق "العزة" إلا في حال قانون الاتصالات الذي يمكن من خلاله تحقيق القصد الجرمي بطريقة أوسع من الحالات الجنائية الأخرى. 

شرلوك هولمز

تعد الشخصية الأسطورية للمحقق الإنجليزي شرلوك هولمز من أهم الشخصيات الخيالية المرتبطة بالجريمة، وقد استطاع الطبيب الاسكتلندي آرثر كونان مبتكر الشخصية أن يجعل من هذا الرجل السوداوي والفوضوي إنساناً خارقاً، وتكمن أهمية هذه الشخصية الوهمية في أنها جاءت في توقيت حاسم ساد خلاله اليأس من قدرة الإنسان على إنهاء الجريمة من دون حاجة إلى قوة خارجية.

 
 
وهولمز هو أول محقق خاص من خارج سلك الشرطة وهو تجسيد لرغبة المجتمع حينها في الاستعانة بالعلوم الطبية والشرعية من أجل حل لغز الجريمة في ظل عجز القوى الأمنية التقليدية عن ذلك، وقد وصف واطسون وهو صديق "هولمز" وكاتب سيرته صديقه في واحد من أجزاء العمل أنه أقرب إلى "إنسان آلي أو آلة حاسبة"، مؤكداً أن فيه "شيئاً غير بشري" وفي ذلك إشارة أكثر وضوحاً إلى أن الإنسان في فترة من الفترات توقع أن تلعب الآلة من خلال التقنيات الحديثة دوراً حاسماً في إنهاء هذا الصراع الأزلي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

الجريمة ووسائل التواصل 

أثار النزاع بين تطبيق "سناب شات" الشهير وأجهزة القضاء في بعض الحكومات أخيراً مخاوف من تنامي دور مواقع التواصل في تعزيز الجريمة، ويرفض "سناب شات" إعطاء معلومات حول مستخدمي التطبيق كما هو شأن كل مواقع التواصل الأخرى التي انصاعت إلى رغبة أجهزة حكومية في تتبع مستخدمي هذه التطبيقات للكشف عن الجريمة. 

ويرى العزة أن مواقع التواصل أسهمت في زيادة الجريمة، بخاصة الابتزاز والاحتيال وتجارة الأعضاء، في حين ظلت مهمة الإمساك بالمجرم "رهناً بإمكانات الدولة التي تقع فيها الجريمة" وظلت الحكومات تحت رحمة الخوف من تهمة التضييق على حرية مستخدمي هذه التطبيقات خصوصاً في ما يتعلق بالحسابات الوهمية وغير الموثقة رسمياً. 
ويضيف العزة "السجون المكتظة تساهم في زيادة الجريمة نظراً إلى اختلاط المجرمين من جرائم مختلفة ببعضهم بعضاً، وهناك كلفة مرتفعة لتنظيم السجون، فنسبة الأشغال في السجون الأردنية بعد إطلاق كثيرين في فترة كورونا بلغت الآن 140 في المئة وفق آخر التصريحات الرسمية".
 وختم المحامي المختص بالقضايا الحقوقية والمدنية بالإشارة إلى ما يسمى فساد بعض التشريعات وعدم مواكبتها لما يستجد في عالم الجريمة، بوصفها أسباباً رئيسة في تفاقم حال الإفلات من العقاب الرادع الذي يساعد في التخلص من خطر الجريمة على المجتمع.
اقرأ المزيد

المزيد من تقارير