Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روايتان تتنازعان تاريخ أوكرانيا منذ 1500 عام

يعد زاخراً بالروابط المشتركة مع روسيا وجارتها بيلاروس إلا أنها ظلت محل تجاذب قوي بين الأوروبيين وموسكو

تاريخ طويل من الحروب التي شنت ضد كييف على رغم رمزيتها (أ ب)

عندما أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الهجوم على #أوكرانيا في الـ 24 من فبراير (شباط) 2022، كان الهدف الرئيس إخضاع العاصمة كييف بما تحمله من رمزية تاريخية وثقافية ودينية، وإسقاط النظام الحاكم هناك بقيادة الرئيس فولوديمير #زيلينسكي، لكن هذا الهدف لا يزال صعب المنال في ظل صمود الجيش الأوكراني، على عكس توقعات #موسكو.

وفي الأثناء استمر النزاع بين الروس والغرب على أكثر من جبهة، سواء على مستوى الاقتصاد أو الثقافة، لكن التاريخ مثّل مسرحاً آخر لإثبات كل طرف سرديته في شأن دوافع الصراع، مما يجعل من توقعات العالم والسياسي الأميركي صامويل هنتنغتون في مؤلفه المرجعي "صدام الحضارات"، حقيقة ماثلة، فاليوم يبدو الصدام صداماً حضارياً وثقافياً بين الأوروبيين وروسيا، فلطالما ردد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تصطدم طموحاته في ضم الأراضي الأوكرانية بمقاومة شرسة، في كل خطاباته أن أوكرانيا جزء لا يتجزأ من روسيا وتاريخها، وأن "فكرة إنشائها في حد ذاتها مجرد وهم".

فكيف نشأت أوكرانيا وبخاصة العاصمة كييف؟ وكيف تطورت العلاقة مع الروس؟


أم المدن الروسية

في الواقع تركيز الرئيس بوتين المهووس بالتاريخ على تبعية أوكرانيا لبلاده ليست وليدة اللحظة، ففي عام 2014 وعند اندلاع النزاع حول شبه جزيرة القرم اعتبر أن "كييف هي أم المدن الروسية".

ويكشف هذا الإعلان الذي يعكس قراءة بوتين الخاصة لتاريخ كييف، روايتين تتنازعان في شأن تاريخ هذه العاصمة منذ أكثر من 1500 سنة، ففيما ترى موسكو أن كييف شأنها شأن بقية الأراضي الأوكرانية، جزء لا يتجزأ من الفضاء الروسي، فإن الأوكرانيين والغرب يحاولان التصدي لهذه القراءة التي سعى الكرملين طوال سنوات إلى ترسيخها كحقيقة ثابتة.

وبالعودة لتصفح أوراق التاريخ فإن كييف التي لها موقع استراتيجي وتستوعب مخزوناً ثقافياً ودينياً مشتركاً، شكلت مهداً لحضارة الأسلاف الشرقيين خلال القرون الوسطى وبخاصة بين التاسع والـ 12، وبعد أن خضعت للاحتلال من قبل الخزر وهم من الشعوب التركية القديمة، تم إخضاع كييف في منتصف القرن التاسع من قبل الفايكنغ الذين يمثلون الشعوب الاسكندنافية، والذين قاموا في مرحلة لاحقة بتنفيذ خطط تهدف إلى توسيع المدينة، وأطلقوا عليها تسمية "إمارة كييف روس" التي ضمت كل القبائل السلافية بقيادة الأمير روريك الذي أرسى حكم سلالته لـ "كييف روس" منذ العام 862.

ومنذ ذلك الحين أضحت "كييف روس" مهداً لبقية الشعوب الروسية التي تتمثل الآن في أوكرانيا وبيلاروس وروسيا، وكانت القبائل السلافية ترتبط في تلك الفترة بلغة واحدة هي الروسية القديمة، وبروابط اقتصادية ودينية متينة أيضاً من خلال اعتناق المذهب الأرثوذكسي.

لكن هذا التحالف بين القبائل السلافية سرعان ما قوض بسقوط كييف بعد غزو المغول لها عام 1240 إذ تم تدميرها، وأعقب ذلك انسحاب الروس وتأسيسهم لموسكو.

لكن الأمر لم يستقر على ذلك، إذ خضعت "إمارة كييف روس" بعد ذلك لعدد من المحتلين على غرار الليتوانيين والبولنديين وغيرهما، لينطلق بذلك الصراع المحموم على "أم المدن الروسية" بين الغرب بقيادة بولندا آنذاك وموسكو في شأن انتزاع السيطرة على كييف.

ومنذ ذلك الحين طرأت الانقسامات على الأوكرانيين الذين انحاز جزء منهم على غرار مجموعة القوزاق إلى الغرب، فيما اختار شق آخر موالاة روسيا خصوصاً في إقليم دونباس المتاخم لها، والذي تنتشر فيه اللغة والعادات الروسيتين بشكل كبير، وإثر ذلك نجحت روسيا في السيطرة على كييف مجدداً.

ويقول المؤرخ الأوكراني إيلي بورشاك إن "العلاقة بين روسيا وأوكرانيا وبين كييف روس تشكل المشكلة الأساس لتاريخ أوروبا الشرقية".

عام على حرب أوكرانيا
في 24 فبراير 2022، شنت روسيا هجوماً عسكرياً واسعاً على أوكرانيا، لمواجهة خطط توسع حلف شمال الأطلسي. بعد مرور عام، العالم بأسره يعاني من تداعيات الحرب فيما لا تلوح في الأفق أية نهاية قريبة للنزاع.
Enter
keywords

 

الاستقلال والمجاعة الكبرى

استمرت سيطرة روسيا على أوكرانيا إلى حدود عام 1918 حين استثمرت أوكرانيا نجاح الثورة البلشفية بقيادة الحزب البلشفي ورئيسه فلاديمير لينين والجيش الأحمر بقيادة ليون تروتسكي لإعلان استقلالها، وهو ما دفع بوتين مراراً إلى توجيه النقد للينين الذي يرى أنه تسبب في "التفريط في أراض روسية" في إشارة لأوكرانيا.

لكن عام 1922 أعادت أوكرانيا الانصهار في الاتحاد السوفياتي بقيادة البلاشفة بالقوة بعد إعلان قيام الاتحاد الذي سيعاني فيما بعد كييف من ديكتاتورية حكمه تحت قيادة جوزيف ستالين الذي سيشن حصاراً على المدينة عام 1932.

وأسفر هذا الحصار عن مجاعة راح ضحيتها ما لا يقل عن 4 ملايين أوكراني دفعوا ثمن رفض اتباع سياسات ستالين التوحيدية.

وحاول ستالين منذ عام 1929 فرض نظام جماعي يستبدل المزارع المملوكة بشكل فردي بأخرى جماعية تديرها الدولة، وهو خيار رفضه المزارعون الأوكرانيون الذين لم يلبوا نداء من وصفوه بـ "الديكتاتور الروسي" للتفويت في أراضيهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أقدمت الحكومة المركزية في موسكو على ترحيل الكولاك، أي المزارعين الأغنياء، الذين رفضوا خطط الزراعة المشتركة إلى مناطق نائية في أوكرانيا للعمل في معسكرات تابعة للاتحاد السوفياتي في ظروف صعبة.

ولقبت هذه المجاعة التي كانت الأسوأ في تاريخ أوكرانيا بمجاعة الـ "هولودومور"، وهي مجاعة لم تعترف بها روسيا بعد.

بعد ذلك لم تسلم كييف من شظايا الحرب العالمية الثانية، إذ تعرضت للهجوم النازي خلال الفترة الممتدة من الـ 19 من سبتمبر (أيلول) 1941 إلى السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 1943، ولم تصمد القوات المدافعة عن كييف قبل سقوطها بقبضة النازيين سوى شهر أو أقل، في حين نجح السوفيات في طرد النازيين في معارك استمرت حوالى الشهر أيضاً.

ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي

تحت مظلة الاتحاد السوفياتي عانى الأوكرانيون كثيراً قبل انهياره عام 1991، وهو انهيار عبّد الطريق نحو الاستقلال من دون فك الارتباط نهائياً بموسكو، فكييف شهدت منذ ذلك التاريخ ديناميكية واسعة من خلال اجتذابها عدداً من الأوروبيين من أصول أوكرانية وغير ذلك من جنسيات، وتغيرت ملامح المدينة من الملامح السوفياتية إلى الليبرالية.

وبين عامي 2004 و2005 عرفت ساحات كييف اندلاع الانتفاضة البرتقالية التي دعا أنصارها علناً إلى الاستقلال الكامل عن روسيا، وهي انتفاضة اكتسبت زخماً شعبيا قوياً في البداية قبل أن تواجه انتكاسة عام 2010 بعد انتخاب الرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لموسكو رئيساً لأوكرانيا.

غير أن حكم يانوكوفيتش لم يعمر طويلاً، إذ انتهى بخلعه إثر مواجهات دامية في فبراير 2014 شهدتها ساحات كييف وقادت إلى مقتل ما لا يقل عن 100 أوكراني، وهو ما حرك السيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم واحتلالها في العام ذاته.

ومن خلال محاولة الحكومة المركزية شن حملة لقطع الصلات مع روسيا بما في ذلك التخلي عن الروسية، اندلعت الحرب بين انفصاليي الشرق في دونيتسك ولوغانسك ضد الحكومة المركزية في كييف عام 2014، قبل أن تدخل القوات الروسية هذا النزاع لدعم الانفصاليين، وقبيل بدء الهجوم الروسي العام الماضي اعترف بوتين باستقلال جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك في خطوة واجهت رفضاً غربياً.

وفي المحصلة فإن أوكرانيا التي يعد تاريخها زاخراً بالروابط المشتركة مع روسيا وجارتها بيلاروس سواء ثقافياً أو دينياً أو غيرهما، إلا أنها ظلت محل تجاذب قوي بين الأوروبيين وموسكو، مما يجعل مستقبلها غامضاً بعد عقود من الحروب والمجاعات.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات