الملاك النائم سليم… غريق غيبوبته منذ 12 سنة

ترفض العائلة فكرة "الموت الرحيم" رغم معرفتها التامة بأن دماغه معطل بنسبة كبيرة

صورة للطفل سليم قبل غرقه ووقوعه في الغيبوبة (اندبندنت عربية)

"لجأنا إلى مستشفيات عالمية كثيرة طلباً للعلاج، إلا أن ردودهم كانت سلبية، ومعجزة إلهية فقط تستطيع أن تكسر هذا الكابوس المؤلم، ويصحو سليم من غيبوبته لتعود ضحكاته البريئة وتملأ المنزل".

غرق سليم

لم ولن تنسَى عائلة سعادة من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، ليلة الأول من أغسطس (آب) 2007 التي كانت مليئة بالصراخ والعويل والرعب، فبين محاولات الإنقاذ الحثيثة وأصوات الصعقات الكهربائية، دخل الطفل سليم سعادة إبن الثلاث سنوات آنذاك في غيبوبة بعدما غرق في بركة منزله، وتوقف قلبه الصغير عن الخفقان لـ 15 دقيقة. سنوات طويلة مضنية وذكريات مؤلمة مرت على العائلة منذ ذلك الحين، لعل أكثرها ألماً أن سليم الطفل البريء الذي يشبه الملاك في نومه على سرير العناية المكثفة في المستشفى الإنجيلي في نابلس، لم يعد كذلك بل أصبح اليوم بجسد فتى يبلغ من العمر 15 سنةً. تعود نجاح سعادة (أم سليم) بذاكرتها 12 سنة إلى الوراء وتتحدث لـ "اندبندت عربية" وتقول "بعد إنجابي خمس بنات، رزقني الله سليم عام 2004 ليزيد على فرحتي وإشراقتي وحبي للحياة، لكن الفرحة سُرقت على عجل ولم أهنأ بضحكات طفلي الصغير وهو يركض إلى المدرسة. ما إن اشترينا المنزل حتى اشترطت على زوجي بناء سياج متين حول بركة السباحة، وفي المرة الوحيدة التي وضعنا فيها الماء لتجربتها، غرق سليم وهو يلهو بجانبها، حتى وجدناه ملقاً على وجهه، هرعنا لإنقاذه بالتنفس الصناعي إلى أن وصلنا الى المستشفى العربي التخصصي في نابلس بعدما توقف قلبه عن الخفقان لدقائق، ومع تلاحق الصعقات الكهربائية من قبل الأطباء، عاد قلبه إلى الحياة بأعجوبة، ودخل جسده الصغير في غيبوبة صعبة جداً. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العائلة بأكملها في ألمٍ وحسرة".

إيمان بالمعجزات

منذ 12 سنة و"أم سليم" وأفراد العائلة يزورون طفلهم في المستشفى يومياً، حتى إن أعياد ميلاده الـ 12 كانت تُقام داخل غرفة العناية المكثفة كل عام، وتجلب له الهدايا وتكثف له الصلوات والابتهالات. تكمل "أم سليم" حديثها، فتقول إنه "على الرغم من أن كل التقارير الطبية العربية والعالمية تؤكد فقدان أي مؤشرات تدل على تحسنه، إذ بلغت نسبة الضرر والعطب الذي حصل في الدماغ 90 في المئة بسبب قطع الأوكسجين عنه لحظة الحادث، لكنني متأكدة كأم بأن طفلي يسمعني وأنا أتحدث إليه عن أخباري وأخبار أخواته وآخر المستجدات في حياتنا، ويشعر بوجودي خصوصاً عندما أمسك بيده لألقي عليه التحية وأطبع قبلاتي على جبينه ووجنتيه. وأكثر ما يؤلمني منذ سنوات هو كلام الناس واعتقاداتهم وتساؤلاتهم: أين كانت أمه؟"

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الوضع الطبي

تؤكد عائلة سعادة أن آخر مرة زودت فيها مستشفيات عالمية بالتقارير الطبية حول حالة سليم كانت منذ 6 سنوات وبالتحديد تواصلت مع مركز ألماني لزراعة الخلايا الجذعية للدماغ، وكان جوابهم أن نسبة نجاح أي عملية جراحية لزراعة تلك الخلايا، لا تزيد على 10-15 في المئة وستحدث خطورة كبيرة على حياته في حال إجرائها، لذلك فضلت العائلة أن لا يخضع سليم للعملية.
إدارة المستشفى الإنجيلي في مدينة نابلس الذي يشرف على حالة سليم منذ 10 سنوات أفادت "اندبندنت عربية" بأن سليم يعاني عطباً بنسبة 80 إلى 90 في المئة في الدماغ بسبب توقف وصول الدم إليه خلال الغرق. وطوال السنوات الماضية، لم يطرأ أي تحسن يُذكر على صحته ويعيش حالياً عن طريق جهاز تنفس اصطناعي، ويتغذى عن طريق أنبوب موصول بالمعدة، توضع فيه خلطة غذائية تدخل إلى جسده.

"الموت الرحيم"

ترفض عائلة سعادة بشكل قطعي فكرة "الموت الرحيم" لسليم برفع الأجهزة الطبية عنه، على الرغم من معرفتها التامة بأن دماغه معطل بنسبة كبيرة وبدأ بالتحلل بحسب آخر التطورات، وسيموت على الفور إذا ما رُفع جهاز التنفس عنه.
شرعاً وحسب دار الإفتاء الفلسطينية، يُعتبر الشخص ميتاً وفق الأحكام المقررة شرعاً بالوفاة إن تبيّن أن قلبه وتنفسه توقفا توقفاً تاماً، وحكم الأطباء بأن هذا لا رجعة فيه، أو إذا تعطلت كل وظائف دماغه نهائياً وحكم الأطباء الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل بعد ظهور العلامات التي حددتها الجهات الطبية المسؤولة.
إبراهيم عوض الله، مفتي محافظة رام الله والبيرة ونائب رئيس المفتي العام، صرح لـ "اندبندنت عربية" أنه "يجوز رفع الأجهزة الطبية عن الشخص الذي مات موتاً دماغياً وتعطلت جميع وظائفه وأخذ دماغه بالتحلل وحكم الأطباء بأن التوقف لا رجعه فيه، لكن الشخص المتوفي سريرياً، لا يجوز رفع الأجهزة الطبية عنه لأن الموت السريري لا يعني موت الدماغ، وهو الجزء المسؤول عن إدارة كل أعضاء الجسم. والقتل الرحيم يختلف عن موت جذع الدماغ، إذ يلجأ الأطباء إلى القتل الرحيم بإنهاء حياة المرضى الميؤوس من شفائهم شفقةً عليهم، مثل مرضى الإيدز أو السرطان، فتصاحب هذه الأمراض حالات من الألم الشديد، يصعب تحملها. وصدرت تعاليم في بعض الدول الغربية تبيح مثل هذا النوع من القتل، من دون التعرض للتبعات القانونية المترتبة على جريمة القتل، لكن أكثر القوانين في العالم ومنها قوانين الدول العربية تنص على عدم السماح بهذا النوع من القتل. وبناءً على اتفاق الفقهاء المعاصرين والمجامع الفقهية ومن قبلهم الفقهاء القدامى، فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى تحريم القتل الرحيم لأنه اعتداء على الحياة الإنسانية، فالله سبحانه وتعالى هو وحده المنعم بالحياة وله وحده الحق في تقرير إنهائها، والإقدام على هذا النوع من القتل فيه يأس وقنوط من رحمة الله، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: "لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".

المزيد من صحة