كيف تعصف الأعاصير بأسواق النفط؟

العوامل الطبيعية تؤثر بشكل كبير في هذه الصناعة بسبب وجودها في أماكن جغرافية مختلفة براً وبحراً

العواصف في خليج المكسيك هي الأكثر تأثيراً في صناعة النفط ولها تأثيرات عالمية عدة (أ.ف.ب)

جاء إعصار "باري" في خليج المكسيك ليذكرنا بأثر العوامل الطبيعية في صناعة النفط العالمية. هذه العوامل تؤثر بشكل كبير في صناعة النفط بسبب وجود عمليات الحفر والتنقيب والإنتاج في أماكن جغرافية مختلفة براً وبحراً، على مدار الفصول الأربعة، وأحياناً في مناطق مناخية صعبة، وبسبب تركز التجارة العالمية بالنفط في نقله بحراً في شتى أنحاء العالم.

ففي دول الخليج توقف العواصف الرملية الشديدة عمليات التحميل في الموانئ، وتؤخر عمليات تصدير النفط. وفي بحر الشمال تتوقف العمليات في أوقات معينة من السنة بسبب رداءة الطقس، كما تتوقف العمليات مع اشتداد العواصف. في كندا، تتأثر عمليات الإنتاج سلباً في فترات ذوبان الثلوج، كما توقف الإنتاج مرات عدة بسبب الحرائق التي شبت في الغابات المجاورة. في الولايات المتحدة تتوقف عمليات إنتاج النفط والغاز إذا انخفضت درجات الحرارة عن حد معين، خصوصاً في تكساس. إلا أن مقال اليوم عن العواصف في خليج المكسيك لأنها الأكثر تأثيراً في صناعة النفط ولها تأثيرات عالمية عدة. 

أهمية خليج المكسيك

عرف خليج المكسيك منذ القدم بأعاصيره الصيفية المدمرة، وذكر ذلك عدد من الرحالة بمن فيهم كولومبوس. وقد نجا كولومبوس في رحلته الثالثة من موت محقق عندما كان البحارة يحتفلون في إحدى جزر البحر الكاريبي (ربما هندوراس حالياً) قبل يوم من تاريخ الإبحار إلى أوروبا، إلا أن كولومبوس طلب منهم المغادرة حالاً لما رأى تغيراً في الطقس شهده سابقاً. رفض البحارة، فذهب بسفنه مع بحارته، وبقيت السفن الأخرى. تبين في ما بعد أن سفنه هي التي نجت فقط، بينما تدمرت السفن الباقية وقتل عدد كبير من البحارة مع عدد كبير من أهل الميناء، الأمر الذي زاد من شهرة كولومبوس.

ومع مرور الزمن، وزيادة الاستيطان في الولايات المتحدة، نمت مدن كبيرة على شواطئ خليج المكسيك، أهمها هيوستن وكوربوس كريستي في تكساس ونيو أورلينز في لويزيانا.

ثم أكتشف النفط في شرق تكساس بالقرب من هيوستن، وبدأ تصديره من المنطقة إلى أوروبا. وبدأت المنطقة تتحول إلى مركز نفطي عالمي مع زيادة واردات الولايات المتحدة من النفط من أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، وتم بناء المصافي ومصانع البتروكيماويات في المنطقة، ثم نشأت الصناعات المختلفة التي تخدم الصناعة النفطية، واكتشف النفط والغاز في المياه الضحلة في الخليج. وتم حفر أول بئر في المياه العميقة للخليج عام 1947. ثم قام الرئيس رونالد ريغان بتوسيع المياه الإقليمية من ثلاثة أميال إلى 12 ميلاً، ثم رفع حد المنطقة الاقتصادية إلى 200 ميل بحري، ما سمح للشركات بالتنقيب عن النفط في المياه العميقة لخليج المكسيك، وتم اكتشاف حقول ضخمة هناك، فزادت أهمية المنطقة بشكل كبيرـ وأصبحت هيوستن عاصمة صناعة النفط في العالم.

وزادت أهمية هيوستن عندما تم ربطها بخط أنابيب بأهم مراكز تجمع أنابيب النفط في الولايات المتحدة: كوشينج، أوكلاهوما، التي يأتيها النفط من ولايات مختلفة، وذلك بهدف تصدير النفط من موانئ خليج المكسيك.

القصة لا تنتهي هنا: أدى اكتشاف النفط والغاز الصخريين، ووجود أكبر حقلين لهما في تكساس: برميان وإيغل فورد، إلى بناء أنابيب إلى المصافي والموانئ في منطقة هيوستن، وتصدير النفط من خليج المكسيك. وبسبب وفرة الغاز من جهة، ووجود محطات لإعادة تغييز الغاز المسال التي لم يستخدم بعضها إطلاقاً بسبب ثورة الصخري، تم تحويل هذه المحطات إلى محطات تسييل، وبدأت الولايات المتحدة بتصدير الغاز المسال من خليج المكسيك.

خلاصة الأمر، أن منطقة خليج المكسيك من أهم مراكز الطاقة في العالم، بالتالي فإن أي أعاصير فيها تؤثر في أسواق الطاقة الأميركية والعالمية.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: إذا كانت هذه الأعاصير تحصل دائماً في الصيف، وبهذا العنف، هل الأميركيون أغبياء لهذا الحد لجعل المنطقة من أهم مناطق الطاقة في العالم؟ ولماذا قامت صناعة النفط والغاز الصخريين بالتركيز على المنطقة، على الرغم من أنها صناعة جديدة ويمكنها أن تختار أماكن أكثر أمناً؟

السبب هو وفرة البنية التحتية في المنطقة والتي بنيت خلال أكثر من 100 عام. وفرة البنية التحتية تخفف التكاليف بشكل كبير، بحيث تفوق الفوائد أي خسائر من الأعاصير من خليج المكسيك. وكلما زاد عدد المنشآت والأنابيب، كلما انخفضت تكاليف المنشآت الجديدة. لهذا فإن التركيز على المنطقة سيستمر مع الزمن، على الرغم من العواصف المدمرة.

وما يساعد أيضاً توافر الأيدي العاملة والمهارات، بسبب التركيز الكبير للصناعة في منطقة معينة، الأمر الذي جعل الجامعات ومراكز التدريب المهني تركز عليها أيضاً. والحديث هنا عن أفضل الجامعات في مجال النفط في العالم، والتي تتركز غالبيتها في تكساس، وفي هيوستن بالذات والأماكن القريبة منها.

أثار الأعاصير

1-  الأثر في الإنتاج والإمدادات

أول أثر للأعاصير هو توقف منصات الإنتاج والحفر وترحيل العمال والموظفين إلى بر الأمان. الأمر الذي ينتج منه تخفيض إنتاج النفط والغاز في مياه خليج المكسيك. وتعتمد كمية التخفيض على أمور عدة أهمها مسار الإعصار وقوته وطول فترته وعلى إذا ما حصل أي دمار للمنصات. إعصار باري الأخير خفض الإنتاج بحوالى 700 ألف برميل يومياً لأيام عدة، ولكن من دون أي دمار للمنصات. ويذكر هنا أن حصول دمار أو فيضان في المدن المطلة على خليج المكسيك يؤخر العودة إلى المنصات بسبب انشغال العمال والموظفين بحماية وإصلاح بيوتهم من جهة، وإغلاق بعض الطرق من جهة أخرى، التي تمنعهم من الوصول إلى منصات الهليكوبتر لنقلهم إلى منصات الإنتاج والحفر.

وبشكل عام فإن توقف منصات الحفر يؤثر في الإمدادات المستقبلية لأنه يؤخر تاريخ بداية الإنتاج، وأي دمار لمنصات الحفر قد يؤخر بداية الإنتاج أشهراً عدة.

وثاني أثر للأعاصير في خليج المكسيك هو انخفاض واردات النفط.

تستورد الولايات المتحدة حوالى سبعة ملايين برميل من النفط حالياً، ووصل استيرادها في فترات سابقة إلى حوالى 12 مليون برميل يومياً. غالبية هذه الواردات تأتي عن طريق خليج المكسيك. عند حدوث إعصار في الخليج، تقوم السفن إما بتغيير مسارها أو تتباطأ لتفادي الإعصار، لهذا تتأخر الواردات. هذا التأخير يعني انخفاض المعروض، وقد يسهم في رفع الأسعار في الولايات المتحدة. لكن هذا الارتفاع مؤقت لأنه بعد انتهاء الإعصار تزيد الواردات حيث تجتمع الواردات المعتادة مع الواردات المتأخرة.

وثالث أثر هو وقف أو انخفاض صادرات النفط الأميركية والتي تجاوزت ثلاثة ملايين برميل في الأسابيع الأخيرة، إضافة إلى صادرات المنتجات النفطية والسوائل الغازية. حيث يمنع الإعصار عمليات التحميل، أو الناقلات المحملة من المغادرة. هذا بدوره يؤدي إلى أمرين: وقف التحميل يؤدي إلى ارتفاع المخزون، الأمر الذي يضغط على الأسعار. وتأخر هذه الناقلات يعني وصولها متأخرة إلى هدفها، الأمر الذي يخفض من المعروض والمخزون هناك. ونظراً إلى أن الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي يصدر بيانات أسبوعية، ويهتم المستثمرون والمضاربون المحللون بها، فإن الأثر سيظهر بسرعة في مخزون الولايات المتحدة.

أما الأثر الرابع فهو وقف أو انخفاض صادرات الغاز المسال. وهذا يؤثر سلبياً في أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة لأنه يرفع المخزون ويخفض أسعار الغاز، بينما يتأخر وصول هذه الشحنات في البلاد المستوردة لها.

2-  الأثر في الطلب

الأثر الأول يتمثل في احتمال توقف المصافي أو تخفيض إنتاجها. المصافي هي الوحيدة التي تستخدم النفط الخام، بالتالي أي انخفاض في عملياتها يخفض الطلب على النفط الخام، والذي يؤدي لاحقاً إلى ارتفاع المخزون وتخفيض الأسعار. والخطر على المصافي من الأعاصير يتمثل في حالات الفيضان، التي تعتبر من أخطر الأمور في المصافي بعد الحرائق. أو في حالات حدوث دمار للمصافي بسبب الرياح العاتية، وربما حرائق. كما تتأثر المصافي بحركة السفن، إما بسبب نقص الإمدادات، الذي يؤدي إلى تخفيض نسبة التشغيل، أو بسبب وفرة المنتج، وامتلاء الخزانات، الذي يجبر المصافي أيضاً على تخفيض نسبة التشغيل، أو بسبب مشكلات في قناة هيوستن.

وأحيانا تتأثر المصافي في عدم قدرة العمال والموظفين على الوصول إلى المصفاة بسبب انقطاع الطريق، الأمر الذي يجبرها أيضاً على تخفيض نسب التشغيل.

ولعل أكبر مشكلة أثناء أي إعصار هي انقطاع الكهرباء. وعلى الرغم من أن المصافي لديها مولداتها الخاصة للاستخدام وقت الطوارئ، إلا أنها لا تستطيع استخدامها لفترة طويلة لتشغيل كل العمليات، الأمر الذي يجبر المصفاة على وقف بعض عملياتها.

وعلى الرغم من أن توقف المصافي أو انخفاض نسب تشغيلها يقلل الطلب على النفط الخام ويزيد في مخزونه، إلا أن ذلك يسهم في تخفيض مخزون المنتجات النفطية مثل البنزين والديزل وقد يرفع أسعارهما. هذا التخفيض يعني أنه على المصافي زيادة نسبة التشغيل في ما بعد للتعويض، الأمر الذي يخفض مخزون النفط الخام لاحقاً.

الأثر الثاني هو انخفاض الطلب على المنتجات النفطية بسبب انقطاع الطرق وتوقف المواصلات البرية والبحرية والجوية. لهذا فإن أسعار المنتجات النفطية ستتأثر بقوى متعارضة إذا توقفت المصافي: انخفاض المعروض من جهة، وانخفاض الطلب من جهة ثانية. ولكن بشكل عام فإن أسعار المنتجات النفطية ترتفع في محطات البنزين بسبب عدم القدرة على التوزيع على المحطات وقت الإعصار، ولكن أسعار مبيعات الجملة والعقود المستقبلية لا تتأثر.

أما الأثر الثالث فهو توقف أو انخفاض الأنشطة الاقتصادية في المنطقة. وهذا أمر مهم لأن منطقة هيوستن الكبرى من أنشط المناطق اقتصادياً في الولايات المتحدة، وغالبية أنشطتها كثيفة الطاقة. توقف أو انخفاض هذه الأنشطة، خصوصاً إذا كان هناك ترحيل إجباري للسكان كما حصل في الماضي، يخفض استهلاك الطاقة بشكل كبير.

الأثر الرابع، في حال حصول دمار كبير للمنشآت والطرق والبيوت بسبب الرياح العاتية والفيضان، فإن إعادة الإعمار تزيد الطلب على الطاقة بشكل عام، وتتطلب استخدام أعداد هائلة من الشاحنات لجلب المواد اللازمة للمنطقة، وهجرة موسمية للعمال إلى المنطقة. كل هذا من شأنه زيادة الطلب على النفط والغاز خلال فترة إعادة الإعمار.

ما سبق كان استعراضاً مختصراً لأهم آثار الأعاصير في خليج المكسيك في أسواق النفط من دون التركيز على تفاصيل وأرقام كل إعصار، التي تبين أن أثار الأعاصير تختلف من إعصار لآخر، ومن منطقة لأخرى، وأن هناك أثاراً سلبية وإيجابية، الأمر الذي يتطلب محللين متخصصين للتنبؤ بآثار الإعصار قبل حصوله بناءً على مساره وسرعته وقوته والمنشآت النفطية التي في طريقه. 

خلاصة الأمر، إن آثار أي إعصار في أسواق النفط مؤقتة إلا إذا تسبب الإعصار بدمار لمنصات الإنتاج البحرية والمصافي، أو بدمار في البنية التحتية للصناعة.

المزيد من آراء