عدد سكان العالم إلى ارتفاع لكن بشكلٍ متباين وفي مواقع لا تخطر في البال

إلى جانب هذا النّمو السكاني المتباين، زيادة مهولة في فئة كبار السن. فكيف عسانا نُسخّر هذا التحوّل في خدمة البشرية؟

المدافعون عن البيئة يصورون "موت البشرية" بسبب التغير المناخي قرب مبنى بلدية ميامي 12 يوليو 2019 (أ.ب) 

من المرتقب أن يستمرّ عدد سكان العالم في النّمو خلال السّنوات الخمسين القادمة ليصل إلى 8.5 مليارات نسمة عام 2030، فإلى9.7 مليارات نسمة عام 2050 و10.9 مليارات نسمة عام 2100، مقابل 7.7 مليارات نسمة في العام الحالي. لكن المهم أنّ وتيرة هذا النّمو ستجري بإيقاعٍ أبطأ ممّا كان متوقعاً في وقتٍ سابق.

وهذه الأرقام مأخوذة من تنقيح عام 2019 لتقرير التوقّعات السّكانية العالميّة الذي يصدر كلّ سنتين عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة. فهذه الأخيرة باتت متضلّعة جداً في شؤون التوقعات، وهي كانت قد رجّحت في أوائل تسعينيات القرن الماضي، ارتفاع عدد سكان العالم إلى ما بين 7.5 مليارات و8 مليارات نسمة عام 2020 – وما حدث فعلاً هو أنّ عدد سكان العالم اليوم يتوسّط على وجه التقريب ذلك المعدل. الواضح أنه كلّما نظرنا إلى المستقبل، اتّسعت رقعة المعدلات المحتملة. لكن بالنسبة إلى العام 2050 على وجه التحديد، فيُمكننا أن نُولي التقديرات الأممية كل الثقة. ومن جهّتي، أعتقد أنّ توقعات الأمم المتحدة الأوسع نطاقاً ببلوغ النمو السكاني ذروته بحلول العام 2100 ستصدق كذلك.

ولمَن يرغب في سبر أغوار هذه البيانات، يُمكنه الاطلاع على أبرز عنواين التقرير الجديد هنا وعلى المزيد من الأرقام التفصيليّة هنا. لكن حتى العام 2050، هذه هي بنظري النقاط الخمس الرئيسة التي ينبغي التوقّف عندها:

أولاً، من المفترض أن يستقرّ عدد السكان في العالم المتقدم ككلّ وأن يقتصر مجمل صافي النمو تبعاً لذلك في العالم الناشئ.

ثانياً، سيشهد العالم المتقدّم تحوّلاً من أوروبا القارية واليابان باتجاه أميركا الشمالية فالمملكة المتحدة بدرجة أقل.

ثالثاً وفي آسيا تحديداً، سيكون هناك تحوّل كبير في النّمو السّكاني بين الصّين وسائر جنوب شرق آسيا (حيث سيبدأ عدد السّكان بالتراجع) من جهة وجنوب آسيا حيث سيستمرّ العدد بالارتفاع من جهة أخرى. وقرابة العام 2027، يُقدّر للهند أن تتفوّق على الصّين لتُصبح أكثر الدول كثافةً بالسكان في العالم.

رابعاً، ستشهد أفريقيا جنوب الصّحراء الكبرى معدل النّمو الأكبر، مع التّوقّعات بتقدّم نيجيريا على الولايات المتّحدة واحتلالها ترتيب ثالث أكبر دولة في العالم من حيث عدد السّكان بحلول العام 2050.

خامساً وأخيراً، سيكون العالم بمعظمه أكبر سناً. في العام 2018 ولأول مرة في التاريخ، تجاوز عدد الأشخاص ممّن هم فوق الخامسة والستين عاماً عدد الأطفال دون سن الخامسة. وبحلول العام 2050، يُفترض لهذا الفارق أن يتضاعف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لنُفكّر الآن بكلّ نقطة من النقاط السّابقة الذكر.

بات التحوّل في ميزان القوى الاقتصاديّة إلى العالم الناشئ ملحوظاً على نطاقٍ واسع. ولهذا، بدأت التّركيبات السّياسية بالتطوّر اعترافاً به. والدليل على ذلك في القمة التي ستُعقد في نهاية هذا الأسبوع والتي أمست تخصّ مجموعة الدّول العشرين بدلاً من مجموعة الدّول السّبع – مع انضمام أعضاء إضافيّة من الاقتصادات الكبرى الناشئة إليها. ويُعزى جزء من عملية إعادة التوازن هذه إلى محاولة اللحاق بالركب الاقتصادي: على سبيل المثال لا الحصر، استخدام الصين، والهند مؤخراً، لتقنيات مُطوّرة ومستحدثة من قبل الغرب. أما الجزء الآخر، فيعود إلى الديموغرافيا. وبالتالي، يُمكن القول إنّ البلد الذي يضمّ قوة عاملة شابة وسريعة النمو، لا بدّ من أن يحقّق نمواً سريعاً مقارنةً بالبلدان التي تضم قوة عاملة كبيرة في السن ومتناقصة، بافتراض أنّ المعطيات الأخرى متساوية.   

لذا يجب علينا أولاً أن نُدرك دور الديموغرفيا في تحريك دفّة التحوّل وأن نبحث عن سبل تُحقّق لنا جميعاً نتائج إيجابية منه.             

وثانياً، علينا بالمثل أن نتقبّل تحوّل القوّة في العالم المتقدّم إلى قبضة أميركا الشمالية، حيث من المتوقع أن ينمو عدد السكان في الولايات المتحدة من 329 مليون إلى 379 مليون نسمة عام 2050، وفي كندا من 37 مليون إلى 46 مليون نسمة في العام نفسه. وعلى النقيض من ذلك، يُرجّح تراجع عدد السكان في ألمانيا من 84 مليون إلى 80 مليون نسمة، وفي إيطاليا من 61 مليون إلى 54 مليون وفي اسبانيا من 47 مليون إلى 44 مليون نسمة. وصحيح أنّ عدد السكان في فرنسا سيزيد بشكلٍ طفيف من 65 مليون إلى 68 مليون نسمة، ولكنّ هذه الزيادة ستكون الوحيدة من نوعها لدولةٍ أوروبيّة كبرى.

أما المملكة المتحدة، فمن المرتقب لها أن تُحقّق زيادة سكانية من 68 مليون إلى 74 مليون نسمة عام 2050، لتتفوّق بذلك على ألمانيا وتُصبح قرابة العام 2080 الدّولة الأوروبية الأكثر اكتظاظاً بالسكان. وكي نضمن لشعبنا المتنامي حياةً كريمة تليق به، سيترتّب علينا تشييد عددٍ أكبر من المنازل؛ ومن شأن هذا الأمر أن يؤدّي إلى اتخاذ خيارات صعبة، وبخاصة في أوروبا. وبحسب "مؤسسة روبرت شومان" (The Robert Schuman Foundation) ، مركز البحوث الأوروبي الذي تأسس عام 1991 عقب سقوط جدار برلين، فإنّ توقعات دول أوروبا للعام 2050، هي بمثابة "انتحار ديموغرافي". وهذا الوصف شديد اللهجة. لكن مما لا شك فيه أنّ قوّة أوروبا على مستوى العالم ستضمحل، لاسيما إن استمرّ التباعد بين اقتصاد المملكة المتحدة واقتصاد القارة العجوز.

المشكلة هنا تكمن في التحديات التي تطرح نفسها على الدول المتقدمة. فالولايات المتحدة على سبيل المثال، عليها أن تُعالج المسائل التي يُمكن أن تتمخّض عن ازدياد سكانها تنوعاً، وسط التوقعات بتحوّلها إلى دولة "أقلية بيضاء" إبان العام 2045. لكنّ التعامل مع هذا الواقع سيكون أسهل حتماً من التعامل مع المشاكل والقضايا التي قد تتأتى عن التدهور السريع نسبياً في كلّ من روسيا واليابان ومعظم دول أوروبا الشرقية.

ثالثاً، التحوّل من الصين إلى الهند. وهذا التحوّل لا يتعلّق بالأرقام وحسب، بل يتعلّق بالتركيبة العمرية أيضاً. لذا سيكون على الصين البحث عن سبلٍ فعالة للحفاظ على استمراريتها رغم التناقص الحاد في قوّتها العاملة، في حين سيكون على الهند استحداث فرص جديدة للعاملين المتزايدين فيها. وهذه ليست مجرّد مشكلة وطنية، إنها مشكلة إقليمية. فمعظم دول جنوب شرق آسيا تُواجه نفس مصير الصين، كما أنّ سائر شبه القارة الهندية يُواجه نفس مصير الهند. والحتمي أنّ كلا المنطقتين يتصدّى لتحديات بيئية خطيرة كذلك.

في الوقت الحاضر، تُعتبر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى المنطقة الأسرع نمواً في العالم. وهذا أمر رائع. لكنّه ينطلق من قاعدة منخفضة وينجم جزئياً عن زيادة في التعداد السكاني. ولهذا السبب فإنّ مستويات المعيشة فيها لا تنمو سوى بوتيرةٍ بطيئة. أعتقد أنّ السؤال الأهم هنا: هل ستكون أعداد السكان المتزايدة في أفريقيا نقطة قوة أو نقطة ضعف؟ وهل ستُسهم الإجابات في تحريك مسار التقدّم على مستويات الحوكمة والتعليم والبيئة؟ الأكيد أنّ إدارة نيجيريا للنمو الديموغرافي الذي سيرفع معدل سكانها من 201 مليون نسمة حالياً إلى 401 مليون نسمة عام 2050، ليست بالمهمة السهلة وستكون محفوفة بالكثير من التحديات.

أخيراً، لنُفكّر قليلاً في شيخوخة السكان، لاسيما أنّ أغلبيّتهم اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، من الكبار في السن. نحن ندرك تماماً أنّ هذا التوازن سيلقى تحوّلاً آخر، لكن المشكلة في سرعة إيقاع هذا التحوّل وكيف بإمكاننا تسخيره لمصلحة البشرية؛ هذا هو السؤال الأكثر أهمية من أي سؤال آخر.

© The Independent

المزيد من آراء