Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا لو لم تكن ملحمة جون ميلتون على تلك السوداوية المفترضة؟

في "الفردوس المفقود" حول المطرودين فقدانهما الجنة إلى مسار بنى للإنسانية واقعها

جون ميلتون وحكاية الإنسان بنظرة إيجابية (غيتي)

عندما كتب جون ميلتون تلك الملحمة الشعرية الإنجليزية الفريدة من نوعها "الفردوس المفقود"، كان له من العمر نحو خمسين سنة. كان ذلك عند نهاية سنوات الخمسين من القرن السابع عشر، وكانت عشر سنوات تقريباً قد مضت عليه، وهو يعيش أوضاعاً مأسوية أفقدته على التوالي بصره وزوجته المحبوبة وابنه الذكر الوحيد الذي كان أنجبه وسط ثلاث بنات. قبل ذلك كان ميلتون يعيش حياة حافلة بالنجاح والازدهار. ومن المؤكد أن المآسي التي عاشها تباعاً جعلته يتوقف ذات لحظة ويتساءل كيف أصيب بهذا كله وهو المؤمن الورع؟ لم يحر جواباً، لكنه إذ لاحظ لاحقاً قوته وقدرته على تحمل ما أصابه، أحس على رغم عماه أن لديه من القوة ما يفسر قدرة الإنسان على بناء العالم والتاريخ على رغم ما أصابه وفقدانه الفردوس. ويقيناً أن كتابته ملحمة "الفردوس المفقود" بما فيها من قوة وجبروت إنما كانت الرد على شكوكه لحظة في إنسانيته، والتعبير عن قدرة الإنسان كمركز للكون... أو هذا ما فسرت به الملحمة، في الأقل، على ضوء ارتباطها بسيرة جون ميلتون.

حيرة أمام المشاريع

قبل ذلك بسنوات قليلة. وتحديداً في عام 1639 وكان ميلتون في الحادية والثلاثين من عمره، وقد حصل على بعض الشهرة بفضل أعماله الشعرية المتفرقة التي نشرها، حين اتخذ قراره بكتابة عمل شعري ملحمي كبير. يومها لم يكن القرار متعلقاً بملحمة "الفردوس المفقود" التي سوف يكتبها لاحقاً، بل كانت هناك مجموعة من المشاريع والأفكار من بينها قصيدة طويلة عن تاريخ إنجلترا، وعمل تدور أحداثه أيام الإغريق، وثالث خلال العصور الأولى للمسيحية. ومن اللافت هنا أن كل تلك المشاريع كانت تنتمي إلى نوع خاص جداً من الشعر التاريخي، من دون أن تقترب من النوع الذي سيسم "الفردوس المفقود"، وذلك على رغم أنه كان من بين تلك الأفكار الفكرة التي راحت بالتدرج تلح على ميلتون أكثر من غيرها: فكرة ملحمة طويلة تتحدث عن هبوط الإنسان من الفردوس إلى الأرض بسبب خطيئته، وأكثر من هذا: بسبب الخطيئة التي دفعه إليها الشيطان. ولاحقاً، بعد نحو ربع قرن حين كتب ميلتون تلك القصيدة الملحمية، حدد هدفه من كتابتها منذ سطورها الثلاثة الأولى حيث قال إنه سيتغنى بـ"أول فعل عصيان قام به الإنسان، بقضمه ثمرة الشجرة المحرمة، تلك الثمرة التي يحمل مذاقها القاتل الموت للإنسان...".

رحلة الإنسان في الكون

إذاً كانت الغاية التي شغلت ميلتون منذ البداية أن يرسم رحلة الإنسان إلى الكون وفي الكون. وهو أنتج في سبيل فكرته هذا المشروع، السفر الذي يتوزع على عشرة أجزاء، حاملاً تلك الحكاية مستقاة مباشرة من الكتب المقدسة. غير أن اللافت في العمل هو أن ظهور الإنسان فيها لا يبدأ إلا منذ منتصف الكتاب الرابع، أي إنه غائب تماماً عن ثلث الملحمة، ذلك الثلث الذي تشغله مغامرات الشيطان وألاعيبه ومعاركه ورغبته في العصيان. إذاً، هي حكاية الإنسان أم حكاية الشيطان؟ من الصعب الوصول إلى جواب ولكن من المؤكد أن ميلتون لم يكن حتى في الثلث الأول من عمله، بعيداً من هدفه، فحكاية الشيطان هي بالنسبة إليه حكاية الإنسان. حكاية الخير والشر، الطاعة والعصيان، بمعنى أن الاثنين وجها عملة واحدة، أو هذا في الأقل ما يراه مفسرو ميلتون الحديثون.

من مغامرة إلى أخرى

تنقسم ملحمة "الفردوس المفقود" كما أشرنا إلى عشرة كتب، في الثلاثة الأولى منها يروي لنا ميلتون كما أشرنا، مغامرة الشيطان في الكون، تلك المغامرة التي يفصح عنها الشيطان منذ بدء الكتاب الأول حين يسر إلينا بأن هدفه الأسمى إنما هو دفع الإنسان إلى العصيان، ولكن لماذا؟ لأن الشيطان سبق له أن سقط مغضوباً عليه "طوح به الله ذو الجبروت، فهو من علياء السماء يتقد لهباً، يروم القلب منه ما احترق وما انحطم، وتردى في هاوية ما لها من قرار، بها يأوي مغلولاً بالسلاسل يصطلي النار جزاء بما حدثته النفس أن يناجز القوي القدير، وفي قرار مهواه تسعة فضاوات مما يذرع به الأناسي خطو الليل والنهار (...) يتقلب في حمأة الجحيم". ومن هنا كان قراره ومساجلاته مع مجمع الملائكة ومع الشياطين الآخرين، ثم قر قراره، وبدأ يمارس خطته منذ الكتاب الرابع، حيث يجتاز الفضاء والشمس حتى يصل إلى جنة عدن حيث آدم يعيش وحواء هانئاً هادئ البال في حمى طاعة الله. وهناك إذ يتنكر الشيطان ويعتلي شجرة الحياة متجسساً، يفهم أن الله حظر على آدم وحواء تناول ثمرة شجرة المعرفة، فيقترب من حواء لكي يغويها فتغوي آدم، لكن الملاك جبريل يجابهه... إلى آخر الحكاية. ونعرف طبعاً أن الشيطان ينجح في خطته، غير أن هذا لا يكفيه، إذ يتابع مساعيه في الأجزاء التالية مواكباً الإنسان حتى بعد سقوطه من أعالي الفردوس. وفي الكتابين الخامس والسادس يصف لنا ميلتون حروب الجحيم ومتابعة الشيطان معاركه، أما في الجزءين التاليين فإن الشاعر يتوقف بنا عند تكون الخليقة إثر عصيان آدم وحواء وهبوطهما، وعند الشيطان الذي لا ينفك يواكب البشرية في حلها وترحالها. أما الكتب الأخيرة فإن ميلتون يتابع فيها وبكثافة، تاريخ الإنسان على وجه الأرض وكأن غايته هنا أن يوجد معادلاً لغياب تاريخ الإنسان عن الكتب الثلاثة الأولى. ومهما يكن من أمر لا يفوت ميلتون في النهاية أن يؤكد أن آدم وحواء يطلبان المغفرة فيما يكونان البشرية، فيما يتابع الشيطان عمله. فالنهاية السعيدة في الأعمال المتخيلة لم تسبق وجود السينما في القرن العشرين كي تسعد القراء بتوفير راحة وطمأنينة لهم.

تفاؤل واقعي

ففي نهاية الأمر لم يتردد ميلتون، على رغم أحزانه وسوداويته، في رفد كتابه الكبير بقسط من تفاؤل واقعي يقوم على إلحاق هزيمة ما بالشيطان. فالشاعر كان منذ البداية يريد أن يطبع ملحمته بطابع إنساني استقاه مما استتبع خروج أبوي البشرية من الفردوس وذلك عبر سرده، من ناحية الشكل الظاهري، حكاية سفر الشيطان في السديم وسفر الإنسان في الكون، على الشاكلة التي تنوقلت بها الحكايات على مر العصور، وكما تقترحها الأديان السماوية، والأساطير الشعبية بوصفها عقاباً للإنسان نفسه على خرقه المحظورات، لكن ذلك العقاب سرعان ما يحوله الإنسان وقد استقر على الأرض داراً له، إلى حياة قد تحمل التعب وضروب المعاناة، لكنها حولت الإنسان من ملاك إلى كائن بشري سيتمكن بالتدرج، من تجاوز "مأساته" بفقدانه الفردوس محولاً إياه إلى واقع جديد. وهذا ما يجعل ميلتون يصل، وعلى غير توقع إلى غاية جديدة غير تلك الغاية الظاهرية التي كان من شأن القارئ أن يتوقعها وتبث التشاؤم لديه أول الأمر، ذلك أن القارئ ما إن ينتهي من قراءة هذا العمل الاستثنائي حتى يتبين له أن الشاعر، وحتى منذ شرع يكتب هذا العمل، كان همه الخفي أن يجعل من الإنسان مركزاً للكون، ومن حكاية عصيانه -وإن بدفع من الشيطان- مبرراً لكتابة تاريخ ذهني واجتماعي، وربما سياسي أيضاً، للبشرية. وحتى لو كان الشيطان هو بطل رحلة السقوط من الفردوس وفقدانه، فإن السقوط نفسه يصفه لنا ميلتون في بعده السيكولوجي وليس في بعده الأسطوري - الديني. السقوط مجاز، وما الشيطان والإنسان، كما أشرنا سوى واحد. العصيان، كفعل إنساني واع، حتى ولو كان بدفع خارجي، هو مركز اللعبة هنا، العصيان كفعل خلق للبشرية، حتى ولو كان الإنسان يعرف أن الثمن الذي يدعى إلى دفعه كبير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حياة شاعر

وجون ميلتون الذي لقب لاحقاً بـ"الشاعر الضرير" ولد في مدينة لندن في عام 1608 ابناً لرجل قانون وموثق عقود. وهو عاش في البداية حياة مرفهة وتلقى تعليماً دينياً عميقاً وورعاً وأتقن كثيراً من اللغات منذ اكتشف في نفسه باكراً ميلاً إلى الشعر والفلسفة، وراح يقرأ النصوص الكلاسيكية بلغاتها الأصلية. وكان ميلتون غزير الإنتاج ولا سيما في كتابة الشعر والتاريخ، وهو خاض كتابة القصائد والسوناتا، كما كتب في اللاهوت وفي تاريخ الكنيسة، ومع هذا يظل "الفردوس المفقود" أهم أعماله يليه "الفردوس المستعاد" و"شمشون يعاني". ومات ميلتون في عام 1674 بعد أن أبدع للأدب الإنجليزي ذلك النص الذي يعتبر العمل الملحمي الشعري الوحيد في هذا الأدب.

المزيد من ثقافة