Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إشراق واقعنا الذي لا يحتمل

الأميركية آنا بادخين تتناول أزمات العالم من حروب ونزوح وجوائح وكوارث مناخية وقمع سياسي

الكاتبة الصحافية الأميركية آنا بادخين (kera news)

في صباح اليوم التالي لمقتل مواطن أميركي على أيدي شرطة ولاية فيلادلفيا في الحي الذي تقطنه الكاتبة الصحافية الأميركية آنا بادخين، قررت الأخيرة أن تسافر إلى المحيط لتتأمل الطيور وذلك لأن الإغريق علمونا، بحسب ما تقول في كتابها الصادر حديثاً بعنوان "واقع لا يحتمل إشراقه" أن "الطيور تنبئنا بما هو مقبل".

آنا بادخين كاتبة ومراسلة حربية سابقة لها عدد من الكتب غير الخيالية، ولدت ونشأت في الاتحاد السوفياتي وأصبحت في التسعينيات من القرن الماضي مراسلة حربية معنية بتغطية قضايا حقوق الإنسان في بلد بوليسي.

انتقلت بادخين إلى الولايات المتحدة عام 2004 وواصلت عملها الصحافي، فغطت طوال قرابة عقدين في ذلك المجال "عشرات الحروب في ثلاث قارات" ونشرت مقالاتها وموادها الصحافية بعامة في مجلات أدبية وصحف مرموقة منها "نيويورك رفيو أوف بوكس" و"غرانتا وغورنيكا" و"ذا باريس رفيو" و"نيويورك تايمز" وغيرها.

يفترض بكاتبة غطت "عشرات الحروب في ثلاث قارات"، على حد قول ستيفاني إليزوندو غريست خلال استعراضها للكتاب بصحيفة "نيويورك تايمز" في 4 ديسمبر (كانون الأول) 2022، ألا تضطرب لمقتل رجل واحد على يد الشرطة وحتى لو اضطربت لتلك الحادثة التي اعترتها شبهات عنصرية مقيتة، فهل يبلغ الاضطراب بها حد السفر إلى المحيط وإن فعلت فهل يكون ذلك من أجل مشاهدة الطيور بدعوى أن الإغريق "علمونا أنها قادرة على إنبائنا بما هو مقبل"؟

وتستدرك غريست لكن بدلاً من هذه الأسئلة المريبة، ربما ينبغي أن نتساءل عن دلالة أن يكون هذا هو ما يمكن الانتهاء إليه بعد مشاهدة الحروب والمجازر على الشاشات وفي الشوارع أن نتأمل الطيور، الطيور التي على أية حال كثيراً ما طمأنت قلوب جانحين في المحيطات إلى أنهم عما قريب قد يرسون على بر ولطالما بثت الأمل في نفوس ظمأى في الصحارى بأن واحات على مقربة.

توثيق الظلم

وتضيف غريست في مقالتها أن آنا بادخين "قضت حياتها المهنية في توثيق أشكال الظلم حول العالم، ومن ذلك أنها قامت بتغطية غزو الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق لصحيفة ’سان فرانسيسكو كرونيكل‘"، وفي كتاب مقالاتها هذا المرشح للقائمة الطويلة للجائزة الوطنية للكتاب تركز اهتمامها على قضية واحدة هي قضية اللاجئين.

لكنها، بحسب غريست، لا تتناول القضية مثلما تم تناولها مئات أو ربما آلاف المرات في مقالات وكتب ومؤتمرات تناولاً صحافياً أو معلوماتياً، إنما تأخذ القضية لدى بادخين بعداً أعمق كثيراً من ذلك، هي ابتداء لا تفرق بين اللاجئين ولا تنتخب منهم فئات من دون أخرى، فهي تتعامل مع ضحايا مختلف الاضطرابات العالمية التي أدت إلى "تشريد واحد من كل سبعة أشخاص في العالم من وطنه" واضطرار كثير منهم إلى عبور حدود سياسية بسبب دواع سياسية أو بيئية.

وترى غريست أن تلك حقيقة لا بد من أن لها وقعاً شخصياً على بادخين، لا لأنها بصفة شخصية تعيش في غير مكانها أو موطنها الأصلي، لكن لأنها ترى اليوم مثلنا جميعاً نزوح عشرات آلاف شباب بلدها السابق واضطرارهم إلى عبور الحدود تفادياً للتجنيد الإجباري الذي فرضه عليهم فرد واحد قرر منفرداً أيضاً أن يخوض بلده حرباً مجانية ضد أوكرانيا، وفقاً للرواية الغربية لهذه الحرب في الأقل.

يتناول الكتاب إذاً أزمة النزوح أو التشرد أو اللجوء بما لكل مفردة من هذه المفردات من سياقها الذي تستعمل فيه، سواء كانت مغادرة الوطن هرباً من جائحة أو كارثة مناخية، أو من قمع سياسي أو حرب.

وفي تناولها للأزمة تنتقل بادخين جغرافياً من صحراء أفريقيا إلى الحدود بين تكساس والمكسيك، وتاريخياً إلى لمحات من ماضيها في الاتحاد السوفياتي، بل إنها تنسل دخولاً وخروجاً في أحداث تتراوح بين عصور ما قبل التاريخ وصولاً إلى حقبة الوباء الأخيرة أو الحالية، وفي ثنايا ذلك تتواثب إشاراتها إلى الجيولوجيا والشعر والرواية والرسم، بل إلى منحوتات لروني هورن أو أصول ألفاظ لدى الشاعرة آن كارسون.

شعرية متوهجة

تكتب ستيفاني إليزوندو غريست أن ما يربط القارئ بهذا الكتاب الجريء هو شعرية بادخين المتوهجة وبصيرتها الأصيلة، فهي في وصفها لأحفورة هي عبارة عن قفص صدري بشري متحجر تقول إن "فقراته الصدرية أشبه بعصافير صغيرة تحجرت في ثنايا الطيران".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي نقدها لفشل حكومة الولايات المتحدة الأخلاقي التي تنتزع الأطفال المهاجرين من أحضان ذويهم، ثم لا تعيدهم إليهم في أحيان كثيرة، تكتب "ولا عجب أن يتلاشى الأطفال: فمن السهل علينا أن نضيع شخصاً نقدر أن مستقبله بلا أجنحة".

وعلى رغم جهامة الموضوع الذي تتناوله مقالات هذا الكتاب، فإن بادخين تجد مظاهر للرحمة تجعلها تقدر "النعمة" في هبة البقاء على قيد الحياة، وتبرز في كتابها أمثلة لتلك الرحمة منها ما فعله شرطي أفغاني إذ وضع الكلاشنيكوف على كتفه ليغطيها ببطانية في رفق ومنها أن يصيح سائق وهو يحدق في الأفق المبهر قائلاً "في معرض أعمال الرب الفنية ثمة دائماً المزيد لكي نراه، ومنها أيضاً الطيور التي تنتبه إلى أنها في غمار العاصفة الرعدية تستدير لكي تواجه المياه المعتمة".

الضئيل والهائل

ولا عجب أن يصف دانيال سيمون الكتاب بأنه كتاب الضئيل والهائل، كتاب السمكي والمائي والموسيقي، والعابر والجيولوجي، في 11 مقالة تقدم آنا بادخين شسوعاً جغرافياً يتراوح بين شرق أفريقيا وغربها وجنوب تكساس وشمال أفغانستان وروسيا السوفياتية والصحراء الأفريقية.

ويستدرك سيمون لكن المفارقة أن هذا الشسوع الجغرافي أقل إحاطة من المساحة الزمنية التي تحللها في محاولة لفهم "التفكك الأخلاقي" الكامن وراء الهجرات البشرية الجماعية التي وقعت في أوائل القرن الـ21، إذ تنظر إلى الاضطرابات المختلفة في ضوء سرديات الأسلاف والرسوم الباقية مما قبل التاريخ التي من خلالها، كما من خلال طبقات الرواسب، يمكن أن نرى أولى عذابات البشرية في ترحالها "حيث كل خطوة سقطة محبطة" وحيث "كل خطوة مغادرة ووصول"، فهذا الرسم رباعي الأبعاد للخرائط من مباهج الكتاب الكثيرة".

دراسة الظرف الإنساني

وصفت "ذا نيويورك رفيو أوف بوكس"، وهي ناشرة الكتاب، آنا بادخين بأنها "مؤرخة عالم في حال حركة" تسعى إلى القبض على ما يفصل بيننا وما يربط بعضنا ببعض في زمن يعصف فيه الاضطراب بالعالم كله ويرغم سبع البشر على النزوح من مواطنهم ويفرض وباء علينا أن نعيش أبشع انقسام عرفته الإنسانية في ذاكرتها المسجلة.

وتقول "نيويورك رفيو أوف بوكس"، فموضوع كتابها الحديث هذا هو دراسة الظرف الإنساني في حقبة تفكك غير مسبوق ويتأمل الأدوار التي تلعبها الذاكرة والدهشة في ارتباط بعضنا ببعض ويتساءل كيف يتسنى لنا باتزان ومنطقية أن نواجه اليأس ونستمر في إنشاء، أو في الأقل في تخيل، معجم عاطفي يقاوم التفكك.

"أقل خوفاً"

كثيراً ما ترجع بادخين في كتابها إلى قول زميل لها إن الكتاب ينبغي أن يجعلوا قراءهم "أقل خوفاً" وتتساءل "هل شعر يوريبيديس وسوفوكليس بالخوف في أثناء الحرب البيلوبونيزية [بين أثينا وأسبرطة في عهد الإغريق]"، وتقرر أن كتاباتهما ساعدتها على "مزيد من الاستيضاح للحزن، لا بحيث يتسنى لي أن أرى الطريق القائم أمامي، بل بحيث يتسنى لي أن أمتلك القوة الكافية للمضي فيه".

وفي استعراض مجلة "كيركوس رفيو" تأكيد على أن أحد أغراض الكاتبة من كتابها هذا هو العثور على طريقة أفضل لرؤية الحزن وفهمه، بخاصة مثلما يتجسد في أزمة المهاجرين في العالم، والظاهر أن ما تريده الكاتبة حقاً من الحزن هو أن يكون له حضور أكبر.

ففي تفسيرها لعنوان الكتاب تقول بادخين في حوار أجراه معها جوري لويس لمجلة "أوريون" إن عبارة "الواقع الذي لا يحتمل إشراقه" مأخوذة من ترجمة الشاعرة الأميركية آليس أوزولد لكلمة يونانية في إلياذة هوميروس، إذ قالت الشاعرة إن هذه الكلمة التي ترجمتها إلى عبارة، هي تعبير عن الحال التي تكون عند مجيء الآلهة إلى البشر في هيآتها الحقيقية، لا في تجلياتها، أو في صور غير صورها، فحضور الآلهة حينئذ يكون "واقع إشراق لا يمكن احتماله".

وتضيف بادخين "لقد خطر لي أننا الآن في وقت تشتد الحاجة إلى أن تظهر لنا الآلهة بأنفسها لتوقظنا من غفلتنا، فننتبه إلى العالم الذي نشترك معها في خلقه، لكننا غافلون عنه في ظل كارثتنا المناخية والحروب والانتهاكات والجرائم المقترفة ضد الإنسانية".

النظرة العلوية

ولكن لماذا يكون الإشراق غير محتمل؟ تقول بادخين في حوارها إن نظرة الطائر العلوية، أي النظرة الواسعة، قد ترينا السياق الكبير لأزمة ما، لكنها قد تفقدنا الإحساس بأثر هذه الأزمة على الفرد "فحينما نتكلم عن أن واحداً من كل سبعة أشخاص في العالم مشرد، اضطر إلى ترك مكانه والعيش في مكان آخر، نجد الأرقام مذهلة، لكن ما الذي يعنيه هذا حقاً لكل شخص مفرد؟ هنا يكمن التوتر بين الإشراق وكونه غير محتمل". وهنا في ظني بحثها عن دور أكبر للحزن وحضور أكبر له، فكأنها تريد أن نسترد إنسانيتنا بأن نحزن، مثلما تريد أن نستردها بأن نندهش.

قرب نهاية إحدى مقالات كتابها، وهي مقالة "المادة المعتمة"، تكتب نادخين "لماذا نظل راغبين في تسمية الشيء بغير اسمه؟ لماذا نأبى أن نعالج مباشرة تجربتين تمثلان ذروة من ذرى إنسانيتنا وهما العنف والدهشة، لماذا نعثر على طرق ملتوية لوصفهما، لماذا لا ننظر إلى ما بين أيدينا وفق شروطه ونعجب منه كما هو بالضبط، أي جشع بداخلنا يصرفنا عن الإعجازي من دون أن نتوقف أمامه، أي نهم هذا الذي يجعلنا لا نشبع؟".

 

يكتب دانيال سيمون رئيس تحرير موقع "الأدب العالمي اليوم" world literature today) أن بادخين تحثنا على النظر من دون أن نجفل إلى "شر الإنسان الذي لا غور له" وأيضاً وفي الوقت نفسه، إلى "نعمة أن نكون بشراً"، وهي قادرة إذ تنظر دونما إجفال إلى العنف وفق شروطه الخاصة، على أن تعجب، بحسب ما يلاحظ دانيال سيمون، أمام لحظات إدراك فريد، إذ ترى "التجاور بين الجمال والحزن وتفطن إلى أنماط يجتمع فيها الإشراق والإعتام".

ولعل مفردة التجاور هذه مفتاح مناسب لفتح أبواب مقالات الكتاب الـ11 جميعاً، فلكي تساعد بادخين قارئها على استرداد الحزن والدهشة واسترداد إنسانيته من خلالهما، فإنها تعزز تجاربها المباشرة التي حصلتها عبر أسفارها في العالم، بالمجاورة بين هذه التجارب وثروة مذهلة من الأدب والفنون والعلوم. وهي، وفق ملاحظة استعراض "كيركوس رفيو"، "تبني مقالاتها على طريقة فناني الكولاج بحثاً عن العلاقات الغائبة التي يمكن استحضارها بالتقريب بين الأفكار المتنافرة".

ففي مقالة "منظر طبيعي مع إيكاروس" تقدم معلومات عن الأطفال طالبي اللجوء، لكنها تقدمها إلى جوار خرافة "عازف الناي الملون" [Pied Piper] الذي كان يغوي الأطفال إلى الخروج من بيوت ذويهم بحسب خرافة ألمانية، ثم تستحضر قصيدة لأودن عن لوحة "منظر طبيعي لسقوط إيكاروس" لبروغيل التي تصور ساحلاً مزدحماً لا يكاد يرى فيه إيكاروس وقد سقط حطاماً عند ملتقى الماء باليم.

وتتساءل بادخين "أين الطفل، أين إيكاروس؟" وتجيب "ليس سوى الساقين الغارقتين الشاحبتين ترقصان رقصتهما الأخيرة أسفل وابل الريش الهلالي النحيل المتساقط والأصابع تتشبث دونما جدوى بموجة ورذاذ غامض يمزق قلبك إلى الأبد".

الطيور والفن ومخاطبة البشر

والحق أن من يتأمل لوحة بروغيل هذه وهي متاحة طبعاً على الإنترنت، يرى في صدارتها وأبرز ما فيها فلاحاً وراء محراث يسحبه ثور وأخاديد الأرض من أثر المحراث، وفي العمق راعياً يبدو عائداً بعد سقاية غنمه ويرى صياداً جالساً وقد ألقى بشصه في الماء وسفينة في عرض اليم والسماء فوق كل ذلك، لكنه قد لا ينتبه سريعاً إلى إيكاروس نفسه الذي يتقاسم مع "المنظر الطبيعي" عنوان اللوحة.

لكن بالتدقيق ينتبه المرء إلى ساقين بارزتين من الماء لشخص يصارع الغرق، بينما يتساقط ريش عليه ببطء، كل شيء في هذه اللوحة، أو في العالم بمعنى أدق، يجري على حاله برتابته المعهودة، بينما أسطورة تنتهي، أو بالأحرى بينما يغرق طفل صغير أذابت الشمس جناحيه. وربما حين ينتبه متأمل اللوحة إلى ذلك، يشعر بأن نصال محراث الرتابة لا تخرق إلا روحه هو، وربما أيضاً ينتبه وهو يقرأ سؤال بادخين "أين الطفل، أين إيكاروس؟" أنه لن يبرأ أبداً من جرح معرفته بمصائر الأطفال طالبي اللجوء، الهاربين من العذاب بأجنحة من شمع.

فالظاهر أن بادخين من طول معاشرتها لميادين القتال في عشرات الحروب في بضع قارات، لم تكتشف بالضبط أن الطيور قادرة على أن تقرأ لنا الغيب، لكنها اكتشفت أن الفن هو القادر حقاً على مخاطبة البشر، الظاهر أنها اكتشفت أن المكتفين بمشاهدة مواجز الأنباء من دون تفاصيلها وقراءة عناوين الصحف من دون المتون واستعراض الشاشات بلمسات الإبهام العجول الملول، لا يفهمون جيداً ما تعنيه الأرقام في إحصاءات ضحايا الحروب والزلازل ومراكب الهجرة غير الشرعية، لكنهم قد لا يملكون أن يعيشوا حياتهم مثلما عاشوها من قبل إذا ما تعلموا كيف ينظرون إلى لوحة بروغيل، أو كيف يتأملون أحفورة عمرها ملايين السنين لرجل كان له في يوم من الأيام وجود مثل وجودهم.

المزيد من كتب