قوانين الاتحاد الأوروبي لا تحول دون إعادة تأميم السكك الحديدية البريطانية

تعتبر الملكية العامة لقطاع النقل دِيْنَ اليسار ودَيْدَنَه

القطارات السريعة في فرنسا ملكية عامة (موقع أس أن سي أف)

يعتبر الجدل المتواصل حول ما إذا كانت عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو في سوقه الموحدة، تمنعها من تأميم سككها الحديدية، واحداً من الموضوعات الاشكالية التي أفرزها مشروع بريكست.

معروف أن الملكية العامة للسكك الحديدية أصبحت سياسة ثابتة لليسار الذي يتعامل معها بشيء من القداسة. وفي الوقت نفسه، لم يقبل الجمهور الأوسع بدوره خصخصة وسائل المواصلات هذه في يوم من الأيام، إذ أن 60 % من الناخبين يؤيدون إعادة تأميمها، فيما يعارض 25 % فقط منهم ذلك، حسبما ذكرت شركة ’يو غوف’ المتخصصة في استطلاعات الرأي.

وإذ يشعر بعض اليساريين بالقلق من أن تعجز الحكومة عن إعادة التأميم بسبب القيود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على مدى تدخل الدولة في عمل القطاع الاقتصادي، يشير أنصار بقاء البلاد في الاتحاد إلى أن الملكية العامة للسكك الحديدية هي الأمر المعمول به في معظم دول القارة الأوروبية.

لكن الوضع معقد للغاية، في الواقع؛ وكان طرفا الجدال حول هذا الموضوع ميالين إلى تجاهل الحقائق المزعجة التي ينطوي عليها.  وسأحاول هنا شرح ما تعنيه قوانين الاتحاد الأوروبي، عملياً.

بادئ ذي بدء، من الواضح أن عضوية الاتحاد الأوروبي لا تمنع وجود شركة سكك حديدية وطنية مملوكة للدولة. فالمملكة المتحدة هي البلد الرئيس الوحيد بين أعضاء الاتحاد الذي لا تدير فيه الدولة الغالبية العظمى من الخدمات.

ومعظم السكك الحديدية المستخدمة لنقل الركاب في فرنسا والبرتغال وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا وبولندا، تُدار من قبل شركات تُعد كل منها النسخة الخاصة بالدولة المعنية من شركة السكك الحديدية البريطانية "بريتيش ريل". وخلافاً لنظيرتها في المملكة المتحدة، بقيت تلك الشركات من دون خصخصة كما لم يجرِ تفكيكها.

والقول إن قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بمساعدات الدولة ستمنع الحكومة من دعم هذه الشركات مادياً هو خاطئ أيضاً، فالمادة 93 من معاهدة الاتحاد الأوروبي تستثني "تنسيق النقل" على وجه التحديد من القواعد الناظمة للمساعدات الحكومية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتستفيد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشكل كبير من هذا الاستثناء، ما يجعل أسعار التذاكر أحياناً منخفضة بشكل لا يصدق، خصوصاً بالنسبة للركاب. ومن الناحية العملية، تُعطى تذاكر القطار للركاب مجاناً في بلجيكا، حيث أعيش، إذ لا تكلف تذكرة سفر ذهاب وإياب لرحلة تستغرق ست ساعات بين بروكسل وأرلون عند شرائها في يوم السفر سوى 19 جنيهاً استرلينياُ. وبالنسبة لأولئك الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً، هناك سعر ثابت هو 6 جنيهات استرلينية لقاء تذكرة ذهاب وإياب بين أي وجهتين في أنحاء البلاد كافة.

وتذهب بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي إلى أبعد من ذلك، فمثلاً تدعم لوكسمبورغ خطوط السكك الحديدية الخاصة بها بشكل كبير إلى درجة أنها قررت أنه لا جدوى من تكليف نفسها عناء تحصيل الرسوم، لذا ستجعل وسائل النقل العام فيها مجانية للجميع منذ بداية عام 2020.

وبالتالي، فإن قوانين الاتحاد الأوروبي لا تمنع دولة عضو من امتلاك شركة سكك حديدية عامة، أو من تقديم دعم لشركة من هذا النوع دعما غير معقول بدرجة كبيرة. لكن من المهم ايضاً أن توضيح القيود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السكك الحديدية في الدول الأعضاء أو على وجه الدقة، القيود التي سيفرضها عليهم.

يعود هذا إلى تغير الوضع في الاتحاد الأوروبي، ففي عام 2016، وافقت الدول الأعضاء على مجموعة من التشريعات سُمّيت بـ "حزمة السكك الحديدية الرابعة" سوف تدخل حيز التنفيذ في عام 2023. وتشتمل هذه "الحزمة" على سلسلة من القواعد الجديدة الهادفة إلى إدخال القطاع الخاص، وتشجيع تنافسية السوق، في أعمال السكك الحديدية. لذلك فإن معاينة الوضع الحالي في الدول الأعضاء لن يساعد كثيراً في تصور ما ستكون عليه في غضون سنوات قليلة.

تجدر الإشارة إلى أن "حزمة السكك الحديدية الرابعة" لن تفكّك أو تخصخص شركات السكك الحديدية العامة الموجودة حالياً في أنحاء أوروبا، مثلما فعلت المملكة المتحدة مع شركة "بريتيش ريل"، بيد أن القواعد الجديدة ستجبر عملياً الدول الأعضاء على استبدال خطوط تشغّلها شركات خاصة ببعض خطوطها الحالية، حتى لو لم تكن لدى هذه الدول رغبة حقيقية في ذلك. إن الفكرة الكامنة وراء هذا التشريع هي في الحقيقة نفس فكرة خصخصة السكك الحديدية في المملكة المتحدة، وهي أن إشراك القطاع الخاص سيُخضع المشغلين جميعاً بطريقة أو بأخرى للضغوط التنافسية وبالتالي تحسين الخدمات، أو سيزيد من الكفاءة ويخفّض الدعم اللازم. وربما يكون للمسافرين البريطانيين وجهة نظرهم بمدى دقة هذه الفكرة والنتائج التي أدت إليها فعلاً.

تنصّ "الحزمة" هذه، على وجوب طرح الخطوط المدعومة في مناقصة مفتوحة، وسيُسمح للشركات الخاصة المشاركة فيها للتنافس على العقود المطروحة ضمن عملية تجارية. سيكون بمقدور المشغلين الحكوميين الحاليين دخول المناقصة وسيفوزون في حالات كثيرة، لكنهم سيخسرون في حالات أخرى. وفي بعض الظروف، سيُسمح للحكومات "بمنح" عقود أصغر للشركات العامة، ولكن فقط إذا وضعت أهدافاً ملزمة بخصوص الدقة بالمواعيد ورضا الركاب. وإذا لم تنجح شركات القطاع في تحقيق تلك الأهداف لأي سبب كان، يُطرح العقد أمام القطاع الخاص.

وستكون الآليات المتبّعة في الدول الأوروبية كقاعدة لتلزيم عقود السكك الحديدية شبيهة بالمناقصات العامة المستخدمة حالياً في المملكة المتحدة على نحو قياسي لهذه الغاية، فالطرق الجديدة لن تفسح في المجال لتنافسية السوق، وإنما ستكون عبارة عن اختيار موظفين مدنيين لعروض مختلفة.  هكذا لن يكون فوز شركة ما بعقد معين دليلاً على إدارتها الجيدة للسكك الحديدية، ولكن على نجاحها في طريقة تقديم العروض لتنفيذ هذا العمل أو ذاك.  وفشلت الشركات التي تحمل تراخيص في المملكة المتحدة مراراً وتكراراً في الوفاء بوعودها وانهارت في وقت مبكر، قبل أن تسارع الدولة لإنقاذها.

يكمن الفرق الرئيسي بين الوضع الحالي في المملكة المتحدة والوضع الذي يتبلور في أوروبا هو أن الدول الأوروبية ستستمر، على الأغلب، في امتلاك شركة سكك حديدية حكومية، تتنافس على الفوز بالعقود مع شركات خاصة أخرى. ومن المؤمل أن احتمال خسارة هذه العقود سيجبر المشغلين التابعين للدولة على رفع مستوى أدائهم وتقديم عمل أفضل، لكن من المرجح أنهم سيديرون عدداً ضئيلاً من الخدمات ضمن مجموعة متنامية من المشغلين.

هذا هو الوضع، سواء كنتم تعتقدون أنه جيد أو سيء. قد تحاول حكومة بريطانية ملتزمة بحماية الملكية العامة الكاملة للسكك الحديدية أن تتجاهل تلك التشريعات، وتقف في وجه بروكسل، وذلك على الرغم من أن تجربتنا في إطار مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي لاتدل أننا ننجح في مواجهات من هذا النوع. كما أن الخروج عن القانون سيعرّض الحكومة للمثول أمام محكمة العدل الأوروبية لأن الشركات الخاصة الغاضبة لخسارتها عقوداً مربحة سترفع قضايا ضدها. وقد تفرض المفوضية الأوروبية إجراءات عقابية على الحكومة أيضاً بسبب انتهاكها القوانين. لكن بدلاً من ذلك كله، بإمكان المملكة المتحدة أن تحاول تغيير قواعد الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أنها في هذه الحالة ستسبح ضد تيار قوي للغاية.

من المؤكد أن قواعد الاتحاد الأوروبي، كما هي الآن، لا تتطلب تشغيل السكك الحديدية في المملكة المتحدة من قبل القطاع الخاص بالطريقة المعمول بها حالياً، وربما لن تفعل ذلك أبداً. لكن من الناحية العملية، ستجعل أحدث التشريعات ذات العلاقة التخلص من مشغلي القطاع الخاص بالكامل أمراً مستحيلاً. باختصار، سيكون من الممكن إعادة إنشاء "بريتيش ريل"، لكن لن توكل إليها إدارة الشبكة برمتها كما كانت تفعل قبل الخصخصة.

في النهاية، فإن الإجابة على السؤال المتعلق بما إذا كانت قواعد الاتحاد الأوروبي تمنع بريطانيا من تأميم سكة الحديد، تعتمد على ما هو المقصود بتأميمها.

© The Independent

المزيد من اقتصاد