Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"المجلس" و"الوديعة"

الدول المانحة ضاقت ذرعاً بطريقة استخدام المساعدات والقروض السابقة وازدواجية الجهات اليمنية

تسعى الدول المانحة إلى تعهد صارم كي لا تذهب الاموال في مهب الرياح (الموقع الإلكتروني للبنك المركزي اليمني)

في السابع من أبريل (نيسان) 2022 تم إعلان وديعة بمبلغ ملياري دولار، وبموجبه تعهدت حكومتا السعودية والإمارات بتخصيصها بحسب البيان لدعم البنك المركزي اليمني، وكذلك مبلغ مليار دولار إضافي من السعودية دعماً لشراء المشتقات النفطية وإنجاز عدد من المشاريع التنموية.

وكان كثيرون يتوقعون أن تحوّل العاصمتان الوديعة في أقرب الآجال لولا أنهما تمسّكا بالحصول على تعهد صارم بأن لا تذهب المبالغ في مهب الريح كما حدث مع مبالغ ضخمة سابقة ابتلعها الفاسدون لغياب المحاسبة والرقابة على المال العام. وهنا لا بد من فهم أن الوديعة هي قرض بفوائد وليست منحة مجانية.

استمرت المباحثات التفصيلية بين المسؤولين في العاصمتين ونظرائهم اليمنيين على مدى الأشهر السبعة الماضية، ونتج منها التوقيع صباح الأحد الماضي 27 نوفمبر (تشرين الثاني) على اتفاق يجري بموجبه، بحسب ما تم إعلانه، تخصيص التعهد السعودي عبر صندوق النقد العربي ليراقب مدى الإنجاز في مجالات هيكلية، من ضمنها تعزيز وضعية المالية العامة للدولة، ورفع قدرات المؤسسات الحكومية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتطوير منظومة الحوكمة، وسيكون الصندوق مسؤولاً ومراقباً على تنفيذ بنود الاتفاق على مدى ثلاث سنوات (2022 - 2025).

من الواضح أن الدول المانحة جميعها، بخاصة الخليجية منها، قد ضاقت ذرعاً بطريقة استخدام المساعدات والقروض والمنح السابقة، مما أجبر الرياض وأبو ظبي على فرض شروط غير سهلة لإنفاق أي مبالغ يجري التعهد بها.

وليس في ذلك غرابة، لأن الدول المقرضة أياً كان قربها أو بعدها الجغرافي لم تعد كما كانت في الماضي جمعيات خيرية تقدم أموالاً ينتهي مسارها إلى حسابات خاصة، لذا صارت تتشدد في الشروط والالتزامات كي لا تصبح سانحة لنهب المال العام والهبات.

ورغم كل ما يقال عن صرامة بنود الاتفاق مع صندوق النقد العربي ووزارة المالية السعودية لكن المؤكد أن جزءاً كبيراً من مسؤولية التأخير يعود إلى ازدواجية العمل والمسؤولية عند الجهات اليمنية التي تعاملت مع الأمر وانعدام الثقة الدولية بها.

لقد تسبب إعلان السابع من أبريل 2022 في خلق كيانات غير مؤسسية تعمل من دون لوائح تنظيمية، من بينها اللجنة الاقتصادية، وليس في هذا تشكيك في كفاءة بعض الأسماء التي جرى اختيارها في هذا الكيان الذي سمّي المساند لمجلس القيادة الرئاسي، لكنه كان وما زال، مثل المجلس نفسه، يعمل من دون ضوابط، مما أدى إلى غموض في معرفة دوره وحدود مسؤولياته أمام البنك المركزي اليمني ووزارة المالية، كما أنه غير محاسب من أية جهة حكومية ويتعامل مباشرة مع رئيس "المجلس".

من المؤكد أن المواطنين لن يشعروا فوراً بأية آثار إيجابية من الاتفاق، لأن الإصلاحات الهيكلية تستغرق أمداً طويلاً، لكن تنفيذها سيسمح حتماً باستعادة جزء من الثقة بالأجهزة المالية في اليمن، وتالياً سيكون من الممكن الحديث عن منح مالية مستقبلية.

لكن الأمر يجب أن لا يتوقف عند الشأن المالي على أهميته، ويجب أن يمتد إلى إصلاح الهيكل الإداري برمته، والخطوة الأولى تبدأ في تنقية جداول الخدمة بالأجهزة المدنية والعسكرية والأمنية والالتزام بقواعد التعيينات والقوانين التي تمنع الازدواج الوظيفي، ومن الضروري تطبيق سن التقاعد، وهذه قضية لا يجب التهاون فيها أو البحث عن مبررات لعدم معالجتها بالسرعة المطلوبة. وهذا يدفعني إلى الحديث مرة متكررة عن انضباط العمل في مجلس القيادة الرئاسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل أيام أصدر أحد أعضاء "المجلس" قراراً بتشكيل لجنة تضم عدداً من الوزراء، للبدء في تنقية جداول الموظفين المدنيين والعسكريين والأمنيين، ولا خلاف حول الهدف من القرار وأهميته، لكن ما ليس مفهوماً هو قانونية القرار الذي أصدره ووقعه بختم خاص به مما يدل على عدم فهم لكيفية العمل داخل المؤسسات، إذ من غير المعقول أن يمتلك كل عضو في "المجلس" ختماً خاصاً به. وخطورة هذه الخطوة رغم جدارتها هو في التعبير عن الخلل الفاضح للطريقة التي تدار بها أعلى سلطة في الدولة.

وهنا لا بد من العودة للحديث عن الفوضى والعشوائية في إدارة "المجلس"، بسبب استمراره من دون لائحة تنظم عمله وكيفية إصدار القرارات وإعلانها للجمهور، وهذا سيتسبب في مزيد من الإحباط عند الناس بعد التغيير الذي حدث في السابع من أبريل، وستكون انعكاساته على الأوضاع العامة غير مأمونة.

وإذا كانت الانتقادات التي وجهت إلى الرئيس هادي تركزت حول طريقة إدارته وعدم الشفافية مع الرأي العام فإن الأمر لم يتبدل، واستمر إصدار قرارات وظيفية بدرجات عليا صدرت، ثم ألغيت أو جمدت بسبب عدم التحقق المسبق من المعايير والكفاءة، وقبل ذلك معرفة إن كانت الوظيفة موجودة فعلاً في الهياكل الإدارية.

ستظل دوامة العبث المالي والإداري مستمرة ما لم يتخذ "المجلس" إجراءات تخفف حنق الناس المستدام وفقدان الثقة، وهذا أمر ليس من الواضح أبداً أن "المجلس" مهتم به، وصار جل اهتماماته هي الصورة التي عجزت بامتياز ومن دون نجاح أجهزة الإعلام الرسمية والمستأجرة بزرعها في أذهان الناس متناسية حجم الغضب والحنق من سوء الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية.

صحيح أن الإعلام يستطيع التغطية على القصور إن كان طارئاً، لكنه سيواجه الفشل المحتم إذا لم يكن مصاحباً بالإنجازات والتقشف في التصريحات، ووقف سيل الوعود الوهمية واللهث وراء السراب والعيش بعيداً من الناس.

يقول الحكيم الصيني كونفشيوس "إنه من المعيب أن يحافظ رجال الدولة على امتيازاتهم حين يعاني مواطنوهم ظروفاً معيشية صعبة"، وهذه الحكمة هي ما يبتعد عنه أعضاء "المجلس" غير آبهين لمعانيها الأخلاقية والسياسية.

المزيد من آراء