لماذا يُعتبر "منزل التلة المسكون" أكثر المسلسلات التلفزيونية رعبًا على الإطلاق؟

يدّعي المتخصص بأفلام الرعب ستيفن كينغ، أن هذا العمل التلفزيوني تقشعر له الأبدان خوفًا، بينما يقول المشاهدون إنه جعلهم يشعرون بالقلق. كيف يعيد عمل تلفزيوني الحياة إلى مجموعة كبيرة من الكليشيهات؟

وصف ستيفن كينغ "منزل التلة المسكون" بأنه "شبه مثالي" (ستيف ديتل/غيتي)

سبّب القشعريرة لستيفن كينغ وأرعب المشاهدين إلى درجة الغثيان، فما حقيقة مسلسل شركة "نتفليكس" الجديد القائم على رواية شيرلي جاكسون الكلاسيكية "منزل التلة المسكون" الذي أصبح أحد أكثر أعمال الرعب تأثيرًا في هذا الموسم؟ 


في نهاية المطاف، أثبت المسلسل المكوّن من عشرة أجزاء، والذي بدأ عرضه عبر خدمة البث عبر الإنترنت في 12 أكتوبر( تشرين الأول) المنصرم، بأنه أصبح من أشهر أعمال الرعب. تدور قصة المسلسل حول عائلة تنتقل للسكن في بيت مسكون، حيث الأشياء ترتطم وتحدث ضجيجًا في الليل. وامتدادًا لأعمال ويلكي كولينز وألجيرنون بلاكوود، فإن هذا العمل قائم على ذلك النوع من الحبكات المعروفة جدًّا. كيف يمكن مجرد مسلسل تلفزيوني بثُّ الروح في مجموعة كبيرة من الكليشيهات؟


لقد استطاع عمل ذلك بكل سهولة، فإن عبقرية المسلسل الجديد "منزل التلة المسكون"، الذي كتبه مايك فالانجان مخرج فيلم "أويجا: أصل الشر"، تكمن في وضع حد بين الرعب الخارق للطبيعة، وصدمات الطفولة التي لم تعالَج، والأشهر منها أن أغلبنا في الحياة الحقيقية يخيم علينا الماضي.


وربما لهذا السبب اعتبر كينغ هذا المسلسل عملًا أصيلًا وجريئًا، وقال في تغريدة: "في العادة لا أهتم بمثل هذا النوع من الأعمال المعدَّلة، لكن هذا العمل عظيم. إنه قريب من العبقرية حقًّا. أعتقد أن شيرلي جاكسون ستوافق على هذا، ولكن من منا يعرف على وجه التأكيد؟."


وكما هو الحال مع رواية كينغ المؤثرة بعنوان "كاري"، والتي تدور حول سن البلوغ، فإن مسلسل "منزل التلة المسكون" يحوِّل ألم البلوغ عذابًا روحيًّا بمعنى الكلمة. وينقلنا فالانجان من مرحلة البلوغ الحالية للإخوة كرين المختلين إلى ذكرياتهم المريعة التي تعود إلى أوائل التسعينيات، عندما انتقل والداهما إلى بيت كبير يحتاج إلى إصلاح وتبين أنه مسكون بأرواح شريرة.


بالنسبة إلى البعض منا، فإن أكثر الذكريات رعبًا منذ أوائل التسعينيات، كانت مشاهدة فرقة شامان تؤدي أغنية "إيبينيزر جود" Ebeneezer Good، التي تربعت على عرش أغاني البوب في ذلك الوقت. لكن فالانجان يغوص عميقًا، ويميط اللثام عن بعض الصور المزعجة حقًّا. وعلى الرغم من أن العمل مليء بالصور والأصوات المرعبة، مثل الأم الميتة التي تحاول سحب ابنها البالغ إلى قبر مفتوح، والرجل الطائر بلا وجه، وزومبي في التسوية، فإن الرعب الحقيقي يكمن في رؤية أولئك الأطفال البريئين ذوي العيون الواسعة يكبرون ليصبحوا أشخاصًا بالغي التشوُّه.


ويصبح لوك الرائع (الذي يقوم بدوره أوليفر جاكسون كوهين) مدمن مخدرات بائسًا، والأخت الكبرى العاقلة شيرلي (التي تقوم بدورها إليزابيث ريزر) يتبين أنها أم وزوجة غير مثالية تمامًا، وستيفن (الذي يقوم بدوره ميشيل هويسمان) المولع بالكتب يستغل اضطراب ما بعد الصدمة التي تعانيها العائلة للبدء في مهنته كاتبًا. لم يبلغ الكثير منا سن البلوغ في منزل مسكون، ولكن الكثيرين منا جربوا الاستيقاظ يومًا ما والشعور بأننا بالكاد نعرف إخوتنا الذين أصبحوا أفرادًا مختلين.


ويقابل هذه العناصر النفسية القصة القديمة التي تدور حول البيت المسكون، مثل القصة التقليدية المثيرة في كتاب جاكسون والتقاليد المرعبة التي استخدمتها.


الأمر المثير في شكل خاص هو: كيفية إعادة فالانجان تشكيل معالم الرعب على التلفزيون وهي تاريخيًّا وسيلة أثارت الشكوك حول قدرتها في جعل المشاهد يخاف كثيرًا. والسبب وراء عدم نجاح الرعب على الشاشة الصغيرة هو أن التلفزيون لا يستطيع مواكبة الايقاعات القديمة لأفلام الرعب. من المعروف تاريخيًّا أن العنف كان أحد المحرمات في الوقت الذي تحتوي أفلام الرعب على مشاهد الجلد المسلوخ والأعناق الممزقة. يجب على التلفزيون مراعاة حساسيات المشاهدين الرئيسيين بشكل أكبر.


إضافةً إلى ذلك، فإن استراتيجية الرعب القديمة القائمة على بناء التوتر من خلال القفزات المرعبة لا تنجح بكل بساطة، فيمكن فيلم رعب مدته 90 دقيقة أن يجعلك تختبئ خلف علبة البوشار من خلال جعل الوحوش تقفز من وراء الظلال في فترات شبه منتظمة. وعبر حلقات هذا المسلسل التي امتدت عشر ساعات في موسمه الأول، فإن مفعول الصدمات التي يسببها تبدأ بفقدان وقعها من حلقة لأخرى. 


وتتلخص رؤية فالانجان الرائعة بأن البرنامج التلفزيوني المخيف يجب أن يلتزم إيقاع الرواية المرعبة. وربما قام كينغ هنا بتفحص النفوذ الذي يتمتع به شخصيًّا. وتقوم أعمال الرعب الكلاسيكية لكينغ على مبدأ رفع مستوى الرعب تدريجيًّا، وبالتالي فإن القارئ وإن كان يستطيع رؤية ما الذي يفعله المايسترو فهو لا يستطيع مقاومة تأثيره.


يُعد المشهد الذي يقوم فيه مصاص الدماء باصطياد الضحايا في رواية "سالمز لوت" على سبيل المثال، مزعجًا ليس لأن عدوانيته توضحت ولكن لأن كينغ ترك لنا قليلًا من الشك حول كيفية سير الأمور، وهذا يشبه الاستيقاظ لتجد نفسك مقيدًا على سكة حديد وتسمع صافرة القطار في الأفق.


هذا ما يجري بالضبط في مسلسل "منزل التلة المسكون"، ففالانجان لا يخجل من المشاهد أبدًا، ومن الواضح منذ البداية أن بيت التلة قد وضع لعنة خارقة للطبيعة على عائلة كرين ولا سبيل للخلاص منها مهما حاولوا. وبعيدًا من جعل الأمور متوقعة، يُلجأ إلى إظهار الرعب، الذي يقطعه بين الحين والآخر صوت صرخات الاحتجاج من بعيد، وهذا يتراكم ليصبح خانقًا.


ولنقارن هذا الأسلوب مع التكتيك الأقل فعالية بكثير، والمستخدم في أعمال الرعب الحديثة. بالرغم من شعبية فيلم زومبي "الأموات يمشون"، لم يدَّعِ أحد أن هذا الفيلم مخيف حقًا. يقوم هذا الفيلم على الهجوم العنيف على الأشخاص، حيث إن الزومبي هو عبارة عن مجاز للعدوى بالملامسة أو عدو لا يرحم ولا وجه له، ولكنه لا يجعل أي شخص يشعر بأنه يريد أن يتقيأ.


والأمر ذاته ينطبق على الأفلام المستوحاة من روايات غويليروم ديل تورو بعنوان "التوتر" (التي لم تأخذ حقها أبدًا من التقدير)، وهي أفلام تدور أحداثها حول مصاصي الدماء ذوي الفك القابل للانفصال، والنهم الذي لا يمكن إشباعه. كانت سلسلة مثيرة (أو على الأقل حتى وقت إلغائها العام الماضي). وينطبق الأمر عينه على مسلسل "قصة رعب أميركية"، من إخراج ريان ميرفي، الذي قد يسبب ازعاجًا متقطعًا ولكنه مجرد نسخة أخرى من أفلام ميرفي المبنية على الإثارة والرعب ولكن بنسخة مسلية.


مسلسل "منزل التلة المسكون" مختلف، وعلى الرغم من أنه لا يسبب لك خوفًا إلى درجة التعرق، فإن هذه السلسلة تغرس براثنها بقوة. وإذا كانت هناك سابقة لهذا المسلسل فهو مسلسل "توين بيكز" لديفيد لينش، الذي ألقى بتعويذة سوداء على مشاهديه لم يتخلصوا منها على مدى العقود (وكانت سلسلة العام الماضي أكثر رعبًا).


من المعقول تخيل أن "منزل التلة المسكون" ذو تأثير مماثل، فهو مخيف حقًّا، ولكن عندما تعكسه على الواقع كمرآة وتطلب من المشاهد مواجهة الشياطين الخاصة به، فإنه يتمسك بالمشاهد بقوة ويرفض أن يتركه يذهب بعيدًا.
 

© The Independent

المزيد من تلفزيون وإذاعة