عاصفة من الجدل تفجرها تصريحات سفير العراق في واشنطن عن التطبيع مع إسرائيل

يتحدث عن "أسباب موضوعية" لقيام علاقات بين بغداد وتل أبيب ودعوات إلى استبداله

نائب رئيس البرلمان حسن الكعبي: تصريحات سفير العراق لدى واشنطن لا تمثل موقف البلاد الرسمي والشعبي (رويترز)

فجرت تصريحات أدلى بها دبلوماسي عراقي في الولايات المتحدة بشأن التطبيع مع إسرائيل، عاصفة من الجدل في بغداد، انخرطت فيها شخصيات سياسية بارزة، بينما جاء رد الفعل الشعبي "خجولاً"، وفقاً لنشطاء، ما يطرح أسئلة بشأن "حقيقة التحول في ميول الشارع العربي، من القضية الفلسطينية".

وكان السفير العراقي لدى واشنطن فريد ياسين تحدث مطلع الأسبوع، عن "أسباب موضوعية" تدعو العراق إلى إقامة علاقات مع إسرائيل، قبل أن يؤكد أن مثل هذا الأمر "مستحيل" لأن "الشعب العراقي لا يعطي هذه الأسباب أولوية".

جالية عراقية في إسرائيل!

ياسين الذي كان يجيب عن أسئلة خلال ندوة عامة في واشنطن، تتعلق بموقف العراق من "صفقة القرن"، قال "هناك أسباب موضوعية، لقيام علاقات بين العراق وإسرائيل"، مشيراً إلى أن من بين هذه الأسباب "الجالية العراقية الكبيرة في إسرائيل".

ووفقاً لتقديرات إسرائيلية غير رسمية، فإن حوالى نصف مليون شخص يعيشون في إسرائيل، هم في الأصل مهاجرون من العراق أو ينحدرون من أصول عراقية. واستغربت الأوساط السياسية من وصف السفير العراقي مواطنين إسرائيليين ينحدرون من أصول عراقية بأنهم "جالية"، على الرغم من تشديده على أن "أبناء الجالية العراقية في إسرائيل، ما زالوا يعتزّون بتقاليدهم في حفلات الزفاف والغناء والطبخ".

زراعة الصحراء

من وجهة نظر الدبلوماسي العراقي، فإن السبب الموضوعي الآخر، الذي يشجع على إقامة علاقات بين العراق وإسرائيل، يتمثل في "التفوق التكنولوجي الإسرائيلي في مجال زراعة الأراضي الصحراوية، التي تعاني شحاً في المياه"، في إشارة إلى إمكان انتفاع العراق من هذا التفوّق، لاستصلاح أراض صحراوية واسعة غرب البلاد وجنوبها.

لكن ياسين، عاد ليقول إن هذه الأسباب الموضوعية ليست كافية، مشيراً إلى أنه لن يتمكن من لقاء السفير الإسرائيلي في واشنطن، لأن العراق لا يقيم علاقات مع هذه الدولة، وقال إن "هناك أسباباً معنوية، واعتبارية، لا تسمح لنا بالتواصل مع إسرائيل".

الخارجية: التصريحات غير مناسبة

على الرغم من أن حديث السفير العراقي جاء في سياق تحليلي، ولم يتضمّن موقفاً رسمياً، إلا أنه تسبّب في إثارة ضجة سياسية في بغداد، بلغت حدّ المطالبة بإقالته. وفور تداول تصريحات السفير العراقي، سارعت وزارة الخارجية العراقية إلى الإعلان أن "موقف العراق إزاء القضية الفلسطينية هو نفسه الموقف المبدئي والتاريخي برفض الاحتلال الإسرائيلي، واغتصابه أرضاً عربية".

ووصفت الوزارة، حديث سفيرها في واشنطن بـ "غير المناسب"، مشيرة إلى أن العراق يولي "أهمية خاصة للقضية الفلسطينية، والتي غالباً ما تمثل محوراً أساسياً في المؤتمرات واللقاءات التي يحضرها ممثلونا ووفودنا في الخارج". وقالت "يحصل أحياناً اجتزاء، أو نقص تعبير يقع فيه البعض يشوه موقف العراق المبدئي"، مشددة على أن "العراق لا يقيم علاقات رسمية مع دولة الاحتلال"، وأن العراقيين "ملتزمون مبدأ المقاطعة"، مشيرة إلى أن العراق داعم القضية الفلسطينية "في جميع المحافل الإقليمية والدوليّة، وعلى طول التاريخ".

وجدّدت التأكيد على موقف بغداد "الرافض كل أشكال التطبيع مع هذا الكيان الغاصب للأرض والذي يقتل، ويهجّر، ويدمّر حياة الإنسان ظلماً وعدواناً".

البرلمان يطالب باستدعاء السفير

طالب نائب رئيس البرلمان العراقي حسن الكعبي من جهته، وزارة الخارجية بـ "استدعاء سفير العراق لدى واشنطن واتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم تكرار التصريحات التي تسيء إلى المواقف الثابتة للدولة ومحاسبة كل من يصرح أو يتكلم باسم العراق".

واستنكر الكعبي تصريحات ياسين مؤكداً أنها "لا تمثل موقف العراق الرسمي والشعبي الرافض أية علاقة مهما كان نوعها مع الكيان الغاصب أرضنا المحتلة في فلسطين". كما دعت لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي الخارجية إلى "ضرورة ضبط تصريحات موظفيها"، وقالت إنها "تأسف لما صدر من تصريحات غير مسؤولة على لسان السفير العراقي في واشنطن" مشيرة إلى أنها لا تعبّر عن "إرادة" الشعب العراقي" في المقاطعة التامة لإسرائيل.

تحقيق واستبدال

وذهب ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى دعوة رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان إلى "الوقوف بقوة بوجه تصاعد الممارسات والتصريحات التي يقوم بها بعض المسؤولين والسفراء لإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني، ووضع خريطة للتقارب والاستسلام مع دويلة العدو، وإضعاف إرادة الأمة الإسلامية وترويضها".

وبينما طالب الائتلاف لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان بـ "استدعاء السفير العراقي في واشنطن للتحقيق معه حول تصريحاته الأخيرة"، دعا وزارة الخارجية إلى "استبدال هذا السفير" فوراً. وحذر ائتلاف المالكي من أن "قوة العملية السياسية وحمايتها (في العراق) تعتمد على عملية ضبط الاختراقات من قبل القوى المضادة التي تتبنى أجندات إضعاف الدولة وتمييع مواقفها".

مصالح العراق

لم يكن رد الفعل الشعبي على تصريحات سفير العراق لدى واشنطن متناسباً مع حجم الضجة السياسية، بل ربما حظي بتأييد غير مباشر من قبل مدونين في وسائل التواصل الاجتماعي.

وكتب صالح الحمداني، وهو مدون عراقي معروف، في صفحته على فيسبوك قائلاً إن العراق عليه أن يساير مصالحه، في إشارة إلى إمكان التطبيع مع إسرائيل، ولمح إلى أن الموقف الرسمي العراقي بمقاطعة إسرائيل يستجيب مصالح إيران وليس مصالح العراق.

ويرى مراقبون أن النفوذ الإيراني الكبير في العراق، ربما يكون سبباً رئيساً في تغذية المشاعر المحلية السلبية إزاء إسرائيل.

التطابق مع الموقف الإيراني

وترفع الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة العراقية شعار "مقاومة العدو الصهيوني" في تطابق صريح مع الموقف الإيراني، بينما يستبعد المراقبون أن تتخذ الحكومة العراقية أي خطوات للتطبيع مع إسرائيل خشية إغضاب طهران.

وخلال الأشهر الماضية، أذيعت أنباء، عن زيارات قامت بها شخصيات سياسية عراقية إلى إسرائيل، بينما انقسمت الأوساط الشعبية بين مؤيد ورافض. ويعارض جمهور الأحزاب الدينية التي تنشط في الفضاء الشيعي العراقي، أي تقارب مع إسرائيل، لكن معظم السكان الكرد في إقليم كردستان شمال البلاد، المتهم بالتواصل مع تل أبيب، لا يعتقدون بصواب هذا الموقف.

المزيد من العالم العربي