Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باحث يجمع المرويات الشعبية في قرى سعودية

أدب ثري يختلط فيه الخاص بالعام والحقيقي بالخيالي والواقعي بالأسطوري

قرية رجال ألمع التاريخية جنوب السعودية (واس)

تشكّل المرويات الشعبية حلقة مهمة في سلسلة التطور الفكري لمختلف الشعوب، ذلك أنها تعكس أنماط تفكير الشعب في مرحلة معينة من تاريخه، وتبيّن كيفية مواجهته تحديات الطبيعة وأسئلة الحياة والموت والوجود. وهي مرويات تختلف من شعب إلى آخر، باختلاف التحديات والأسئلة المطروحة، لكنها تتشابه أيضاً بحكم تشابه تجارب الشعوب وتعالقها فيما بينها، عبر أقنية التعالق المختلفة. وهي تتنوّع بتمظهراتها وتختلف بين الحكايات والخرافات والأساطير والخوارق وغيرها ممّا يندرج تحت عنوان المرويات الشعبية. ففي المراحل المبكرة من أعمار الشعوب، وفي مواجهة ظواهر الطبيعة الخارقة، تجترح الشعوب مروياتها تفسّر بها الخارق والغامض، وتخلص إلى "حقائق" معيّنة تطمئن لها ولو إلى حين. وبذلك، تكون المرويات الشعبية طريقة في قراءة العالم والتصالح معه.

 من هذه الشرفة، نطل على كتاب "ذاكرة القرى – مقاربات في المرويات الشعبية" للباحث السعودي سعد الثقفي، الصادر عن "مؤسسة الانتشار العربي" في الشارقة و"النادي الأدبي" في الطائف. فما هي المرويات التي يقاربها الباحث في كتابه؟ وكيف يفعل ذلك؟ هذان السؤالان هما ما نتوخى الإجابة عنهما في هذه العجالة.

مرويات اقليمية

في الشكل، يضم الكتاب مقدمة، وأربعاً وثلاثين مروية شعبية مختلفة، في النوع والكم، جمعها الباحث، خلال ثلاثة عقود، من المنطقة التي تحل فيها قبيلة ثقيف التي ينتمي إليها، والواقعة جنوب الطائف، وهي منطقة كانت تعتمد الحياة الرعوية الزراعية نمطاً للعيش وهو ما تعكسه المرويات المجموعة، مما يعني إننا إزاء مرويات إقليمية تشترك فيها الأقاليم المتجاورة، مع الأخذ بالاعتبار إمكانات اختلافها بين اقليم وآخر. وهذه المرويات يختلط فيها الخاص بالعام، والحقيقي بالخيالي، والواقعي بالأسطوري، والطبيعي بالخارق.

 

في المضمون، يمهد الثقفي لمروياته بمقدمة ضافية، يعرّف فيها بالمصطلحات المختلفة المندرجة تحت عنوان المرويات الشعبية، بدءاً من الأسطورة، مروراً بالخرافة والخارقة، وصولاً إلى الحكاية وسواها. وهو يفعل ذلك مستنداً إلى تعريفات غربية وعربية تضيء معنى المصطلح ونشأته ومفهومه ووظيفته ومقوماته. ويقارن في ضوء ذلك بين المصطلحات المختلفة؛ فـ"الأسطورة حكاية مقدسة يلعب أدوارها الآلهة ونصف الآلهة" (ص 20)، والخرافة هي "الحديث المستملح من الكذب" (ص 21)، والخارقة "لها معنى فلسفي" (ص 26)، والحكاية الشعبية تجمع بين البعدين المعرفي والتعليمي (ص 25)، على سبيل المثال لا الحصر. على أن الحدود بين المصطلحات المختلفة ليست واضحة، فهي تشترك في صدورها عن العقل، واعتمادها على الخيال، وجنوحها للمبالغة والكذب، ومحاولتها تفسير العوالم الخفية وجلاء الحقائق الغامضة. وفي هذا السياق، يفسّر الباحث اللجوء إلى المرويات الشعبية بالتحديات التي يطرحها الرحيل عن المكان في الحياة البدوية، وما يثيره من ذكريات يصوغها الراحلون رسماً أو نقشاً أو شعراً أو حكاية، في محاولة منهم لاستعادة الفردوس المفقود. ويفسره بالتحدي الذي يطرحه الموت على الإنسان، فيعمد إلى اختراع حكايات الخلود، في محاولة منه للتخفيف من هول المصير الحتمي. ويدعم تفسيره الأخير بطقوس تمارسها الجماعات المختلفة في مواجهة تحدي الموت، من الهند والمكسيك ومدغشقر ونيوأورليانز وغيرها، ما يعني تشابه التحديات التي تواجهها الشعوب المختلفة، على اختلاف سبل المواجهة بين شعب وآخر.

وإذا كانت المرويات الشعبية قد تتشابه بين الشعوب المختلفة، فمن باب أولى أن تتشابه ضمن الشعب الواحد، على تعدّد مكوناته ومناطقة. وهو ما يشير إليه الثقفي في مقدمته، ويعزوه إلى تبادل المرويات التي تقتضيه الحياة الرعوية الزراعية في مجتمع مغلق على ذاته، والتلاقح الثقافي بين القبائل المختلفة، واختلاط القبائل في ما بينها، واسقدام الفقهاء من المناطق الأخرى. وبهذا المعنى، لا تعود المرويات المجموعة وقفاً على قبيلة ثقيف وحدها بل تتعداها إلى القبائل المجاورة لها والبعيدة عنها وترتقي المرويات من الإطار القَبَلي إلى الإطار الوطني وربما القومي، مما يجعل عملية جمعها نوعاً من التوثيق التاريخي الوطني باعتبارها أحد مصادر التاريخ الحية.

مضامين ودلالات

 إن جمع المرويات الشعبية مسألة وطنية، تحتاج إلى عمل مؤسساتي متكامل، تنوء به قدرة الفرد المحدودة. وهو ما يعترف به الباحث بإشارته إلى أنه لم يجمع كل شيء، ويعلّله بأن "أخبار القرى أكبر من أن يجمعها جامع، ولا سبيل إلى التطواف بين القرى لجمع ما تختزنه ذاكرة المتقدمين في السن، الذين تناقصوا بسبب الموت، والخرف، وبانتقال كثير منهم إلى المدن..." (ص 36)، على حد تعبيره. ويعترف بأنه لم يكن أول المبادرين إلى ذلك، رغم أن فكرة الكتابة عن قريته "العِسلة" وما جاورها من القرى روادته منذ ثمانينيات القرن الماضي، فثمة محاولات سبقته إلى جمع المرويات أو زامنته في ذلك، يخصها بالدرس، وتعود إلى عبده خال، وعاتق بن غيث البلادي، وعلي مغاوي، ومحمد بن زياد الزهراني، وعبد الكريم الجهيمان وغيرهم. وإذا كان لكل من هؤلاء منهجه في هذه العملية، فإن منهج الثقفي يقوم على الجمع والتصنيف والتمثيل والتفسير، وهو ما يبدو واضحاً في المرويات المجموعة.

 

تتنوّع المرويات المجموعة في الكتاب وتختلف في الشكل والمضمون، وتتخذ من الأمكنة والناس والحيوانات والأسماء مادة لها، وتعكس جوانب مختلفة من معتقدات أصحابها وسلوكياتهم. ففي "أسطورة الموت"، يتلمس الكاتب تمظهرات الموت في النصين الأسطوري (جلجامش، إيزيس وأوزيريس، تموز) والديني (المسيحية والإسلام)، مما يجعل المروية أقرب إلى النبذة التاريخية منها إلى المروية الشعبية. وفي "حكايات الجن الخوط"، تعكس المروية الإيمان بالكرامات والأولياء الصالحين، وتفرّق بين الخوارق الخيّرة التي تصدر عنهم، وتلك الشريرة الصادرة عن الشياطين. وفي "مسعود"، تتناول الأحلام التي تتحوّل إلى حقائق، وتشكّل أحد مصادر المرويات الشعبية. وفي "قربان"، تعالج المروية عادة تقديم القرابين للجن استسقاءً للماء بأسلوب قصصي مما يجعلها أقرب إلى الحكاية الشعبية. وفي "انتقام"، تحكي المروية انتقام الجن من البشر بتقمّصهم صوراً مختلفة مما يدفعهم للجوء إلى التعاويذ الدينية او السحرة والمشعوذين للدفاع عن أنفسهم. والباحث، هنا، لا يكتفي وقائع الظاهرة بل يخضعها لمبضع العقل ويقوم بتفكيكها مما يجعل دوره يتخطى الجمع والتصنيف والتمثيل والتفسير إلى البحث والتفكيك في بعض الأحيان. وفي "المخطوف"، تفكك المروية النصب الذي يمارسه بعض المتديّنين باسم الدين، فيقوم "الفقيه" بخطف ولد صغير للحصول على مكاسب مادية، وينسب الخطف إلى الجن، وهنا أيضاً يقوم الكاتب بتفكيك القصة ودرس مستوياتها، ويكشف تحكّم النصابين بعقول العامة، بأدوات مختلفة. وفي "البومة والخفاش والغراب"، تميط المروية اللثام عن تطيّر العامة من بعض الطيور، وتبيّن ما ترمز إليه في الميثولوجيا الشعبية، على سبيل المثال لا الحصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على أن الكاتب يورد في كتابه مرويات لا تنتمي للمنطقة المجموعة منها؛ فيفتتح مروياته بأسطورة يونانية قديمة بعنوان "الثور يحمل الأرض" مستنداً إلى استخدامها على لسان أبيه في إحدى حكاياته أو ورودها في بعض الشعر الشعبي، وهو ما لا يبرّر إضافتها إلى المرويات المجموعة وتصديرها بها، فانتقال المرويات بين الشعوب يفترض أن لا يلغي هويتها الأصلية.

من جهة ثانية، يختلف عمل الثقفي في كتابه عن سواه في أنه يقوم بصياغة المرويات على طريقته، بمعزل عن الشكل الذي تتخذه الصياغة، فهو ليس مجرّد جامع محايد يروي المروية كما اتصلت به، بل يتعدى ذلك إلى الرواية الذاتية لها، فتنتسب إليه بقدر انتسابها إلى الآخرين. وهو، بعمله هذا، يتجاوز الجمع التقليدي للمرويات إلى إعادة تأليفها، ويضفي ذاتيته على الموضوع. وعليه، نحن أمام جهد تجميعي، توثيقي، يجمع بين الموضوعية والذاتية، ويحفظ جزءاً مهماًّ من التراث الشفاهي السعودي من الضياع، ويستحق التقدير.  

المزيد من ثقافة