Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قراءة ثقافية في قضية امتلاك حق الإجهاض وإمكان إبطاله

الحفاظ على أخلاقيات الإنجاب الراقي والحرية الذاتية وضرورات بقاء النوع الإنساني

مشكلة الإجهاض تؤرق المرأة والبشرية (سوشيل ميديا)

استثار قرار الإدارة الأميركية في شأن إبطال الحق في الإجهاض ضروباً متناقضة شتى من الاستنكار والتأييد. استنكر القرار المدافعون عن حرية المرأة في التصرف بجسدها، وأيده القائلون بقدسية الحياة الإنسانية منذ لحيظات التبرعم الأصلية في الرحم. غير أن النقاش المحتدم ما برح يقترن بتصورات فلسفية ولاهوتية تتجاوز المستوى التشريعي القانوني المحض، إذ إن المجتمعات الإنسانية تستفظع الإجهاض أو ترضى به وفقاً لمعتقداتها الدينية وثوابتها الأيديولوجية وتصوراتها الفكرية.

متى تنشأ الحياة الواعية في رحم المرأة الحامل؟

لا ريب في أن المسألة الأخلاقية الأساسية في الإجهاض تتعلق بمقام الحياة وبهوية الجنين الإنساني المعنوية، ذلك بأن الأبحاث الفلسفية واللاهوتية ما برحت تتناول الوقائع البيولوجية التي تسبق الولادة، أي مراحل تطور البذرة الإخصابية منذ النطفة الأولى حتى خروج الوليد من الرحم. فهل يكون التراب والنطفة والعلقة والمضغة مستودع الشخص الإنساني في تكونه الأول؟ إذا ثبت أن الوقائع البيولوجية هذه تكتسب مقام الحياة الأخلاقية، من غير أن نستطيع مع ذلك أن نعين مرتبة الوعي الذي ينشط فيها، فلا بد من الاستفسار عن عواقب الإجهاض الأخلاقية، إذ إن الإنسان لا يجوز له أن يقتل الحياة إلا في الحالات الضرورية القاهرة، كالسعي إلى إنقاذ الأم التي تنذرها بالموت أوضاع الحمل السقيم المعتل، أو التحقق من التشوهات الجسدية الجسيمة التي تعوق نشوء الكيان الجسدي والذهني السليم، أو الإجماع الأخلاقي على صون السوية النفسية في حال المرأة المغتصبة المعنفة المذلولة أو في حال سفاح القربى المقيت.

الجنين بين البذرة البيولوجية الأولى والكينونة الإنسانية المكتملة

يؤكد أغلب العلماء والأطباء أن تكون الجنين البيولوجي يبدأ فعلياً في اليوم الرابع عشر من الحمل، إذ يتصلب القرص الجنيني، ويظهر في خفر عظيم الموضع التقريبي المفترض الذي سيحتضن تبرعم الجنين في هيئته الأولى، ولكن في هذه المرحلة، لا يمكن افتراض أي نوع من أنواع الوعي الذي يتيح للبذرة البيولوجية الناشئة أن تشعر بالألم أو بالمتعة. الصواب أن العلماء لا يتحققون من قدرة الجنين الشعورية إلا في الأسبوع الرابع والعشرين. ومع ذلك، فإن هذا الجنين الغامض البنية في اللحظات الأول سيصبح بعد تسعة أشهر كائناً إنسانياً.

ومن ثم، فإن العلماء والأطباء وفلاسفة الأخلاق واللاهوتيين يختلفون في تعريف الجنين تعريفاً قانونياً جامعاً، وفي تعيين الحقوق الفردية التي يكتسبها منذ تبرعمه البيولوجي الأول. ثمة أسئلة خطيرة تتنازع فيها الآراء: هل الجنين كائن إنساني كامل القوام والهوية والوعي والإدراك، هل ينعقد الكيان الإنسان منذ التدبير الزواجي الأول، أي منذ أن يعقد الوالدان العزم على الجماع الحميمي والإنجاب، أم حين تجري عملية الإخصاب، أم بعد اثني عشر أسبوعاً، متى تصبح الوقائع البيولوجية هيكلاً يليق بالمقام الإنساني، هل الجنين شخص معنوي قانوني كامل الأوصاف والحقوق والواجبات، ما معنى الشخص الإنساني في حال التكون الجنيني الأول، هل من الضروري والكافي أن ينعقد قوام الكائن الإنساني انعقاداً كاملاً حتى يحظى بالمقام المعنوي الأخلاقي وينعم بالحق المطلق في الحياة؟

من الواضح أن مثل الأسئلة الفلسفية الخطيرة هذه لا يمكن أن تجيب عنها إلا لجان الاختصاص الدقيق المؤلفة من نخبة علماء الطب والعقل (الفلاسفة) والنفس والروح (اللاهوتيين) والاجتماع  والأنثروبولوجيا والقانون. أما المسألة الأخطر، فتتعلق بتعريف الشخص الإنساني الذي يجمع الفلاسفة على تصوره كائناً يعي ذاته وعياً حراً، ويختبر فعل الإرادة الذاتية، ويستطيع أن يقرر بوعيه وإرادته، وينعم بقدرات التواصل والتخاطب والتحاور، ويختار أن يفصح عن مشاعره وانطباعاته وأن ينقل إلى الآخرين اختباراته الوجدانية، وفي طليعتها إحساسه العميق الذي يجعله يعاني حرمانه الحرية الكاملة في وجوده التاريخي. غير أن مشكلة هذا التعريف تنشأ من أنه يقصي الرضع والأطفال، وأيضاً الأشخاص المصابين بالغيبوبة المؤقتة أو الدائمة، وجميع الذين إصابتهم إعاقة ذهنية جسيمة. فهل يجوز لنا أن نحرم هؤلاء كلهم من مقام الشخص الإنساني؟ اجتناباً للتطرف في تعيين معايير الانتساب إلى الكائن الإنساني، أخذ بعض العلماء يتخففون من التطلب الموضوعي، فيكتفون ببعض المعايير البسيطة، ومنها على سبيل المثال إحساس الوعي الأولي، والشعور باللذة أو بالألم، واختبار بعض الميول البدائية، بيد أن اعتماد هذه المعايير قد يشمل كل الكائنات التي تختبر أبسط مراتب الوعي والإحساس، ويجعلها في مقام الشخص من غير تمييز أو تصنيف.

الاختلاف الفلسفي في تسويغ الإجهاض

من اللافت أن يتذكر المرء أن الفلاسفة الإغريق، وفي مقدمهم أفلاطون وأرسطو، كانوا يبيحون الإجهاض لأسباب تتعلق بالتشوهات الجسدية الممكنة، أو ترتبط بضرورة الحد من تناسل الطبقات السفلى في المدينة الإنسانية. قد يستغرب الناس أن أرسطو عينه كان شديد الحذر من عواقب الاستكثار من الإنجاب، فأباح الإجهاض في حالات الأسر التي تتناسل تناسلاً يربك الانتظام الاجتماعي وقوانين الميراث، ويفاقم الفقر ويفسد العدل، وينشر العنف ويهدد السلم الأهلي. على وجه العموم، ارتبط الإجهاض في الأزمنة الإغريقية بضرورات الانتظام الاجتماعي السليم، وخضع لمشيئة الأب الذي كان له دون سواه الحق في الاعتراف بالابن الوليد، وإسلاكه في سياق الانتماء الاجتماعي الشرعي في قرائن المدينة الإغريقية (polis). أما الحقيقة المستغربة، فيعاينها المرء حين يدرك أن الثقافة الإغريقية كانت لا تفصل البتة بين كيان المرأة الحامل وكيان الجنين، بحيث يفضي الخلط بينهما إلى حرمان الجنين من أي مقام معنوي مستقل. وحده الوالد كان صاحب القرار في منح الوليد الشخصية الاجتماعية الضرورية. غير أن الأم يحق لها أن تتصرف بجسدها وبما يحتويه من قابليات كيانية جديدة، وفقاً لمنطوق القانون الروماني الذي كان يرسم أن الطفل غير المولود جزء من جسد الأم (Infans pars viscerum matris). وعليه، فإن القانون الروماني الذي انبثقت منه القوانين الأوروبية لا يمنح الطفل كياناً قانونياً ولا مقاماً حقوقياً مستقلاً، لكي لا يحرم الأم من حق التصرف بجسدها الخاص.

الإجهاض في بعض التشريعات الغربية

لا بد من التذكير المقتضب بأن مسألة الإجهاض لا ترد على وجه صريح في شرعة الحقوق الأساسية التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي. ثمة عشرون دولة أوروبية تعترف بحق الإجهاض، في حين أن سبعاً منها تقيده بشروط ملزمة تسوغ اللجوء إليه، من مثل الاغتصاب والتشوه الجسدي الخطير. من جراء مخاطر عمليات الإجهاض غير الشرعية، أخذت بعض الدول الأوروبية المتشددة كبولونيا وإيرلندا وليتوانيا تتساهل في المسألة، في حين ما برحت دولة كهنغاريا تعاند التيار السائد وتحظر الإجهاض على الإطلاق، إذ تؤكد أن البذرة الإخصابية الأولى تحمل الحياة كلها منذ البداية.

أما في الولايات المتحدة الأميركية، فإن التيار المحافظ استطاع أن ينتزع التصويت الذي يلغي الحق في الإجهاض ويبطل كل التسويغات الطبية والأخلاقية. قبل ذلك الحين، كانت بعض الولايات تتشدد وتمنع وتعاقب. في ولاية الميسيسيبي يمنع الإجهاض منذ التحقق من دقات قلب الجنين في الأسبوع السادس من الحمل. في عام 2019، أصدر مجلس شيوخ ولاية ألاباما قانوناً متشدداً يحظر الإجهاض حتى في حالات الاغتصاب، مستثنياً وضعية الخطر الأقصى حين يفضي الحمل إلى وفاة المرأة الحامل.

الإجهاض بين الليبراليين والمحافظين

تبقى المشكلة في نص القانون الذي يوجب احترام الحياة الإنسانية منذ بدايتها، بيد أن مفهوم البداية ما برح غامضاً، إذ إن أغلب التشريعات تبيح الإجهاض قبل الأسبوع الثاني عشر. إذا أردنا أن نوجز الاختلاف القانوني في تسويغ الإجهاض، يمكننا أن نورد الأسباب التي يستند إليها الليبراليون المستحسنون المؤيدون المبيحون، والأسباب التي يعتمدها المحافظون الزاجرون الوازعون المانعون. يقوم المنطق الليبرالي على القول إن الجنين، قبل انقضاء أربعة وعشرين أسبوعاً، ليس شخصاً كامل الأوصاف متمتعاً بالوعي الذاتي الذي يمنحه الحقوق الشخصية المطلقة. ومن ثم، يجوز للمرأة، في أحوال خطيرة قصية، أن تجهض جنينها قبل المهلة البيولوجية القانونية هذه.

أما تسويغ الحظر، فيستند إلى تصور الجنين في مقام الشخص الإنساني الذي يمتلك، منذ هنيهات الإخصاب الأول، الحق الأصلي المطلق في الحياة. وعليه، لا يجوز إجهاض الجنين حتى ولو عارض ذلك حق الأم في التصرف الحر بجسدها، إذ إن مثل هذا الحق يخضع لحق الجنين في الحياة. يكفي أن نتذكر أن تبرعم الجنين مسار تدرجي تطوري مذهل، لا يستطيع المرء أن يترصد كل أحواله، إذ تنعقد في دماغ الجنين، حين يأخذ في التكون، ثلاثة آلاف خلية عصبية في الثانية الواحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أن رد الليبراليين جاء مستنداً إلى أن استخدام جسد الإنسان بالإكراه أمر يناقض شرعة حقوق الإنسان، ويخالف مبادئ الأخلاق الكونية. مثالهم على ذلك شهير: لا يجوز لفرقة موسيقية أن تختطف إنساناً وتستخدم دمه يومياً من أجل إنقاذ الفنان العبقري الذي يحتاج إلى الجرعة اليومية هذه حتى ينجز تحفته الفنية في غضون بضعة أشهر. يسوق الليبراليون مثل هذه الحجة ليشيروا إلى استحالة استخدام جسد المرأة من أجل احتضان الجنين الذي لا ترغب أصلاً في نشوئه وتكونه وميلاده، شأنها في ذلك شأن الإنسان المخطوف الذي فرض عليه أن يهب دمه إنقاذاً للموسيقي العبقري. ليس قتل الجنين وحده عملاً منافياً الأخلاق، بل قهر المرأة واستعباد مشيئتها واستغلال جسدها.

ولكن كيف يحل الجنين في أحشاء المرأة من غير رضاها؟ كثيرة الأوضاع الإنسانية المأساوية التي تجد المرأة نفسها مكرهة على استقبال الزرع الاغتصابي المقيت. ثمة حالات أخرى يصبح فيها الحمل خطراً داهماً على حياة الحامل، أو يتحول الجنين إلى مسخ بلغ التشوه عليه حدوداً لا يطيقها العقل المتزن، بحيث لا يليق أن يأتي إلى الحياة ليعاني الذل والهوان والانكسار والضيم والقهر والإقصاء والانحلال اليومي المستفظع. لا شك في أن الوجود البيولوجي المشوه هذا يمكن أن يجتنبه المجتمع إذا ما سوغ للمرأة، في حدود المعاينة الطبية الموضوعية النزيهة، أن ترأف بالمسخ المضطرب في رحمها، وترأف بحياته الشخصية وحياة أسرتها وبيئتها ومجتمعها.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الربط بين الإجهاض والقتل الإنساني المتعمد لم يظهر إلا في سياق نشوء العقيدة المسيحية. منذ القرن الرابع، منعت الكنيسة الإجهاض وقتل الأطفال، وسندها في ذلك أن الجنين خليقة الله، وأنه بالقوة، لا بالفعل، كائن إنساني كامل الأوصاف. أما المعيار الزمني الذي وضعه أرسطو، والذي يجعل التكون البيولوجي يحظى بمقام الجنين في اليوم الأربعين من الحمل، فاستنسبه توما الأكويني، واعتمدته الكنيسة الكاثوليكية في مجمعها اللاهوتي المنعقد بفيينا عام 1311، ولكنها ما لبثت في القرن العشرين أن تراجعت عن هذا الموقف، فأخذت تدين الإجهاض في جميع مراحل الحمل وفي جميع أشكاله.

الإرشاد الاستباقي أفضل من المنع القمعي

أذاعت منظمة العفو الدولية على موقعها الإلكتروني نتائج الإحصائيات التي أعدها معهد غوتماخر (Guttmacher) الأميركي من أجل ترصد حالات الإجهاض. في الدول التي تشرع الإجهاض تبلغ النسبة 37 في الألف، في حين تبلغ نسبة العمليات غير الشرعية في الدول التي تحظر الإجهاض 34 في الألف. يدل التقارب بين النسب إلى أن الإجهاض، سواء أباحته المجتمعات أو حظرته، تمارسه النساء لضرورات شتى. عوضاً عن الحظر والقمع، يليق بالدول والمجتمعات أن تعمد إلى إنشاء مكاتب الاستشارة القانونية الطبية المجانية، على نحو ما اقترحه مجلس الأساقفة الكاثوليك في ألمانيا، حتى تستطيع النساء أن يشرحن أوضاعهن، ويفصحن عن أزمتهن، ويطلعن على مختلف التشريعات والأحكام والتدابير والإمكانات والآثار البيولوجية والنفسية الاجتماعية. قبل أن يقررن، ينبغي لهن أن يعلمن كيف يفكرن تفكيراً منطقياً سليماً متزناً.

ما الأصلح والأنسب والأرقى، أن نمنع إجهاض التبرعم البذري البدائي، أم أن نمنع إجهاض الحياة الإنسانية المقهورة الممتدة على عقود من الإذلال يختبرها الكائن الإنساني الذي أتى إما من اغتصاب، وإما من تشوه، وإما من انحراف أخلاقي، وإما من تخلف فكري حضاري؟ العلاج الوحيد ليس المنع، بل الإرشاد والتمكين. ومن ثم، ينبغي استخدام وسائل منع الحمل العلمية، وتعزيز الاستشارات الطبية والنفسية والفلسفية والروحية، ذلك بأن مصير الإنسانية متعلق بمسألة الإنجاب العبثي العشوائي. فكما أن المجتمعات المعاصرة لا تحتاج إلى التكاثر الديموغرافي المتفلت من كل رقابة، كذلك لا يجوز لها أن تستخف بهبة الحياة وأن تجعل الإنجاب مجرد عملية بيولوجية فارغة المعنى. تصوروا وضع البشرية لو فرض على الرجال أن يستخدموا للإنجاب كل ما تقذفه أجسادهم من سائل منوي! والحال أن واحداً في المئة من هذا السائل يستثمر في الإنجاب الذي يجب أن يتسم بأرقى صفات الوعي والمسؤولية.

قبل الإجهاض، ينبغي النظر في منع الحمل بكل الوسائل، إذ إن الشرائع الدينية والاجتهادات القانونية لا يجوز لها أن تقيد حرية الإنسان. عوضاً عن حظر وسائل منع الحمل، ينبغي تعزيز الوعي الأخلاقي الذي يجعل الشبان والشابات يدركون جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم في تدبر حياتهم الجنسية الخاصة، ذلك بأن الجنس فعل بيولوجي- معنوي شخصي فردي حر، ولكنه ينطوي أيضاً على قرار بعث الحياة في الكائنات المحتملة ولادتها. وعليه، فإنه من اللائق بالإنسان أن يراعي في اختبار حريته الذاتية أمرين اثنين: مقتضيات الاستمتاع بجسديته، ومتطلبات صون الحياة المنبعثة من الجماع الجنسي. ابتكر المجتمع الإنساني طقوس الاقتران الزواجي حتى يستطيع الرجل والمرأة أن يرعيا انبثاق الحياة من صميم وصالهما الكياني الأشمل. قد تتبدل هيئات العقد الزواجي وتتطور أحكامه، إلا أنه، بمعزل عن صفته الدائمة أو المؤقتة، يظل بمنزلة الإطار الشرعي الأنسب الذي يحتضن تعابير الأمانة العشقية، ويرعى ثمارها الإنجابية بالحكمة والروية والفطنة، وبالرفق والصبر والشركة العيلية المنزهة الصادقة.

المزيد من ثقافة