Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل بات قضاة لبنان "تحت الحصار"؟

دعاوى الرد والمخاصمة أصبحت وسيلة لتعطيل سير العدالة واقتراحات بفرض تعويضات كبيرة لردع المتخاصمين ومنع استخدامها بصورة متعسفة

استخدم المشتبه فيهم في قضية انفجار مرفأ بيروت سلاح الدعاوى ضد القاضي طارق البيطار من أجل تعليق عمله (أ ف ب)

ممارسات جدلية عدة تفرض نفسها على القضاء اللبناني، مثل دعاوى الرد ومخاصمة الدولة التي باتت تؤثر في سير العدالة، على رغم أنها في الأساس وضعت لتحقيق تلك العدالة المنشودة، حيث أفردت التشريعات حيزاً مهماً للدفوع والآليات التي يمكن اللجوء إليها لحماية أطراف الدعوى، لكن خلال الفترة الأخيرة، انتقلت تلك الدعاوى لتصبح أداة لتعطيل التحقيق والملاحقات.

البداية كانت مع القاضي طارق البيطار المحقق العدلي في قضية انفجار المرفأ، إذ استخدم المشتبه فيهم سلاح الدعاوى ضد القاضي من أجل تعليق عمله، ونجح الأسلوب في منعه حتى الآن من إصدار القرار الظني في جريمة الرابع من أغسطس (آب) 2020 التي راح ضحيتها 230 شخصاً، وآلاف الجرحى والمصابين، وخلفت دماراً بجزء كبير من العاصمة بيروت.

وبحسب إحصاء نشرته المفكرة القانونية فإن المشتبه فيهم في قضية انفجار مرفأ بيروت تقدموا بـ21 دعوى مخاصمة ضد القاضي من أجل كف يده ومنعه من إكمال التحقيقات في الملف. وتوزعت الدعاوى على الشكل التالي: 11 دعوى من نائبي حركة أمل علي حسن خليل وغازي زعيتر، وستة دعاوى من قبل وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس، وثلاثة دعاوى من وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، ودعوى واحدة من رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب.

على الضفة الأخرى شكلت المدعية العامة لجبل لبنان غادة عون ظاهرة إعلامية، فمن ناحية نزلت القاضية المثيرة للجدل إلى الميدان مصحوبة بالمناصرين والكاميرات لإجراء المداهمات لشركات نقل الأموال ومكان إقامة، ومن جهة ثانية لم تتردد في التعبير عن آرائها عبر "تويتر" ووسائل الإعلام المحلية. ومن قضية مداهمة شركة مكتف، إلى مقر إقامة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وصولاً إلى نشرها قائمة مشكوك بصحتها تتضمن أسماء سياسيين هربوا أموالهم إلى الخارج على حساب صغار المودعين، جمعت القاضية عون صفة المدعية والمدعى عليها بعد أن قرر رئيس البرلمان نبيه بري وزوجته رندة عاصي الادعاء عليها بجرم اختلاق جرائم وإثارة النعرات وغيرها، وامتناعها عن الحضور أمام مدعي عام التمييز غسان عويدات بسبب الخصومة بين الطرفين، مما يجعل العدالة تختلط بالسياسة والخلافات الحزبية.

وأخيراً ومع بدء القاضية نازك الخطيب في ملاحقة ملف الفساد في النافعة، وإصدار قرار في توقيف المدير العام هدى سلوم، عاد السجال حول دور القضاء في لبنان، والمدى المسموح له لتحقيق العدالة، علماً بأن الدفاع عن سلوم لجأ أيضاً لاستخدام الأساليب نفسها التي باتت مألوفة لتعطيل التحقيقات من خلال طلب رد القضاة.

ملاحقة القضاة

خلال السنوات الثلاث الماضية، بدأ مجلس القضاء الأعلى بسلسلة من الملاحقات القضائية بحق قضاة حامت حولهم الشكوك في قضايا الفساد. وتؤكد أوساط المجلس أن 12 قاضياً باتوا خارج السلك القضائي بفعل ملاحقات تأديبية، وتستمر الملاحقة الجزائية لاثنين من هؤلاء القضاة.

ورداً على سؤال يتعلق بأن خروج القضاة جاء نتيجة لطرد أم أن الاستقالة كانت طواعية، يأتي الجواب أنه "لا يمكن الخوض في تفاصيل الملفات بسبب السرية"، لكن عدداً من القضاة استقال بعد بدء الملاحقة التأديبية في حقه، فيما تم صرف آخرين تأديبياً. وحول ما يثار عن ممارسة بعض القضاة المستقيلين للمحاماة قبل قبول استقالاتهم، فهناك تأكيدات بأن "القاضي لا يمكنه ممارسة عمل المحاماة مطلقاً، كما أن القاضي المنتهية ولايته لا يمكنه العمل في مهنة أخرى حال حصوله على رتبة قاضي في منصب الشرف، وعندها عليه تقديم التنازل عن منصبه في تلك الحالة".

دفوع أم تعسف

دخلت الدفوع الشكلية في لبنان مرحلة جديدة، وكما يبدو فإنها تحولت إلى سلاح يتم اللجوء إليه لكف يد القضاة في كثير من الدعاوى "عالية الحساسية". ويؤكد القاضي فيصل مكي رئيس جمعية قضاة لبنان أن "تلك الدعاوى تحولت إلى ما يشبه النمط المتكرر لعرقلة إجراء التحقيقات في أكثر من قضية، بدءاً من انفجار المرفأ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد مكي أن الأسلوب المعتمد يخالف روح وفلسفة تلك الدعاوى التي تهدف إلى الحفاظ على حق الدفاع في حال شعروا بالريبة من سلوك القاضي من أجل نقلها إلى مرجع آخر، وباتت تشكل وسيلة لتعليق التحقيقات وكسب الوقت، مشيراً إلى أن "من العلامات الفارقة في السياق الحالي التبليغات التي تبدأ مع القاضي، وعندها يضطر إلى رفع يده عن القضية ريثما يتم البت في الشكوى، فيما يتأخر تبليغ بقية الأفرقاء". ويضع مكي ما يجري في دائرة "التعسف في استعمال الحق في الدفاع".

يقترح القاضي مكي مداخل عدة لمعالجة الإشكالية الراهنة، من ناحية المسار التشريعي، إذ يفترض إقرار تعديل على القانون، فلا ترتفع يد القاضي عن النظر في القضية، إلى حين البت بطلب الرد أو تعيين مرجع قضائي جديد من أجل حسن سير العدالة.  

في المقابل يقترح إعمال الحل العملي القضائي، فعلى رغم عدم قدرة القاضي على إقرار غرامة مرتفعة إلا في الحدود التي وضعها القانون، وهي غرامات فقدت قيمتها بفعل الانهيار المالي والتضخم، يمكن من ناحية أخرى للقاضي فرض تعويض كبير عندما يرفع المتضرر شكوى ضد المتعسف. وحسب مكي فإن فرض تعويضات مرتفعة سيردع المتخاصمين ويمنع من استخدام دعاوى الرد بصورة متعسفة.

استقلالية القضاء مؤجلة

تتكرر المطالبة بإقرار استقلالية القضاء في لبنان، ودخل القانون مرحلة متقدمة وينتظر أن يتم إقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب بعد إبداء وزير العدل ملاحظاته. ويطالب القاضي فيصل مكي باسم نادي قضاة لبنان بإقرار قانون استقلالية القضاء ووضع تشريع يبعد أي تأثير للسياسة في عمل القضاء والقضاة.

ومن اللافت لنظر المتابع استمرار عرقلة التشكيلات القضائية العامة، وتلك الخاصة بالهيئة العامة لمحكمة التمييز، وفي حال الأولى استمرت العرقلة من خلال رد رئيس الجمهورية السابق ميشال عون التوقيع على التشكيلات القضائية التي أعدها مجلس القضاء الأعلى، في مقابل إصرار أعلى هيئة قضائية على موقفها. أما في الحالة الثانية فإن وزير المال يوسف خليل المحسوب على حركة أمل التي يترأسها رئيس البرلمان نبيه بري، يرفض توقيع مرسوم التعيينات الجزئية لإكمال نصاب الهيئة العامة لمحكمة التمييز (الهيئة القضائية العليا) بحجة عدم التوازن الطائفي وضرورة المناصفة التامة.

ينتقد مكي موقف وزير المال في عدم توقيع المرسوم الجزئي، علماً أن وزير المال السابق علي حسن خليل (أحد المشتبه فيهم بملف انفجار المرفأ) سبق له توقيع مرسوم يعتمد المعايير نفسها إبان شغله المنصب ذاته.

تزايد دعاوى التأديب

يؤكد القاضي فيصل مكي أن "القضاء ليس في أحسن أحواله في لبنان"، وهو مستمر بأداء عمله على مقدار الإمكانات المتاحة. ويضيف "منحة الخزانة التي بلغت 35 مليار ليرة لبنانية (مليون ليرة تساوي 661.05 دولار أميركي) التي قدمتها الحكومة، أمنت الحد الأدنى من إمكانية الاستمرار للقضاء وأداء الأعمال الضرورية، لكن الظروف العامة لقصور العدل ما زالت في غاية السوء".

من ناحيتها تؤكد أوساط مجلس القضاء الأعلى في لبنان أنه ليس من المقبول أن يستمر العمل القضائي في الانتداب، بينما المطلوب إقرار التشكيلات القضائية التي تحدد قاضياً أصيلاً لكل محكمة على مختلف الأراضي اللبنانية. وعلى سبيل المثال فإن الهيئة العامة لمحكمة التمييز الحالية تتألف من أربعة قضاة أصيلين وأربعة منتدبين، أي النصف، مما يخلق سجالاً قانونياً حول امتلاك المنتدبين الولاية القانونية لأداء أعمالهم. وتمتد الظروف الاستثنائية على مختلف مؤسسات ومراكز العدلية في لبنان التي ما زالت على قيد الحياة بفعل انتداب قضاة لسد الشغور في المراكز القضائية و"تقطيع الأمور بالممكن".

المزيد من تقارير