Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العدالة الاجتماعية" معركة كل صيف في مصر

التصنيف الطبقي يضرب المجتمع المصري والمقارنة بين مصايف الأغنياء والفقراء لا تنتهي

الاستهانة بمؤشرات الفساد سمة معضلة لمفهوم العدالة الاجتماعية شعبياً في مصر (أ ف ب)

أغلب الظن أن الفيلسوف والكاهن الإيطالي أنطونيو روزميني (1797-1855) أحد أوائل من اجتهدوا لوضع تعريف للعدالة الاجتماعية يتقلب في مرقده قلقاً مرتاباً متشككاً في ما يُسرد من تعريفات شعبية مصرية عن العدالة الاجتماعية.

وفي الأغلب زميله عالم اللاهوت والاقتصادي والأستاذ الجامعي الإيطالي لويجي تاباريللي (1793- 1862) الذي أضاف تعريفات لمقومات العدالة الاجتماعية في المجتمعات الحديثة هو الآخر يتمنى لو عاد إلى الحياة لحظات ليخبر المصريين بما لا طاقة لهم باستيعابه أو استقباله أو قبوله في شأن عدالة المصيف.

وينضم إليهما في قلقهما الفيلسوف الأميركي جون رولز (1921- 2002) الذي أمضى حياته باحثاً وداعياً إلى تمتع الجميع بحقوق أساسية متساوية ضمن نظام اقتصادي قائم على المساواة سماه نظام العدالة الاجتماعية.

لكن المصريين في هبّاتهم الجدلية ونزعاتهم النقاشية وصراعاتهم الكلامية قلبوا موازين العدالة رأساً على عقب، ومعايير المجتمع من ألفه إلى يائه. الناقمون على "شعب الساحل المختار" الذين يمتلكون وحدات سكنية في منتجعات الساحل الشمالي الشاطئية المليونية (من حيث الأسعار) الفاخرة ليسوا نتاج حرارة هذا الصيف القائظ أو طقس الأعوام الماضية الغارق في الرطوبة الخانقة.

قاعدة فكرية شعبية

الناقمون والناقمات يشكلون قاعدة فكرية عريضة في مسائل الاقتصاد والاجتماع في المجتمع المصري، وهي القاعدة الآخذة في التنامي والتوسع والتمدد على مدار عقد مضى.

فلاسفة ومنظرون ومبتكرو قاعدة العدالة الاجتماعية في العصر الحديث، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر المتقلبون القلقون في قبورهم من أمثال روزميني وتابارييللي ورولز وغيرهم، ومن قبلهم مفسرو الأديان السماوية وغير السماوية بقواعدها وقيمها الأخلاقية القائمة على العدالة الاجتماعية وإن كانت بتسميات مختلفة يقفون في حيرة أمام معركة "العدالة الاجتماعية" التنظيرية الشعبية في مصر، وهي المعركة التي تؤججها حرارة الصيف وتلهبها رطوبة يوليو (تموز) وأغسطس (آب).

في مثل هذا الوقت من كل عام، وبشكل متصاعد ومتفاقم منذ اندلاع أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، وهي الأحداث التي رفعت شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، يصدر عن أهل "الساحل الشمالي" حيث منتجعات التصييف الفارهة والفاخرة صور وفيديوهات وحكايات، بل وحوادث وكوارث تدفع القاعدة العريضة من المصريين إلى استدعاء حائط العدالة الاجتماعية للبكاء على أطلاله.

لكن الأطلال التي يجري البكاء عليها أطلال عجيبة غريبة، فالتصنيف الطبقي في مصر هو الحاضر الغائب في كل كبيرة وصغيرة، على الرغم من أن أرقام متوسطي الحال ونسب الأثرياء والأثرياء جداً تبقى سراً لا يعلمه إلا الله والأثرياء.

لكن شركة "هنلي آند بارتنرز" المتخصصة في استشارات الاستثمار أشارت في تقرير لها عن "أثرياء أفريقيا" إلى أن مصر تحوي ثاني أكبر عدد من أثرياء القارة السمراء بعد جنوب أفريقيا. وعكس ما يقوله منظرو منصات التواصل الاجتماعي ومحللوها عن أحوال مصر الاقتصادية وانقراض الأثرياء وشيوع الفقر، فإن نسبة الأثرياء في مصر ارتفعت بمعدل ثلاثة في المئة بين عامي 2014 و2019. وبحسب التعريف فإن الأثرياء هم من تتجاوز صافي ثروتهم مليون دولار أميركي.

أثرياء مصر

ويقسم التقرير أثرياء مصر إلى أربع فئات: الأولى قوامها نحو 17 ألف شخص يملك كل منهم ثروة تقدر بنحو مليون دولار أميركي، والثانية عددها 880 شخصاً وهم الـ"مالتي مليونير" ويملك كل منهم ما يزيد على 10 ملايين دولار، والثالثة تتكون من 57 شخصاً يمتلك كل منهم ما يزيد على 100 مليون دولار، أما الفئة الرابعة فهم سبعة مليارديرات يمتلك كل منهم أكثر من مليار دولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كان الطبيعي أن يمضي مليونيرات ومليارديرات مصر والقابعون أسفلهم بقليل في الهرم الطبقي المصري، ممن يمتلكون دخولاً تتيح لهم تقسيط ثمن شاليه أو فيلا شاطئية على خمس أو عشر أو 15 عاماً من دخولهم المرتفعة، صيفهم الحار في منتجعات مغلقة على أصحابها وما يصاحب ذلك من وسائل ترفيه وأدوات راحة وسلع يسميها الآخرون "استفزازية"، فإن غير الطبيعي هو أن يجري تحميلهم مسؤولية نقص أو خلل أو انعدام العدالة الاجتماعية.

الصورتان الملاصقتان المتناقضتان تتكرران كل عام مع اختلاف السيناريو وتراوح التوقيت بين أول أو منتصف أو نهاية أغسطس (آب)، هذا العام الصورتان لحفل أقيم في منطقة العلمين (غرب الإسكندرية) للفنان عمرو دياب وجميع الحضور من المجتمع المخملي بالملابس البيضاء في مقابل شاطئ سيدي بشر الشعبي العام في الإسكندرية وغالبية المصطافين في البحر يغلب على ملابسهم اللون الأسود حيث الغالبية المطلقة من النساء تستحم في البحر بكامل ملابسها، لا سيما العباءات السوداء. وتمضي منظومة الصور الصيفية تجول أرجاء منصات السوشيال ميديا وهي حمالة أوجه عدة.

وجه العدالة البارز

لكن وجه العدالة الاجتماعية هو الأبرز والأعلى صوتاً. وحتى سنوات قليلة مضت، كان العزف المنفرد على قيثارة العدالة يصب حمماً ثورية ونيراناً يسارية على رؤوس كل من يملك أو يشتبه في أنه يملك.

ولولا طفرة طرأت على سوقي العقارات والسيارات، وبات امتلاك شقة معقولة وسيارة شبه فاخرة في متناول كثيرين من أبناء الطبقة المتوسطة، وما تحتها بقليل، بفعل أنظمة التقسيط طويل المدى، لاعتبر المنظرون كل من يعيش في شقة تمليك ويذهب إلى عمله بسيارة شريكاً رئيساً في جريمة عدم اكتمال العدالة الاجتماعية.

عدالة الفساد الاجتماعية

شعبياً ومنذ أحداث عام 2011، تتأرجح تعريفات ومفاهيم العدالة الاجتماعية بين "بيع ممتلكات الحكومة (القطاع العام) وتوزيع ثمنه وأرباحه على الفقراء"، و"توسيع نطاق بطاقة التموين ليشمل لحوماً ودواجن وأسماك ونسكافيه وصابون فول أوتوماتيك وكل السلع التي يشتريها الأثرياء"، و"تأميم ممتلكات الأثرياء وتوزيعها على الفقراء".

بعضهم أيضاً يربط بين العدالة الاجتماعية وانتشار الفساد، لكن الغريب أن الشعور العام تجاه الفساد لا يرتكز على القلق من تبديد موارد الدولة أو الخوف على المال العام أو كراهية الرشوة، بقدر ما هو نقمة على التفاوت الكبير في الفساد، أي انعدام العدالة الاجتماعية في الفساد. ويلخصها بعضهم بقوله: "لو يتركوا الصغار ليأكلوا (يستفيدوا) مع الكبار لهان الأمر".

الاستهانة بمؤشرات الفساد سمة معضلة لمفهوم العدالة الاجتماعية شعبياً في مصر. فبحسب تقرير "منظمة الشفافية العالمية" السنوي، تحتل مصر المركز الـ 117 بين 180 دولة في مؤشر الفساد الذي يعتمد في قياسه على سلوكيات ترتبط بالرشوة واختلاس المال العام واستغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية والمحسوبية في مجال الخدمة المدنية. وحققت البلاد 33 نقطة من 100 نقطة ما يضعها في مرتبة تستدعي عملاً مضنياً وتحركات جادة لتقليص الفساد، العدو المزمن للعدالة الاجتماعية.

كون الفساد يناصب العدالة الاجتماعية العداء، أو كون نسبة ضئيلة من المصريين تحظى بمصيف فاخر في الساحل الشمالي، أو كون القاعدة العريضة من المصريين تصطاف على شواطئ مزدحمة أبعد ما تكون عن الرفاهية، أو تقبع في بيوتها مكتفية بتصفح ما يفعله الأثرياء على السوشيال ميديا، لا يعني أن من يملك بالضرورة سرق أو فسد أو نصب أو احتال أو تسلق سلم الثراء على حقوق الفقراء وأجسادهم.

الدق على أوتار الفقر

لكن الواقع يشير إلى مفهوم عام شعبي يناصب الأثرياء العداء، ولا يخلو من قدر من تمني زوال نعمتهم، واستقرارها في جيوب الفقراء. ويغذي هذا الواقع ترسانة من الأعمال الدرامية التي تشيطن الأثرياء، وتعظم أو تبجل أو تقدس الفقراء، وكتائب من المثقفين والكتاب والخبراء يجولون البرامج التلفزيونية وأعمدة الرأي ومواقع الأخبار، ليدقوا على أوتار الفقر المحتقنة، محملين الطبقات الأعلى (وهم منها) مسؤولية ضيق ذات يد الآخرين.

يقول أستاذ علم الاجتماعي السياسي سعيد صادق إن مفهوم العدالة الاجتماعية في مصر "تعرض لموجات متتالية من التشويه منذ ثورة يوليو (تموز) عام 1952، وسيطرة اليسار على الإعلام والتحريض على الطبقات ميسورة الحال بغض النظر عن مصدر أموالها وممتلكاتها. بات هناك افتراض تحول إلى فرض عين بأن أية ثروة هي غير شرعية ونتيجة فساد".

ويستطرد صادق قائلاً إن الدولة الاشتراكية الجديدة، التي تأسست في أعقاب ثورة يوليو (تموز) عام 1952 قامت على مصادرة أملاك الإقطاع. مشيراً إلى أن ذلك سيؤدي إلى إتاحة الفرصة لجيل جديد متعلم يحظى بالمساواة الاجتماعية، ولا يعاني فجوات ضخمة كتلك التي سادت قبل 1952.

ويضيف "في تلك السنوات، ظهرت مصايف للطبقة المتوسطة مثل المعمورة (الإسكندرية) وغيرها لأبناء نقابات مهنية وعمالية مختلفة في مدن شاطئية عدة، لكن انهار هذا المشروع مع هزيمة 1967. ومع الانفتاح الاقتصادي الساداتي (نسبة إلى الرئيس الراحل السادات) انتقلت طبقات عديدة من خانة الفقر إلى الثراء الشديد والسريع، فتولدت لديها الرغبة في استعراض ثرائها، في حين بدأت الطبقات التي صعدت في عهد سابق نزول السلم الطبقي المادي".

انفتاح وانهيار

ويقول صادق إن ما جرى من انهيار للطبقات المتعلمة التي اكتسبت تعليماً ومكانة اجتماعية رائعة بسبب سياسات جمال عبد الناصر، وصعود طبقات من فراغ في عصر الانفتاح في سبعينيات القرن الماضي يظهر جلياً في أفلام عدة، مثل "انتبهوا أيها السادة"، حيث الأستاذ الجامعي (حسين فهمي) يعجز عن توفير شقة لخطيبته، بينما جامع القمامة يملك عمارة سكنية ويتزوج خطيبة الأستاذ.


لكن الطبقات التي تملك أخذت في التغير والتطور مع تعدد مصادر وأسباب الثراء عبر العصور والأزمنة والأنظمة السياسية المختلفة، لكن بقي الإعلام يناصب الأثرياء نوعاً من العداء، ربما استرضاء لقاعدة المشاهدين وأغلبها من البسطاء، والمفارقة الغريبة هي أن طبقة الأثرياء في العقود الأربعة الأخيرة تحوي عدداً لا بأس به من الإعلاميين، الذين كونوا ثروات من الدق على أوتار الفقر والفقراء والعدالة الاجتماعية التي يبتلعها الأثرياء بشكل أو بآخر.

نغمة معاداة الأثرياء

ويرى صادق أن نغمة معاداة الأثرياء ومغازلة الفقراء واعتبار الأغنياء مسؤولاً رئيساً عن اعتلال العدالة الاجتماعية، انتقلت من الإعلام التقليدي إلى منصات التواصل الاجتماعي. يقول: "انتقلت الأفكار نفسها حول انعدام المساواة الطبقية، واتهام الطبقات الجديدة بعدم الإحساس بمعاناة الطبقات الفقيرة إلى وسائل التواصل، بخاصة في فصل الصيف، إذ يتفاقم شعور شريحة الفقراء التي انضمت إليها الطبقة المتوسطة بالحرمان من المصيف باستثناء علب السردين (كناية عن الازدحام الشديد) على شواطئ الإسكندرية الشعبية".

لكن ما شواطئ الإسكندرية الشعبية إلا وجه واحد لما تشعر به قاعدة عريضة من المصريين من افتقاد للعدالة الاجتماعية. وحتى لو اعتقد كثيرون أن العدالة الاجتماعية تتحقق بتقسيم أرباح المصنع الذي يمتلكه رجل الأعمال أو عائد الوديعة التي يحتفظ بها في البنك أو الدخل الشهري الذي يحققه من خلال وظيفة مرموقة مناصفة مع الفقير، فإن شعور بعض من المواطنين بأن اهتمام الحكومة منصب على الأغنياء له ما يبرره. فعلى الرغم من مبادرات كبرى حققت طفرة للملايين من مستحقي الدعم وسكان العشوائيات وغيرهم مثل "حياة كريمة" و"تكافل وكرامة" والقضاء على العشوائيات وغيرها، إلا أن المصيف دائماً ما يقلب مواجع العدالة.

يقول سعيد صادق إن مشروعات مثل أبراج العلمين والعاصمة الإدارية والـ"مونوريل" وغيرها، تجعل المواطن العادي يشعر أن جل الاهتمام والموارد موجهة إلى فئات تسكن أعلى الهرم الطبقي، وليس قاعدته أو حتى منتصفه.

يقول: "المصيف في مصر انعكاس لحدة الفجوة والصراع الطبقي، ولن يتم حلها إلا بتحسين حقيقي لمستويات الدخل والاهتمام الحقيقي بأماكن الترفيه والمصيف بأسعار في متناول الغالبية. واستمرار عدم توافرها يؤدي إلى زيادة الاحتقان الطبقي والإحساس بانعدام العدالة الاجتماعية مع اقتصار المصيف على طبقة محدودة في بلد يحظى ببحرين، أحدهما أبيض والآخر أحمر في حين الغالبية صيفها حالك السواد".

أحلك لحظات العدالة

أحلك اللحظات التي عاشتها مصر في تاريخها الحديث تعلق بالعدالة الاجتماعية، أو بالأحرى افتقادها. القلاقل السياسية والاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية في تاريخ مصر المعاصر يجمع بينها مكون جوهري هو المطالبة بتطبيق العدالة الاجتماعية.

معركة العدالة الاجتماعية في مصر لا تقتصر على الصيف ومبارزات الساحل في مقابل الشواطئ الشعبية، لكنها تشمل مناحي عدة بينها تعريف المقصود بالعدالة الاجتماعية ونقض المفهوم الشعبي السائد بأنها إجبار الغني على اقتسام ما يملك مع الفقير، أو حرمان الغني من أسلوب حياة قد يجرح مشاعر الفقير، أو منع الغني من الانتقال للعيش في قوقعة تبدأ بـ"كومباوند" مغلق وتمر بمدرسة دولية وجامعة أجنبية، وتنتهي بمنتجع ساحلي مغلق على ملاكه أو السماح له بذلك شرط مشاطرة الفقير له القوقعة ذاتها.

فرص الارتقاء

التعريف الأدق للعدالة الاجتماعية شرحه أستاذ الإحصاء ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق ماجد عثمان في ورقة عمل. يقول "تتحقق العدالة الاجتماعية عندما يتوفر لكل فرد في المجتمع الفرصة نفسها للارتقاء إلى شريحة اقتصادية أو اجتماعية أعلى على أساس الجدارة، وعندما لا يتعرض أي فرد للتمييز على أساس الثروة أو النوع أو الدين أو العرق أو الطبقة أو السن أو المهنة أو لون البشرة. وتصل العدالة الاجتماعية إلى ذروتها عندما يكون الحراك الاجتماعي قائماً كلياً على أساس الجدارة".

وتجدر الإشارة إلى أن "العدالة الاجتماعية" تحولت إلى حلبة صراع بين المؤيدين للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من جهة وبين معارضيه، وبين أعضاء ومتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين وآخرين ينتمون إلى تيارات اشتراكية وثورية.

المؤيدون يؤكدون أن سنوات حكم السيسي الثماني الماضية هي عبارة عن المادة الخام للعدالة الاجتماعية، مستشهدين بمبادرات "حياة كريمة" والقضاء على العشوائيات وغيرهما. أما المعارضون فيدقون على أوتار تتراوح بين تأجيج مشاعر الفقراء على سبيل التهييج، أو انتقاد المنهج المتبع في تحقيق العدالة الاجتماعية والتهاون مع الفساد المؤجج لعدم الرضا والشعور بمزيد من الظلم وانعدام العدالة.


السياسي والطبيب حسام بدراوي يرى أن هناك فلسفتين مختلفتين في التعامل مع العدالة الاجتماعية. "الفلسفة الأولى تتعامل مع العدالة الاجتماعية كنتيجة يتعين الوصول إليها من دون النظر إلى عدالة الوسائل مثلما فعلت الشيوعية، وكما يدعو بعض السياسيين حالياً. والفلسفة الثانية تتعامل مع العدالة الاجتماعية على أنها عدالة تكافؤ الفرص ومكافأة المجهود مع إتاحة الخدمات والحقوق الرئيسة للجميع، مثل التعليم والرعاية الصحية والمواصلات العامة والصرف الصحي والمياه النظيفة".

ويشير بدراوي إلى أن السياسات الاقتصادية التي تعضد الاستثمار في القوى البشرية، وتكافؤ الفرص "تسهم في دعم النمو الاقتصادي والتشغيل وتحقيق العدالة الاجتماعية أكثر من مجرد الأخذ من ميسور الحال لإعطاء متواضع الحال".

ويرى بدراوي أن مسؤولية تحقيق العدالة الاجتماعية بهذا المفهوم تقع على الدولة كمنظم وضامن للحقوق، وعلى المواطن القادر أن يُسهم عبر خلق فرص عمل جديدة، وأن يعمل بجهد وإتقان.

الطريف أن المصريين الذين دأبوا على سؤال رجال الدين عن كل كبيرة وصغيرة إن كانت حلالاً أم حراماً لا يسألون عن موقف الدين من العدالة الاجتماعية، ويعتبرونها فرض عين دون لجوء إلى شيخ أو مفتي. من جهتهم، لا يقصر علماء الدين في الدلو بدلوهم بأحوال العدالة الاجتماعية. ففي كل عام وفي مناسبة "اليوم الدولي للعدالة الاجتماعية" الموافق 20 فبراير (شباط) تؤكد كوكبة من رجال الدين أن الإسلام حث على العدالة الاجتماعية، وعمل على توثيق جذورها وتقوية أواصرها. وكذلك يفعل رجال الدين المسيحي.

وعلى الرغم من ذلك تبقى العدالة الاجتماعية بمفاهيمها الشعبية المقتصرة عند حدود التكافل الاجتماعي الإجباري، وسياسات الدولة التي ما زالت محبوسة في مرحلة الرعاية الاجتماعية للفقراء بديلاً عن تحقيق عوامل العدالة الاجتماعية، وتنظيرات الإعلام والخبراء والدراما المشيطنة للأغنياء لمغازلة الفقراء، خناقة الصيف هذا العام وكل عام.