Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من القعر إلى القمة... بالموهبة والحظ

لاعبو كرة قدم انتقلوا من الحرمان والأحياء الفقيرة إلى الثراء والنجومية

 النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو (رويترز)

دخل لاعبو كرة القدم لوائح أثرياء العالم منذ سبعينيات القرن العشرين، حين نُقلت المباريات في بث مباشر إلى جميع أنحاء العالم، فيشاهدها المتحمس على كنبته كما يشاهدها الجالس في المدرّجات، وكلها تنقل بالألوان الطبيعية.

وهذا ما جعل لاعبي كرة القدم معروفين بأسمائهم في أنحاء العالم، وراح يظهر من بينهم لاعبون منفردون بنجوميتهم بسبب مواهبهم الخلاقة التي أبهرت العالم، فركزت الكاميرات نحوهم، فصار النجم أشهر من الفريق الذي يلعب له، ونشأ التنافس بين اللاعبين على النجومية التي تدر المال وترفع سعر اللاعب. وعلى هذا المنوال، راحت الأندية تتسع وتكبر بسبب الأموال التي تتلقاها في صفقات تبادل النجوم أو بدل الإعلانات وحقوق البث وفي الجوائز الكبرى للفريق الفائز، ومنها إلى منافسة الدوريات القارية التي راحت تحتل مساحة مهمة من البث الكروي، وتحديداً البطولات الأوروبية منها، ومنها إلى المونديال الذي ينتظره جميع اللاعبين، كي يحققوا انتصاراً لبلادهم يخلد اسم البلد، واللاعب أيضاً. 
وبسبب الاتساع الكبير الذي شهده عالم كرة القدم والذي فتح إلى جانبه أسواقاً موازية تستفيد منه ويستفيد منها، باتت إدارة الأعمال المتعلقة بكرة القدم تحتاج إلى مختصين في أقسام معينة وجزيئيات محددة فيها، وبات هذا الاختصاص متوافراً في معظم الجامعات المرموقة حول العالم. 

 

بداية الاحتراف واللعب مقابل أجر

 

بدأ اللاعبون النجوم والأثرياء بالظهور مع جيل بيليه وسقراط وزيكو وكرويف وبلاتيني، وانتقل إلى مارادونا وكانينجا وروماريو وبيبيتو وزيدان وبيكهام وتوتي ورنالدو ورنالدينو وميسي ونيمار والكثير من اللاعبين الأفارقة الذين أثروا من لعبة كرة القدم بعدما وصلوا إلى القمة صعوداً شاقاً من قعر البؤس والفقر. 
 
 
وأغلب نجوم كرة القدم التاريخيين هم من القادمين من أحياء ريو دي جانيرو الفقيرة والخطرة، حيث يحلم كل الأطفال أن يصيروا لاعبين مشهورين كما كل اللاعبين البرازيليين الذين لمعوا في عالم كرة القدم، بعدما كانوا يلعبون بكرة من الورق المضغوط في ملعب أقرب ما يكون إلى مستنقع. 
وهؤلاء الأطفال هم مثال لأطفال الأحياء الفقيرة في المدن والعواصم الأفريقية، الذين برز منهم كثر يلعبون في الدوري الأوروبي وتحديداً في الدوريين الفرنسي والإنجليزي، وهم مثال لأطفال المدن في أميركا اللاتينية حيث تعتبر كرة القدم بمثابة دين جديد مستقل، ونجومها بمثابة ملائكة الرحمة. 
ويقال على سبيل الطرفة، إن شعوب أميركا اللاتينية هم مزيج من مشجعي المنتخب الوطني والفريق المحلي، والنسبة القليلة الباقية هم من اللاعبين والمدربين والعاملين في الأندية الرياضية ومدارس كرة القدم المنتشرة في كل مكان.

 

الأموال الطائلة تدور على الجميع

 

ساهم تضخم لعبة كرة القدم جماهيرياً منذ منتصف القرن الماضي في تحويلها إلى قطاع رياضي مستقل بذاته، لكنه لا يقوم بلا نواته المركزية أي وجود اللاعبين النجوم في الفريق. فلم يعد الصعود في عالم كرة القدم يتم بالصدفة بالنسبة للاعبين القادمين من القعر إلى القمة، بل وظفت الأندية أشخاصاً محددين يدورون بين الضواحي حول العالم لاكتشاف المواهب واختيارها من أجل الالتحاق بالمدرسة التي أسسها النادي لتدريب لاعبيه المستقبليين منذ طفولتهم. 
 
وبهذه الطريقة ظهر عدد كبير من اللاعبين الفقراء قبل أن يصبحوا نجوماً من أصحاب الملايين التي تصلهم من مصادر كثيرة ليس أولها رواتبهم كلاعبين بل من الإعلانات بأنواعها الكثيرة، وبطبيعة الحال ينتقل هؤلاء النجوم من عالم الرياضة البحتة إلى عالم المشاهير الذي يضم المغنين والممثلين والأثرياء وعارضات الأزياء وأصحاب اليخوت الفارهة والفنادق الفاخرة، وهذا مصدر آخر من مصادر الثراء والاستثمار. 
 
 
بحسب التأريخ الكروي المعتمد فإن الاحتراف كما نعرفه اليوم، بدأ في إنجلترا عام 1963 وانتهت كرة القدم بوصفها هواية ليظهر اللاعب الذي يتقاضى أجراً. وتحوّلت أندية كرة القدم إلى شركات أعمال وصارت مراكزها تضم المطاعم والمتاحف والمتاجر الكبيرة والفنادق. أما المشجع فقد تحوّل إلى مستهلك، وصارت شركات الدعاية تتعامل معه على هذا الأساس، وكما علّق بول ويلسون في "الغارديان" قائلاً "إن المستهلك ركل المشجِّع خارجاً في عصر كرة القدم الجديد". وكمثال على هذا النوع من الاستثمارات التي تدر أموالاً طائلة على الأندية حين وقع نادي أرسنال اتفاقاً مع طيران الإمارات في عام 2004 لإعادة تسمية ملعب "أشبورتون غروف" ليصبح "استاد الإمارات"، مقابل 100 مليون استرليني لفترة 15 سنة كحقوق تسمية الملعب إضافة إلى حقوق التسمية على الملابس لمدة 8 سنوات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

وفي مثال آخر، وقع نادي مانشستر يونايتد في عام 2007، عقداً إعلانياً مع شركة "أديداس" بقيمة 750 مليون استرليني لمدة عشر سنوات وعقداً مشابهاً مع شركة "جنرال موتورز" لوضع إعلاناتهما على قمصان لاعبيه.
اللاعبون النجوم، استفادوا من هذه التطورات المتسارعة عبر تسهيل عمليات بيع وانتقال اللاعبين بين الأندية، ورفع قيمة العقود بشكل هائل لتتماشى مع التضخم المالي الذي يصيب كل نواحي اللعبة. 
وكانت أول عملية دفع مال مقابل انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر أجريت عام 1893 بقيمة 100 جنيه استرليني فقط، مقارنة بمبلغ 86 مليون استرليني الذي دُفع إلى غاريث بيل عام 2015. لكن حظوظ اللاعبين في الحصول على مثل هذه المبالغ ليست متكافئة من حيث الموهبة الكروية، فقد ينتهي الأمر بموهوبين كثر في مقاعد البدلاء في حال كانت شركات الإعلانات الداعمة للفريق تجد أن هذا اللاعب لا يجذب المعلنين على رغم موهبته.  وعدا ذلك فإن اللاعب الموهوب يحتاج إلى الكثير من الحظ أيضاً للفت الانتباه والاهتمام ليلمع في بورصة الأندية الغنية. وبالتأكيد ولّى عصر الطبيب الذي يتقن كرة القدم مثل اللاعب البرازيلي سقراط.

 

لاعبو الضواحي في مراكز المدن

 

ازدهار الأندية الوطنية الكبرى وتحديداً الأوروبية منها، أدى إلى خلق هوة كبيرة بينها وبين المنتخبات الوطنية في المكافآت، لذلك تتحول المنتخبات الفقيرة ولكن المرموقة إلى مصدّر للاعبين الموهوبين إلى الأندية الأوروبية كما هي حال لاعبي المنتخب البرازيلي أو المنتخب الكاميروني والسنغالي... 
 
 
ومن اللاعبين المشهورين في صعودهم من الفقر المعدم في البرازيل إلى عوالم الشهرة والثراء اللاعب روبينيو الذي يروي في سيرته أنه قضى طفولته في صقل مهاراته في شوارع ساو فيسينتي، ليس بعيداً من المدينة التي تضم أحد أشهر أندية كرة القدم في البرازيل. 
كان بيليه نفسه هو الذي انتشل هذا اللاعب الموهوب من القعر ليسلمه إلى فريق سانتوس. لكنه في ما بعد دخل في صراعات المافيا القديمة في الأحياء التي أتى منها حين خطفوا والدته مقابل فدية، وحين أوقف في مطار تايلاند وفي حوزته أنواع من المخدرات. 
ولم تكن الحياة أكثر لطفاً مع اللاعب الإيطالي أنطونيو كاسانو الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أحد أعظم مواهب كرة القدم، ولكنه يهدر مواهبه بمشاكساته الكثيرة.  ولد وتربى في حي مضطرب في مدينة بوليان بعدما تخلى والده عن العائلة، وكان كشاف لنادي باريس سان جيرمان الفرنسي، أول من لاحظ موهبة كاسانو في الشوارع. 
اللاعب الكاميروني صموئيل إيتو هو أيضاً من عائلة فقيرة إلى درجة أنه لا يملك سجلاً فوتوغرافياً لطفولته لعدم قدرة العائلة على دفع ثمن الكاميرا. لكن الكاميرا ستلتقطه بينما كان يلعب في دوالا. لم يستغرق إيتو وقتاً طويلاً لجذب الأنظار إلى الموهبة الطبيعية التي جعلته في محل مقارنة مع اللاعب الكاميروني الأسطوري روجر ميلا. أول عقد وقعه كان مقابل 30 دولاراً في اليوم لتمثيل نادٍ محلي قبل أن يوقع عقداً اعتبر ضخماً في حينه بقيمة 26 مليون دولار مع فريق سامبادوريا.
مهاجم مانشستر يونايتد واين روني لم يكن محروماً في طفولته ولكن عانى والده من نوبات بطالة متكررة في حي Croxteth المشهور بالمخدرات والأسلحة. 
لكن روني الذي كان قد صمم على احتراف كرة القدم منذ طفولته، وقد حقق ما أراده وصارت حياته في الأحياء الفاخرة في ليفربول كثيرة البعد عما عايشه في مسقط رأسه حيث قدر المولود هناك الالتحاق بعصابات الجريمة والسرقة. 
وعلى رغم أن مظهر اللاعب الصربي لوكا مودريتش المبتسم في كثير من الأحيان لا يوحي أنه تعرض إلى طفولة قاسية، إلا أنه ترعرع في منطقة حرب. 
كان مودريتش في الخامسة من عمره فقط عندما اندلعت حرب الاستقلال الكرواتية في عام 1991، وبعد أشهر قليلة قُتل جده في الصراع. فانتقل مع من بقي من عائلته للعيش في مخيم للاجئين حيث أمضى معظم وقته يلاعب الكرة ويحلم بالنجومية.
 

 

في المقابل، كان والد زلاتان إبراهيموفيتش السويدي من أصول بوسنية مدمناً على الكحول وكانت والدته الكرواتية تعاني من حالة اكتئاب شديدة. انفصل والداه عندما كان زلاتان في الثانية من عمره. وانتظر حتى سن 18 سنة كي يكتشفه أحد الأندية من خلال مراقبته في ملاعب أحياء الضواحي السويدية. يقول إبراهيموفيتش إنه لم يكن يتوقع أبداً أن يوماً ما سياتي لاكتشاف موهبته التي ستصبح معلماً خاصاً بهذا اللاعب الفذ.

أما اللاعب الأشهر عالمياً بعدد الكرات الذهبية التي حصل عليها والنجومية الهائلة التي حصدها بسبب موهبته وإصراره وجديته وهو كريستيانو رونالدو الذي يتذكر من طفولته أنها كانت خالية من الألعاب، وأنه تقاسم غرفة واحدة مع ثلاثة من أشقائه. ولم تطأ قدمه طائرة إلا بعد توقيعه مع مانشستر يونايتد في عام 2003. 
مسيرة هؤلاء اللاعبين هي غيض من فيض، قصص لاعبي كرة القدم الذين صعدوا من العتمة إلى الضوء ومن الفقر إلى الثراء ومن القعر إلى القمة. 

المزيد من رياضة