زيادة أسعار الوقود في مصر... المواطنون يقاومون صدمة الغلاء بالبدائل

الحكومة تمهد المصاعب بالتوعية ورواد التواصل الاجتماعي يواصلون السخرية

الحكومة المصرية أعلنت تطبيق الزيادة الجديدة المتراوحة بين 16 و30% على أسعار الوقود بأنواعه (حسام علي. إندبندنت عربية)

يبدو أن ملحمة الزيادات، ومناحة التوابع، ومفاجأة اللحظة فقدت جزءاً من بريقها، وانطفأ جانب من وميضها. وعلى الرغم من أن واقع الحال في الشارع المصري يشير إلى أن غول الأسعار يحطم الجيوب ويطيح بالرواتب ويدفع بسكان الهرم الاقتصادي دفعاً نحو القاعدة، فإن الأمور تبدو هادئة في الشوارع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثمار الإصلاحات الاقتصادية

تكتيكات امتصاص الصدمات وتقليص الارتدادات تؤتي ثماراً جيدة. فمنذ الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود والمنتجات النفطية في يونيو (حزيران) 2018، والدولة تسير وفق خطة منهجية علمية إعلامية لتهيئة المواطنين نفسياً للزيادة المقبلة.

على مدى عام كامل، وبرامج التوك شو التلفزيونية لا تخلو من فقرة اقتصادية عن أداء الاقتصاد المصري والإصلاحات الحتمية. وتنويهات مسؤولي الدولة في كل مناسبة تعرج على الآفاق المستقبلية للإجراءات الاقتصادية التي تبدو صعبة ومرة في أولها، لكنها حتماً تؤدي إلى ازدهار وينجم عنها انتعاش. ومقالات الكتاب وتحليلات الخبراء تتناول بين الحين والآخر استعراضا لتجارب دول سبقت على طريق الإصلاح، ومعاناة شعوب تحولت جنياً للأرباح، وضرورات أباحت محظورات تقليص الدعم وإصلاح المسار.

تهيئة الجماهير

مسار الإعلام المهيئ للجماهير والمؤهل للزيادات التي أعلنت قبل ساعات وصل أقصاه بإعلان توعوي اعتبرته الجماهير الغفيرة ناقوس الزيادة واقتراب التنفيذ.

يقول صابر عبد المنعم، 44 عاماً، موظف، ضاحكاً: "في الأيام القليلة الماضية، وكلما كانت الشاشات تذيع الإعلان التوعوي الذي أعدته جهات حكومية لتخبر الناس بصنعة لطافة أن الزيادة قادمة كانت دقات قلبي تتسارع. في البداية لم أفهم ما يحدث لي، لا سيما أن الجملتين اللتين ينتهي بهما الإعلان وهما: ترشيد دعم المواد البترولية الشريحة الأخيرة علشان الدعم يوصل لأصحابه تترددان بصدى صوت خافت أشبه بأفلام الرعب. لكن الآن عرفت".

يأخذ عبد المنعم نفساً طويلاً من سيجارته قبل أن يقول بسعادة غريبة، "عرفت أن وقوع البلاء أهون كثيراً من انتظار وقوعه. اليوم وبعدما صدر القرار وزادت الأسعار أصبحت أكثر هدوءاً وأقل توتراً. فقد وقع الفأس في الرأس فعلياً وليس علينا سوى التعامل مع الموقف".

التعامل مع الزيادة الجديدة في أسعار الوقود والمنتجات النفطية يسير بشكل غير معتاد. البعض يسميه اعتياد، والبعض الآخر يبرره بالمعرفة المسبقة، وفريق ثالث يرى أن قطاعات في الشعب ترفع شعار "وماذا يأخذ الريح من البلاط؟"، ورابع يمني نفسه بأن هذه الزيادة هي الخامسة والأخيرة.

طول تكهنات

أخيراً وبعد طول تكهنات وضرب أخماس في أسداس، أعلنت الحكومة المصرية تطبيق الزيادة الجديدة المتراوحة بين 16 و30% على أسعار الوقود بأنواعه، بما في ذلك السولار، الأكثر استخداماً في وسائل المواصلات العامة التي تعتمد عليها الغالبية المطلقة من المصريين. ولأن الحكومة اعتادت في السنوات القليلة الماضية اعتماد مبدأ إعلان الزيادات مساء الخميس مع بدء تطبيقها صباح الجمعة، عسى أن يتمكن يوم العطلة الأسبوعية من امتصاص جانب من الصدمة العصبية والغضبة الشعبية، فقد دارت أغلب التكهنات الشعبية حول الخميس الماضي وهو ما حدث بالفعل.

فعلياً يضحك علي عامر، 24 عاماً، موظف، كثيراً وهو يقول بغيظ: "كنت أعتقد أن عبارة (حين كنت صغيراً كانت البيضة بتعريفة، ولتر البنزين بـ20 قرشاً (1.2 سنت) حكراً على الأجداد. اليوم أجد نفسي أقول (حين كنت في الـ19 من عمري، أي قبل خمس سنوات فقط، كان لتر البنزين 92 بـ85 قرشاً ( ما يقرب من 5 سنات). اليوم سعر اللتر ثمانية جنيهات (ما يزيد على النصف دولار) شيء رائع جداً".

سبل بديلة

روعة رد فعل المصريين لا تكمن فقط في القدرة على امتصاص الصدمة الخامسة في ست سنوات، ولكن أيضاً في تفتق ذهن البعض عن سبل بديلة لاستخدام السيارات أو المواصلات العامة وسيارات الأجرة، التي زادت تسعيرتها تباعاً.

سماء، 32 عاماً، صحافية، أعلنت عبر صفحتها على "فيسبوك"، " أنها أصلحت دراجتها الهوائية وستعود لاستخدامها بعد سنوات امتنعت خلالها عن ركوبها تارة بسبب نظرات المارة وأخرى بسبب حرارة الجو في الصيف". أما أحمد، 30 عاماً، محاسب في بنك، يمضي قدماً في الاتفاق مع أربعة من زملاء العمل الذين يسكنون في مصر الجديدة ومدينة نصر ليتوجهوا إلى عملهم بسيارة واحدة فقط بدلاً من خمس سيارات. أما حسين، البالغ من العمر 35 عاماً، قرر ألا يعود للبيت بعد انتهاء عمله في النصف الأول من النهار ليحصل على قسط من الراحة قبل موعد عمله المسائي لأن العودة مكلفة، وهلم جرا.

وجرت العادة أن تتفجر التحليلات المرتكزة على نظريات المؤامرة والقراءات المعتمدة على خطط هجوم حكومية يتبعها بعض الحوافز وقليل من المسكنات. فبين إعلان من وزارة التموين عن انخفاض 75 قرشاً (4.5 سنت) في سعر كيلوغرام المعكرونة، وتركيز الصحف القومية على "مبادرة الرئيس لتوفير حياة كريمة للأكثر احتياجاً، وجهاز حماية المستهلك يحذر سائقي السرفيس من مخالفة تعريفة الركوب المقررة، وطرح كميات إضافية من السلع الغذائية في المنافذ والمجمعات الاستهلاكية لمواجهة محاولات التجار التلاعب بالأسعار بعد زيادة أسعار المواد النفظية تدور معظم الأخبار المحلية التي تحاول تخدير مشاعر المتضررين ومغازلة أحاسيسهم الملتهبة ومخاوفهم من توابع ارتفاع أسعار الوقود.

كأس الأمم الأفريقية

قرار رفع أسعار الوقود يأتي هذه المرة متزامناً مع مباريات كأس الأمم الأفريقية التي تنظمها مصر. هذا التزامن يفسره البعض بأنه يخدم الحكومة لتمرير الزيادة بأقل صدمات غاضبة محتملة. فانشغال الملايين بالمباريات وتكدس المقاهي عن آخرها ونفاد تذاكر الاستاد والجو العام الاحتفالي في الشوارع وهَبّة الوطنية الجارفة بفضل "المنتخب الوطني" الممثل لكل المصريين بالتأكيد خفف من حدة الغضب ووطأة القلق.

شطحات هنا وخيالات هناك، جعلت البعض يلمح إلى أن توقيت الزيادة تم اختياره بعناية ليكون في خضم المباريات فيمر مرور الكرام. وذهب الهوس بنظرية المؤامرة بالبعض إلى حد التشكك بأن تكون فضيحة لاعب المنتخب عمرو وردة واتهامه بالتحرش في هذا التوقيت بالذات خطة مدروسة للفت الانتباه بعيداً عن زيادة الأسعار.

تسييس الزيادات

زيادة الأسعار ليست سمة جديدة في مصر. لكن الجديد في مصر هو تسييس الزيادات بحسب الانتماءات، وهي السمة التي نمت وترعرت في أعقاب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011.

 مؤيدو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يميلون إلى دعم قرار الزيادة وإعادة تدوير إشادات البنك الدولي وصندوق النقد بأداء الاقتصاد المصري في ضوء تحركات الإصلاح الاقتصادي الأخيرة. وهم يدافعون عن الزيادات ويبررونها رغم أنهم متضررون منها. لكن قطاعاً آخر من المؤيدين أيضاً يشعر بالإنهاك ويرى أن انتظار الانتعاش قد طال، والضغط على المواطن العادي قد زاد.

أما الفريق المقابل والمكون من المعارضين، فمنهم من يرى أن عصر مصر الذهبي كان في سنة حكم الإخوان رغم أزمات الوقود المتلاحقة حينئذ، ومنهم من يعارض كل ما يتم اتخاذه من قرارات أو إجراءات بسبب رفض الاعتماد على القروض ونبذ أولويات الإصلاح المتبعة.

خمس زيادات متتالية

يشار إلى أن مصر بالزيادة الأخيرة في أسعار الوقود تكون قد شهدت خمس زيادات متتالية ضمن إصلاح منظومة الطاقة التي تتبعها الحكومة المصرية. الزيادة الأولى أصابت جموع المصريين بصدمة رهيبة إذ زادت أسعار الوقود بنحو 50%، وذلك في يوليو (تموز) 2014. وتركت الحكومة الشعب يلتقط أنفاسه في عام 2015.

 ثم عادت في نوفمبر (تشرين ثاني) عام 2016 لتوجه ضربتين متتاليتين، إذ تم فرض زيادات تراوحت بين 30 و47%. كما تم تحرير سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي في الشهر نفسه. وكان المصريون على موعد مع الزيادة الثالثة في يونيو (حزيران) في العام التالي 2017 بنسبة تجاوزت 50%، والرابعة في الشهر نفسه من العالم التالي 2018 بنسبة 67%.

سخرية التواصل الاجتماعي

اللافت أنه في كل مرة تزيد فيها أسعار الوقود تتفجر مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية اللاذعة حيث اقتراحات بيع السيارات وشراء الحمير، أو استبدال واحد من العيال بملء خزان السيارة بالوقود، أو التنقيب تحت البيت لعل هناك بئر نفظ هنا أو حقل غاز هناك.

 لكن هذه المرة خفتت الدعابة، وعمت معالم محاولات التأقلم وجهود تجرع المرارة. لكن ما لم يكن في الحسبان هو خروج مصر من بطولة كأس الأمم الأفريقية بعد هزيمتها أمام جنوب أفريقيا واحد صفر، وهو ما يرجح كفة شفاء غليل الشارع المصري في زيادة أسعار الوقود.