Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تختنق عاصمة الهند بالضباب الدخاني السام ؟

أصبح تلوث الهواء المميت خطراً يتهدد شمال البلاد بشكل سنوي، لكن الآمال كانت معقودة على التغيير عقب الاضطرابات السياسية الأخيرة في البنجاب

من أمام البوابة الهندية وسط ظروف الضباب الدخاني في نيودلهي، يوم الثلاثاء 1 نوفمبر 2022 (أ ف ب / غيتي)

من الواضح أن الآثار المدمرة لتلوث الهواء كانت حدثاً لا مفر منه. فعقب انتهاء موسم مهرجان ديوالي الذي شهد تلوثاً بمستويات متواضعة نسبياً، لاسيما أن تصنيف الهواء وفقاً لمؤشر جودة الهواء يقع ضمن فئتين فقط "سيئ" أو "سيئ جداً"، تحولت دلهي، وفقاً لتشبيه أحد السياسيين، إلى "غرفة للإعدام بالغاز"، مع إغلاق للمدارس وحث للعمال على البقاء في المنزل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتنفس هذه المدينة التي يزيد عدد سكانها على 30 مليون نسمة مرة أخرى أسوأ هواء في العالم، إذ تعرض الشاشات في جميع أنحاء المدينة مراراً قراءات مؤشر جودة الهواء التي تصنف جودة الهواء على أنها "سيئة للغاية"، مما يعني أن التعرض لهذا الهواء لفترات مطولة يمكن أن يضر حتى بالأصحاء وينتج من استنشاقه آثار خطرة للذين يعانون أمراضاً مزمنة، وكذلك كبار السن والأطفال الصغار.

وعلى رغم التداعيات المميتة لأزمة الهواء في دلهي، فلم يكن سبب تردي الهواء ولا حتى التحرك الحكومي جديداً هذا العام، كما أن أي آمال في أن تؤدي الاضطرابات السياسية في الأشهر الـ12 الماضية إلى تغيير إيجابي قد تبددت تماماً.

للتحقيق في أحد الأسباب الرئيسة للأزمة، سافرت "اندبندنت" من دلهي على طول طريق غراند ترانك، جزء من طريق الحرير العظيم في الهند، الذي يمتد على مسافة 1500 ميل [2400 كلم]، ويخترق قلب السهول الهندية الشمالية وإلى البنجاب المجاورة.

المنظر مما يعرف الآن بالطريق الوطني السريع 44 بات قاتماً بعد أن أصبح الأفق ملتهباً بالنيران على جانبي هذا الطريق التاريخي، مما يعني أن موسم حرائق المزارع أضحى في ذروة نشاطه.

في هذا الوقت تقريباً من كل عام، تتحول ولايتا البنجاب وهاريانا، اللتان تعدان سلتا غذاء، إلى أرض قاحلة مروعة، يغزوها القش السميك الذي خلفته حقول الأرز المحصودة والمجففة التي جرى حرقها لإفساح المجال للدفعة التالية من المحاصيل.

إنها ممارسة ذات أصول تعود إلى الوقت الذي تولت فيه هذه الولايات المهمة النبيلة المتمثلة في إطعام أمة جائعة، وتطهير الحقول في أسرع وقت ممكن حتى تتمكن نفس الأرض من إنتاج محصولين في عام واحد. ربما لم تعد الهند تتضور جوعاً، لكن حرق مخلفات القش يتواصل في ظل تصاعد الدخان الأبيض الكثيف من كل حقل، ميلاً تلو آخر.

تنقل أنماط الطقس هذا الضباب الرمادي وتحمله جنوباً وشرقاً إلى دلهي، إذ يختلط بمواد تلوث عالية الكثافة تأتي من مصادر الانبعاثات الخاصة بالمدينة، السيارات والبناء والنشاط الصناعي، لتشكل خليطاً من المواد السامة. يستمر الضباب الدخاني عالقاً في الجو لأشهر عدة بسبب ما يحيط به من سلسلة جبال الهيمالايا في الشرق ومناخ شتوي أكثر برودة، لكنه عادة ما يتلاشى عندما يتغير الطقس ويصبح أكثر دفئاً في فبراير (شباط).

 

تختلف الدراسات حول المساهمة الدقيقة لكل مصدر تلوث في النسبة الإجمالية للتلوث بالهند، ولكن لسنوات، ظل حزب "آم آدمي" (ويعني حزب المواطن العادي) وهو الحزب الحاكم في دلهي، يلوم حرائق المحاصيل ويعتبرها المشتبه الرئيس وراء معدلات التلوث. ووفقاً للحزب، فإن عدم حظر هذه الممارسة وكذلك عدم تغريم المزارعين الذين يقومون بها كان نتيجة سوء الإدارة من قبل الأحزاب الحاكمة في الولايات الأخرى.

لذا فإن فوز الحزب سالف الذكر في الانتخابات في ولاية البنجاب العام الماضي جدد الآمال في تغيير هذا المسار، ذلك أن الحزب يمكن أن يواءم السياسات التي تؤثر في المزارعين وسكان المدن لإنهاء تبادل اللوم وإلقاء المسؤولية على الآخرين واتخاذ الإجراءات المناسبة.

ومع ذلك أصبح الاستقرار بعيد المنال وتدهورت الأوضاع. فلقد تم تسجيل أكثر من 16,000 حريق مزارع هذا العام بين 15 سبتمبر (أيلول) و31 أكتوبر (تشرين الأول)، بحسب ما أكدت بيانات من مركز الاستشعار عن بعد في البنجاب هذا الأسبوع. وشب 2000 حريق يوم الإثنين الماضي فقط.

وقد ارتفع هذا العدد عن العام الماضي، حيث تم تسجيل 13,124 حادثة حرق لمخلفات زراعية في الفترة نفسها.

"نحن نعلم أن الدخان يخنق دلهي"

المزارع جاجيت سينغ في باتيالا يعود بجراره إلى الوراء ليخرج من الحقول بعد فحص التربة، الجاهزة للحصاد التالي. إنه أحد القلائل الذين تمكنوا من شراء جرار بقوة 60 حصاناً وقدرة على استخدام التقنية البديلة التي فرضتها السلطات المحلية لإزالة المحاصيل، بالتالي منعه من حرق قش الأرز. لا يستطيع كثيرون القيام بذلك، بما في ذلك صديقه في الحقل المجاور له، الذي قرر أن ذلك اليوم هو الأنسب لحرق أرضه وإضرام النار فيها.

وعن هذا يقول سينغ "هناك إعلانات ومحادثات في دلهي وقد سمعنا أيضاً عن هذه الحلول. ولكن القول أسهل من الفعل. لم يتمكن صديقي من الحصول على هذه المعدات الثقيلة أو استئجارها. في النهاية، من الأسهل والأسرع والأرخص إضرام النار في الحقل والبدء في الزراعة مرة أخرى في غضون الأيام القليلة المقبلة. نحن نعلم أن [دخان] الحرائق يخنق دلهي، لكن ما من وسيلة أخرى أمامنا".

 

وعلى بعد حوالى 55 ميلاً، قال مزارع آخر في قرية ليبرا في مقاطعة لوديانا إنه يعرف تأثير حرق المحاصيل في المواطنين، ويعرب عن معاناته من الوضع.

وقال المزارع الشاب، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، الذي بدأ الزراعة أخيراً نسبياً في غياب فرص عمل أفضل، "لشراء جرار بقوة 60 حصاناً، أحتاج إلى إنفاق ما لا يقل عن مليون روبية [10,490 جنيهاً استرلينياً]."

وأوضح أنه وأصدقاءه مدركون بطبيعة الحال لمشكلة حرائق المزارع المزعجة، مشيراً أنه يتم إعلانها كل مساء من قبل المسؤولين المحليين، ويطلبون منهم عدم حرق المخلفات الزراعية، حتى أن هذه الرسالة كتبت على جدران المنازل في القرية.

 

وقال أحد المسؤولين الحكوميين في البنجاب والمسؤول عن مراقبة حال حرائق المزارع "اندبندنت"، طالباً عدم الكشف عن هويته، إن المسؤولين الحكوميين يقرون بأنهم خسروا معركة منع حرق القش هذا العام، مضيفاً أن احتمالية تحقيق نجاح هامشي على هذه الجبهة ستستغرق ثلاث سنوات على الأقل.

لكن حتى إيقاف حرق مخلفات القش بين عشية وضحاها لن يقضي تماماً على الضباب الدخاني في دلهي. وعند النظر إلى وضع البنجاب وهاريانا المتجاورتين معاً، تظهر الدراسات إلى إسهام الحرائق بنسبة تراوح بين 20 و40 في المئة من الهواء الرديء في دلهي، وذلك بحسب أوقات معينة من العام.

 

بهارجاف كريشنا، الزميل في مركز أبحاث السياسات ومقره دلهي، يرى بأن حل الوضع يتطلب اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، وبشكل تدريجي على صعيد جميع القطاعات الملوثة في دلهي، وهو نوع من التفكير المشترك طويل الأمد الذي كان غائباً تماماً عن المشهد حتى الآن.

على رغم بلوغه ذروة السوء في فصل الشتاء، إلا أن هواء دلهي بعيد كل البعد من النقاء على مدار العام. ما من مدينة أو دولة واجهت هذا النوع من أزمة جودة الهواء، سواء لندن في الخمسينيات أو بكين في العقد الأول من القرن الـ21، استطاعت التغلب عليها من خلال تطبيق حلول سريعة قصيرة الأجل، وفقاً لكريشنا.

في مجال النقل، يشير كريشنا إلى أن المسؤولين أدخلوا معايير جديدة لانبعاثات وقود السيارات لكنهم لم يفعلوا كثيراً بخصوص مركبات البضائع الثقيلة التي تستهلك كميات كبيرة من الديزل التي تتنقل داخل العاصمة وخارجها. ويضيف "في مجال مكافحة الغبار، لدينا إجراءات تنظم مواقع البناء الكبيرة، ولكن لم يتم فعل أي شيء بالفعل لتنفيذ هذه الإرشادات".

 

ويقترح أن التقدم التقني في إزالة بقايا المحاصيل قد يمنع بعض المزارعين من حرقها على المدى القصير، ولكن المطلوب حقاً هو التحول الثقافي من فكرة أن كل حقل يجب أن يحني محصولين سنوياً، أو ما يسميه "الاحتكار الثنائي للأرز والقمح".

تلك أيضاً ليست مجرد مشكلة تواجهها دلهي والبنجاب وهاريانا، فهناك تلوث ناجم عن كامل حوض الهيمالايا، وعندما تحمله التيارات الجوية، لا يتوقف عند حدود الولاية أو الحدود الوطنية.

المزارعون "يشعرون بالخيانة وخيبة الأمل"

في باكستان المجاورة، يراقب عابد عمر هذه الأنماط لمشروع مراقبة جودة الهواء الباكستاني. الذي أوضح لـ"اندبندنت" من كراتشي أن "الحدود بين البلدين عمرها 70 عاماً فقط، وبأن الهند وباكستان تتشاركان في عديد من أعراض وأسباب هذه الكارثة الجوية التي تشمل حرق القش وسوء تطبيق السلطات لمعايير الانبعاثات.

حاولت باكستان أيضاً حظر حرق مخلفات القش، لكن خرائط الأقمار الاصطناعية التابعة لـ"ناسا" تظهر نقاطاً حمراء مشتعلة على طول الحدود الشرقية للبلاد مع الهند. التي يقول عنها عمر إنها تنتشر عادة بين الآن وحتى ديسمبر (كانون الأول) من كل عام.

إنه مثال أوسع يوضح كيف أن السياسات المجزأة لا يمكن أن تحل أبداً جودة الهواء في منطقة بأكملها، كما يقول كريشنا، الذي شارك أيضاً في تأسيس منظمة "العناية بالهواء" Care for Air غير الربحية. ومع ذلك، بدلاً من التعاون الشامل، يتم اتخاذ إجراءات "أحادية على مستوى كل دولة وبتوجيه من المحاكم"، كما يقول.

ويضيف "سيجد التلوث طريقه إلى هنا مرة أخرى عاجلاً أم آجلاً. سيتعين على جميع الولايات، دلهي والبنجاب وهاريانا وأوتار براديش، تطبيق استراتيجية موحدة. هذا ما يعنيه فعلياً العمل تحت سقف واحد".

يبدو أن احتمال مثل هذا التعاون بعيد المنال. ففي يوم الأربعاء الماضي، تناولت حكومة دلهي بقيادة حزب "آم آدمي" التراجع الكبير في معدلات جودة الهواء في المدينة ليس من خلال اقتراح حلول، ولكن من خلال مهاجمة الحكومة الفيدرالية لحزب بهاراتيا جاناتا بزعامة ناريندرا مودي لإلقاء اللوم بالتالي "خيانة ثقة" المزارعين.

 

وحول هذا الأمر، كان جوبال راي، وزير البيئة في دلهي، قد عقد مؤتمراً صحافياً أشار فيه إلى أن مودي يريد الانتقام من المزارعين جراء الاحتجاجات الضخمة العام الماضي التي أخرجت في النهاية الإصلاحات الزراعية المخطط لها لحزب بهاراتيا جاناتا عن مسارها، إذ قال "يلقي حزب بهاراتيا جاناتا باللوم على المزارعين في حرق مخلفات القش ويريد تقديم اتهامات ضدهم".

كما ويضيف "عليهم التوقف عن إساءة معاملة المزارعين والتوقف عن السعي للانتقام منهم". وفي دعوته إلى اتخاذ إجراءات مناسبة، أدعى راي أن دلهي "يمكن أن تنهي بؤس الملايين إذا حصلت فقط على دعم حكومات ولايات حزب بهاراتيا جاناتا في هاريانا وأوتار براديش. لكن ما سيبدو عليه ذلك في الممارسة لا يزال غير واضح أبداً".

© The Independent

المزيد من بيئة