هل يتحالف الأوروبيون والصينيون لمواجهة الحرب التجارية الأميركية؟

خبراء: الشراكة بين "الاتحاد" وبكين ضرورية... و"طريق الحرير" يفتح الأسواق للكتلتين

تسببت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين في عرقلة التقدم بالمباحثات الاقتصادية بين بكين والاتحاد الأوروبي خلال أبريل (نيسان) الماضي. وكان الجانبان اتفقا على ضرورة تحقيق تقدم يقود إلى توقيع اتفاق استثمار ثنائي مع نهاية السنة 2019 يمهد إلى عقد صفقة كبيرة في السنة المقبلة 2020.

ومع فرض الولايات المتحدة تعريفات ضخمة على المنتجات الصينية والأوروبية في آن واحد، ربما يضطر الاتحاد والعملاق الآسيوي إلى تشكيل تحالف تجاري لمواجهة التحدي الأميركي الهادف إلى تركيع ثاني أكبر كتلتين اقتصاديتين في العالم.

ملعب متكافئ
ويرتبط الطرفان بعلاقة قوية، فكلاهما ضمن أكبر ثلاثة اقتصادات بالعالم، وتُعد بكين ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة، فيما الاتحاد هو أكبر شريك تجاري للصين.

 
والتزم الجانبان شراكة شاملة طبقاً للأجندة الاستراتيجية للتعاون بينهما. ولطالما ضغطت إدارة الرئيس دونالد ترمب التي تريد الحفاظ على التفوّق الأميركي على حلفائها في القارة الخضراء، من أجل تجنّب توقيع أي اتفاق مع غريمها الآسيوي، لا سيما فيما يتعلق بالتكنولوجيا، لكن يبدو أن هذا الضغط لم يُجدِ مع الاتحاد الأوروبي، الذي وصف بكين بأنها "منافس نظامي".
 
ويدرك القيّمون على القرار الاقتصادي أن العمل مع الصين وليس ضدها هو أمرٌ حكيمٌ، ويعلمون ضرورة وجود ملعب متكافئ في التجارة العالمية، وبالتالي يحرصون على بناء علاقات أقوى معها.
اتفاقات وعقود
وفي الجانب العملي، عملت الصين أخيراً على تعزيز علاقاتها مع عدد من دول الاتحاد الأوروبي. فوقّعت مذكرة تفاهم مع إيطاليا تشمل التعاون في البنية التحتية كالموانئ وشبكات النقل، رغم ضغوط مارستها واشنطن على كل من ألمانيا وفرنسا لثني روما عن الخطوة. ووقّعت كذلك صفقات بقيمة 45 مليار دولار مع فرنسا، كان أكبرها عقد شراء 29 طائرة "إيرباص".
 
وتجاهلت دول عدة أعضاء في الاتحاد دعوات أميركية إلى حظر شراء معدات تكنولوجية صينية، فيما سمحت الحكومة البريطانية لشركة الاتصالات الصينية العملاقة "هواوي" بالمساعدة في بناء شبكة الجيل الخامس رغم تحذيرات واشنطن.
واتفق الطرفان الصيني والأوروبي على تسريع مباحثات اتفاق المؤشرات الجغرافية، الذي من شأنه تعزيز الصادرات الزراعية إلى الصين، ربما على حساب المنتجات الأميركية.

فتح الأسواق
الاهتمام الأوروبي بالصين أيضاً كان واضحاً خلال زيارة الرئيس شي جين بينغ باريس، التي شهدت اتخاذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطوة غير مسبوقة، بدعوته المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، إلى المشاركة في المباحثات.

وأعلنت الحكومة الفرنسية في حينه أن اللقاء الرفيع المستوى بحث "تحديات التعددية"، وأكد القادة الأربعة في اجتماعهم الرغبة في تعاون أكبر مع بكين، ووجوب إزالة المخاوف المتعلقة بالمنافسة غير العادلة وتبديدها لمصلحة بناء علاقة متينة.

وعكست كلمة رئيس "المفوضية الأوروبية" التي وجهها إلى الرئيس الصيني هذا القلق، عندما حضّ بكين على منح شركات الاتحاد الأوروبي إمكان الوصول إلى أسواق بلاده، أسوة بالحق الممنوح من الاتحاد للشركات الصينية للعمل في دول القارة.

الشراكة البديلة
يرى الدكتور ناصر السعيدي الخبير الاقتصادي ووزير الاقتصاد والتجارة اللبناني الأسبق، أن "من مصلحة الصين استراتيجياً التوسّع بعلاقاتها الاقتصادية في اتجاه الاتحاد الأوروبي". وقال لـ"إندبندنت عربية" إن "كتلة القارة الخضراء هي شريك اقتصادي مهم، فالشركات الأوروبية الكبرى تستثمر اليوم بالصين، وكذلك الشركات الصينية تستثمر بأوروبا. وهذا يتطلب علاقات تجارية واستثمارية قوية تعزز العلاقات الاقتصادية بين الجانبين".

وأضاف أنه "في ظل النزاع التجاري القائم بين واشنطن وبكين، تحتاج الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، الذي يحتاج هو الآخر إلى تقوية علاقاته معها. فمن الواضح أن الولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترمب لم تعد الشريك الذي كانت عليه في الماضي فيما يتعلق بدول العالم. الأهداف تبدَّلت وكذلك الاستراتيجيات".

التحالف يحتاج إلى وقت
ويشير د. السعيدي إلى أنه "أمام هذا الواقع، يتحرّك الاتحاد الأوروبي في جميع الاتجاهات، ويعمل على تطوير علاقاته مع روسيا في مجال النفط والغاز، وكذلك مع الصين. وأخيراً توصّل مع مجموعة (ميركوسور) الاقتصادية لأميركا الجنوبية إلى مسوّدة اتفاق تتعلق بالتجارة الحرة. ومن الواضح أن النظرة الأوروبية إلى الولايات المتحدة كشريك يمكن الوثوق به على المستوى الاقتصادي والاستثماري، وحتى على المستوى الأمني، لم تعد قائمة".

لكنه يرى في المقابل، أن "ولادة تحالف أوروبي صيني تحتاج إلى سنوات، ومن المهم الإشارة إلى أن التجارة العالمية لا تزال تعتمد على الدولار الأميركي فيما يخص تسويات التجارة والاستثمار، ومع الوقت يجب أن تحل العملة الصينية مكان الدولار في التسويات، والدفع في التجارة العالمية، نظراً إلى أهمية الصين".

تقرير أوروبي
وكانت وثيقة نشرها الاتحاد الأوروبي أخيراً، وهي تقرير من 16 صفحة بعنوان "الاتحاد الأوروبي والصين - نظرة مستقبلية استراتيجية" دعت إلى الاعتراف بالصين منافساً اقتصادياً، وإلى "التكيّف مع تغير الحقائق الاقتصادية وتعزيز السياسات المحلية وقاعدتها الصناعية". ويتضمن اعترافاً بنمو القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي للصين ضمن نطاق وسرعة غير مسبوقين، ما يعكس طموحاتها في أن تصبح قوة عالمية رائدة.

ويؤكد أنه "لم يعد ممكناً اعتبارها دولة نامية، بل قوة رئيسية وتكنولوجية رائدة".

ويرى أن "وجودها المتزايد في العالم بما في ذلك بأوروبا، يجب أن يقترن بمسؤوليات أكبر لدعم النظام الدولي القائم على القواعد، إضافةً إلى تعزيز مبدأ المعاملة بالمثل وعدم التمييز وانفتاح نظامها". ويعتبر أنه يجب ترجمة طموحات بكين المعلنة للإصلاح إلى سياسات وإجراءات تتناسب مع دورها ومسؤوليتها.

طريق الحرير
هذه الرغبة الأوروبية ألا تعيقها الفوارق بين النظامين الاقتصاديين؟ يجيب الدكتور ناصر السعيدي "صحيحٌ أن نموذج الاقتصاد الصيني مختلف عن الأوروبي، لكنهما في تطور مستمر. فبكين في طريقها إلى الانفتاح، وقد يتطلب تحقيقه وقتاً طويلاً، لكن الأوروبيين متفهمون هذا الواقع".

وأضاف، "يتمثل انفتاح الصين في مبادرة (الحزام والطريق)، التي تستهدف الاستثمار في البنى التحتية، وتربط طريق الحرير الجديد أوروبا بكل بدول القارة الآسيوية، وبالتالي من مصلحة دول الاتحاد تطوير علاقاتها مع بكين لأسباب عدة، أهمها فتح أسواق الجانبين أمام التجارة، التي لن تكون في اتجاه واحد. كذلك عندما تدخل الصين أسواقاً جديدة في أفريقيا وغيرها ستفتحها أمام أوروبا".

واختتم "لذلك من مصلحة الطرفين قيام تعاون استراتيجي. وأعتقد أنه رغم الهجمة الأميركية على الصين، لا تزال أوروبا تنظر إليها على أنها يمكن أن تكون شريكاً استراتيجياً يُعتمد عليه على المدى البعيد".

المزيد من اقتصاد