Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل دخلت النخب في مجتمعاتنا مربع الحداثة؟

سقوط خرافة الإسلام السياسي بمثابة قفزة وعي حداثية حررت المواطن من عقدة "تقديس" الزعماء الدينيين

انتشار "ألف ليلة وليلة" وما ناظره من مؤلفات هزيمة لتيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية  (أ ف ب)  

هل ولج العرب وأهل شمال أفريقيا، نخبها وعامتها، مربع الحداثة؟ الحداثة في السياسة وفي الاقتصاد وفي الثقافة والإبداع وفي الفلسفة؟

الواقع المعيش اجتماعياً وثقافياً وسياسياً ودينياً ومؤسساتياً مثير للتساؤل ومليء بالتناقضات والمفارقات العجيبة التي قد تصل إلى حد الهوس واللامعقول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

بهدوء وبإيجاز أيضاً، سنحاول أن نفكك بعض هذه المفارقات التي تحيل على الصراع الحاد ما بين الخطوة الأولى في مربع الحداثة والغرق حتى الركب في وحل التقليدية والسلفية والدجل.

عيانياً، لا يزال المجتمع العربي والمغاربي تقليدياً ومتعصباً وسلفياً، يواجه بعنف وتكفير كل تفتح وكل توق للحرية الفردية والجماعية تحت شعارات مختلفة، الدين السياسي والأخلاق والقومية واللغة، ولكن أمام هذا الجدار الأصم من الأسمنت المسلح هناك مقاومات كثيرة واختراقات تسجل يومياً وتتراكم مثل ماء جداول صغيرة مختلفة تجيء من هنا ومن هناك لتلتقي في مسار نهر يكبر شيئاً فشيئاً سيفيض يوماً فيروي على ضفتي مجراه نخباً ثم خلقاً كثيراً وجراء ذلك ستأخذ الحياة الفردية والجماعية شكلاً آخر.

كلما فقدت قوى التعصب والسلفية مواقع هيمنتها الاجتماعية والسياسية والثقافية تبدي شراسة طاحنة وغير رحيمة تجاه المختلف، تجاه المتغير التاريخي، تبدأ هذه القوى المتآكلة في الصراخ والعويل كي تثير الفتنة وتثير القطيع ثم تنقض بطريقة متوحشة على خصومها، وهذه الحال من الارتباك هي علامة من العلامات الدالة على أن المجتمع والفرد يمارسان عملية انتقال عسيرة إلى مربع الحداثة.

الحداثة لا تجيء دفعة واحدة، إنها تتسرب ببطء داخل النسيج الاجتماعي والبنيات الذهنية والسلوكات الفردية لدى الرجل والمرأة.

صحيح لقد انتظرت أجيال كثيرة هذا الجدول وهذا التغيير، لكن لم يظهر كثير مما ينتظر، مما يتمنى، لكن لو حدقنا جيداً في تفاصيل المشهد سندرك حجم التغيير الذي لا مفر منه والذي يهدد يوماً بعد يوم حراس المعبد.

الصورة ليست قاتمة بالمطلق.

على المستوى الأدبي، صحيح لا يزال العقل المتطرف حاضراً وضاغطاً في الجامعة وفي دور النشر وفي مؤسسات الرقابة التي لا تنام لها عين، لكن مع ذلك أن تقرأ رواية "الخبز الحافي"، على سبيل التمثيل لا الحصر، في جميع الدول العربية والمغاربية، أن تكون حاضرة في مكتبات البيع والمكتبات العمومية وتدرس في الجامعات العربية فهذه علامة على أننا دخلنا مربعاً جديداً في التعامل مع النصوص التي ظلت إلى زمن غير بعيد "ملعونة" وممنوعة.

أن تترجم روايات هنري ميللر إلى العربية، على سبيل التمثيل أيضاً، وعلى رغم ما قد يكون في هذه الترجمات من قص وبتر، إلا أن وجود نصوص كاتب بهذه الجرأة في معارض الكتاب التي تنظم هنا وهناك، فهذا اختراق آخر في جدار الصمت الأسمنتي المريع الذي ظل يعتدي على حق المواطن في القراءة الحرة، شأنه شأن أي مواطن في العالم.

أن ينشر كتاب "الشخصية المحمدية" لمعروف الرصافي ويوزع بكميات معتبرة وبطرق مختلفة ويقرأه القارئ العربي والمغاربي إلى جانب كتب السيرة النبوية الأخرى، ويقبله أو ينقده أو حتى يرفضه فهذا يدل دلالة قاطعة على أن هناك شيئاً ما انهار في جدار السلفية المتعصبة.

أن نجد النسخة الكاملة لكتاب "ألف ليلة وليلة" من دون قص ولا بتر متوافرة في المكتبات العربية والمغاربية وهو الكتاب الذي منع ذات يوم بأمر من البرلمان المصري، لدليل على أن الأرض زلزلت ولو كان الزلزال ضعيفاً!

أن ينشر كتاب بعنوان "صحيح البخاري: نهاية أسطورة" للباحث المغربي رشيد أيلال ويوزع في بعض البلدان ويمنع في بعضها الآخر ولكنه متوافر على الإنترنت ويناقش بشكل واسع ولو كان هذا النقاش بطرق متوترة ورافضة وغاضبة وتكفيرية مع تهديدات للكاتب بالقتل، لا يهم، إلا أن اللحظة نفسها على صعوبتها تعلن بداية تفكك العقل الخرافي وبداية طرح السؤال العقلاني لتخليص الدين من تجار الدين الثقافيين والسياسيين والفقهاء.

كلنا يذكر قصة المفكر الجزائري الكبير محمد أركون مع الإخوان المسلمين في الجزائر خلال سنوات قوتهم أيام الرئيس الشاذلي بن جديد (1929-2012)، حيث تم طرده من فندق الأوراسي بالجزائر العاصمة من قبل محمد الغزالي ويوسف القرضاوي وقد حضر للمشاركة في مؤتمر الفكر الإسلامي بحجة التكفير والزندقة، اليوم ها هي كتب محمد أركون تترجم إلى اللغة العربية وتقدم عنه أطروحات جامعية كثيرة في كل الجامعات العربية من السعودية إلى موريتانيا. من كان يتصور قبل بضعة أعوام أن يتم تكريم محمد أركون في كثير من الدول العربية والمغاربية، هذا الواقع هو شهادة بداية الدخول إلى سؤال الحداثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من كان يتوقع أو يتخيل يوماً أن تحتفل الجزائر بابنها جاك دريدا وفي مدينته مدينة الجزائر البيضاء وهو المفكر اليهودي ذو الأصول الجزائرية، كان هذا من رابع المستحيلات واليوم تخصص له في الجامعات ومراكز البحث ملتقيات وندوات كثيرة وتقدم عنه أطروحات جامعية بالعربية وبالفرنسية في الفلسفة والنقد والأنثروبولوجيا وتقرأ كتبه كما تقرأ كتب غيره، هذه علامة من علامات اختراق جدار الفكر "الصنمي" التكفيري.

من كان قبل سنوات خلت يتصور الشاعر والمفكر أدونيس في الرياض بالسعودية، يحاضر مدافعاً عن أفكاره ضد الأفكار الدينية المتطرفة من موقعه كمفكر علماني إلى جانب مفكرين ليبراليين وتقليديين وفي جو ثقافي وفكري متوازن وهادئ يحتفل بالاختلاف، ومن كان يتصور يوماً بتأسيس جمعية للفلسفة في السعودية، نعم هذه هي الخطوات، حتى لو كانت صغيرة، إلا أنها كبيرة في رمزيتها الذاهبة نحو إعادة الاعتبار للعقل والفكر الحر، بالتالي مد جسر ثابت ومتين نحو الحداثة.

من كان يتوقع أن تعرض قنوات عربية ومغاربية كثيرة مسلسلاً عن النبي يوسف مجسداً في ممثل، إلى جانب عشرات المسلسلات الأخرى التي لها رؤية معارضة، إنها لحظة فارقة في مسيرة تشكيل العقل الحداثي الذي يحترم المقدس ويحرر الدين من الدجل.   

أن تترشح المرأة لرئاسة الجمهورية وتخوض معركة الانتخابات بكل صلابة وتقيم المهرجانات الخطابية وتدافع بشراسة عن حقها في تولي منصب القاضية الأولى في البلد، حدث هذا في الجزائر (لويزة حنون) وفي تونس (عبير موسي)، أن تتولى امرأة رئاسة الحكومة أو حقيبة وزارة الخارجية، أن تترأس حزباً سياسياً علمانياً، كل هذه الحالات السياسية هي خطوات نحو محاربة أيديولوجيا الذكورة في السياسة وهي في محصلة الأمر توجه نحو الحداثة والمساواة الجنسية في إدارة شؤون البلد.

إن وصول بعض أحزاب الإسلام السياسي إلى السلطة وتحولها في ظرف زمني قياسي إلى جماعات الاستفادة من الريع شأنها شأن الأحزاب الأخرى الليبرالية أو الاشتراكية التي سبقتها إلى السلطة، وهي الأحزاب الدينية التي كان يبدو زعماؤها وكأنهم حراس الجنة وحاملو ميزان العدل في المجتمع، إن سقوط خرافة أحزاب الإسلام السياسي في الجزائر وتونس ومصر وسوريا والسودان والمغرب هي عبارة عن قفزة وعي حداثية سياسية كبيرة تحرر من خلالها المواطن البسيط من مركب عقدة "تقديس" زعماء الإسلام السياسي الذين وصلوا في مرحلة السبعينيات والثمانينيات إلى مرتبة الأنبياء في المخيلة الشعبية البسيطة.

بكثير من التفاؤل الفكري الحذر أشعر بأن المجتمعات العربية والمغاربية تخطو نحو مربع الحداثة في الحياة الاجتماعية والسياسة والثقافية والدينية، أو هي مجبرة على ذلك وإلا فاتها ركب البشرية، تتم عملية الانتقال هذه بمخاض عسير، تتقدم النخب والمجتمعات من حولها في حقل ألغام ولكن الطريق بدأ ولا يمكن الرجوع ولا التراجع عن ذلك.

المزيد من آراء