Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإعلام العربي يستعيد مكانة مفقودة رغم أنف "الترند"

المحتوى التقليدي القادر على التعايش مع التطور الرقمي والـ "سوشيال ميديا" ستكون له الغلبة

منتدى الإعلام العربي في دورته الـ20 (اندبندنت عربية)

ما بدا أنه تأبين للصحافة تحول إلى جهود إنقاذ، تارة بالإمساك بتلابيب المهنة وأخرى عبر تبادل خبرات النجاة، وما بدا محاكمة للمحتوى أصبح تفنيداً وتحليلاً له، وما كان معنوناً "مستقبل الإعلام" اتضح أنه حاضره، إذ يصعب التنبؤ بتفاصيل مستقبله أو رسم ملامحه بينما حال الإعلام في تغير مستمر ومتسارع.

سرعة جلسات "منتدى الإعلام العربي" في دورته الـ 20 تعكس روح الإعلام في 2022، إذ تتراوح بين 20 و30 دقيقة، تتناول في وجبات بالغة السرعة حال الإعلام العربي بأجنحته التقليدية والجديدة المختلفة، عرض حالة، تشخيص، تحليل روشتات سريعة في ضوء المعطيات الحالية التي قد تتغير باكراً أو بعده على أبعد تقدير.

على قيد الحياة

تقدير الجهة القائمة على المنتدى السنوي، وهي "نادي دبي للصحافة" تحت رئاسة منى غانم المري أن يكون موضوع هذا العام هو "مستقبل الإعلام العربي" يعني أن الإعلام العربي لا يزال على قيد الحياة على رغم الصعوبات، وباقياً على رغم المنافسة الشرسة من "ديناصور السوشيال ميديا".

وفي مواجهة هذا الديناصور يجد الإعلام العربي المهني نفسه في حاجة ماسة إلى إعادة ترتيب أوراقه ومعاودة سن استراتيجية يقول بعضهم إنها يجب أن تكون "موحدة".

رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر كرم جبر يرى أن السبيل الوحيد لمواجهة ديناصور منصات التواصل الاجتماعي هو وضع استراتيجية عربية موحدة، لكن من دون إغفال أهمية ذلك "الديناصور" وضرورة التعامل والتعاون معه بشكل يمكن وسائل الإعلام المهني من متابعة مسيرتها ووضع عنصري الجدية والإيجابية نصب الأعين.

 

الديناصور يتراجع

هل تعامل الإعلام التقليدي المهني مع "الديناصور" يأتي من باب "شر لا بد منه"؟ ربما! وهل أدل على ذلك مما قاله جبر من أن الدولة التي تدير ظهرها لـ "السوشيال ميديا" ستخسر خسارة كبيرة؟ وهل هناك ما يؤكد ذلك أكثر من أن 75 في المئة تقريباً من المصريين يستقون معلوماتهم من هذه المنصات؟

هذه المنصات من "سوشيال ميديا" وتطبيقات مشاهدة وغيرها، تجد نفسها دائماً متأرجحة بين خانتي الاتهام والانبهار في مثل هذه المحافل الإعلامية المهمة، فريق من الحاضرين يتمسك بتلابيب اتهام هذا الوحش المفترس الذي انقض على الإعلام التقليدي الرصين الرزين فكاد يصيبه في مقتل، أو هكذا هيئ لكثيرين، وفريق آخر يرى فيه الملامح الوحيدة للمستقبل، وبين هذا وذاك فريق ثالث يؤمن بأن خير الأوضاع الوسط، حيث بعض من هذا على قليل من ذاك.

وزير شؤون الإعلام في البحرين رمزان بن عبدالله النعيمي قال إن أية مؤسسة إعلامية مهنية حالياً لا يمكنها أن تكون مجرد صحيفة أو شاشة تلفزيون، بل عليها تقديم محتوى متعدد الأشكال عبر أدوات مختلفة تخاطب كل فئات المتلقين، مع مراعاة خصوصياتهم وفي الوقت نفسه التغيرات التي طرأت على طرق بث المحتوى الإعلامي.

الحكومة تحمي الإعلام

جبر كرر غير مرة أهمية دور الحكومات في حماية الإعلام والمتلقين، مشيراً إلى نوعيات المحتوى المختلفة التي أحياناً تكون غير مناسبة أو مهددة للثقافة والأخلاق والتقاليد، وحين سألته المحاورة زينة اليازجي إن كان بالإمكان حالياً أن تعود الحكومات لتلعب دوراً رقابياً في هذا الشأن، قال إن دورها يجب أن يركز على "المحتوى المشوه والمبتذل" وذلك بملء الفراغ، أي بمحتوى يعزز مشروع الوطن ويتسم بالمسؤولية والالتزام تجاهه، لكنه في الوقت ذاته أشار إلى أن "الذهاب إلى المستقبل لا يكون بالعودة للماضي".

ويقول بعضهم إن التحكم أو الحجب أو القيام بدور أبوي في ما يختص بالمحتوى هو ارتداد، وفي أقوال أخرى "ردة" إلى الماضي، فرئيس تحرير صحيفة "عكاظ" السعودية جميل الذيابي لا يريد أن تمارس الحكومات دوراً أبوياً في المحتوى.

 

وأمام عواصف المطالبة بتغيير أو تعديل أو التحكم في محتوى تطبيقات المشاهدة مثل "نتفليكس" وغيرها حتى تكون مناسبة لمنظومة العادات والتقاليد والثقافة العربية، يرى رئيس تحرير صحيفة "البلاد" البحرينية مؤنس المردي أن العرب لا يمتلكون هذه التطبيقات أو المنصات، "كل ما نستطيع عمله هو أن نستنكر ونطالب، لكن الموضوع أبعد من ذلك، فهم يمتلكون هذه المنصات وهم يضعون قوانينها الخاصة بها، وإن أردنا أن نضع قوانيننا الخاصة بنا فعلينا بعمل منصات وتطبيقات خاصة بنا".

التطبيقات والاستنكار

عدم امتلاك العرب لتطبيقات ومنصات يقف حجر عثرة أمام قدرة المؤسسات الإعلامية العربية المهنية على توصيل رسائلها عبر الأدوات الجديدة بالشكل المرجو القادر على الجمع بين القواعد الأصيلة والروح والأدوات الحديثة، إنه "الوحش الإلكتروني" كما وصفه رئيس تحرير "القبس" الكويتية وليد النصف.

هذا "الوحش المفترس" الذي احتفى به الجميع أيما احتفاء قبل سنوات قليلة هو نفسه الوحش الكاسر الكامنة خطورته في كل مؤسسة إعلامية وعقل كل إعلامي وفرص كل وسيلة إعلامية توصف بـ "التقليدية".

المثل الشعبي الدارج يقول "ما تكسب به العب به"، وعلى رغم اعتراض بعضهم على مقدار انتهاك هذا المثل لمواثيق العمل الصحافي والإعلامي، فإن محترفيه كثر.

الترند المتفجر

كثرة "الترند" المتفجر من رحم تصريحات المذيعين والمذيعات الساخنة حول قضايا عدة وجدت نفسها عنوان جلسة خلال أعمال "منتدى الإعلام العربي" بعنوان "الإعلام والترند"، وناقشت سباق اللهث بحثاً عن الترند ولو كان قاتلاً للأخلاقيات وخانقاً للسلوكيات.

العلاقة بين منصات الـ "سوشيال ميديا" والعمل الإعلامي ومدى تأثير الرغبة المحمومة في الانتشار السريع والاستحواذ على أكبر عدد ممكن من المتابعين، وأثر ذلك في جودة ومهنية أداء الإعلامي مواضيع تثير كثيراً من الشد والجذب.

المذيعة المصرية المثيرة لجدل "الترند" وثورة "الوسم" رضوى الشربيني، بناءً على تعليقاتها المتواترة التي يراها بعضهم مستفزة أو جريئة أو باحثة عن الانتشار على حساب جودة المحتوى أو أهميته، تضع خطها الخاص بها والفاصل بين السلبي والإيجابي، وما يميز بين هذا وذاك هو مدى قدرة الترند أو القضية على استقطاب الجمهور.

فائدة نسبية

الفائدة مسألة نسبية، وما يحققه الترند واسع الانتشار و"الوسم" العصي على الاندثار ليس بالضرورة إيجابياً، فالشربيني تقول إن الفرق بين الإعلامي وصانع المحتوى هو أن الأول يلتزم أو يقيد بقواعد العمل المهني في حين أن الثاني في حل منها.

حلول العبور كثيرة على رغم صلف الـ "سوشيال ميديا"، والحديث في "منتدى الإعلام العربي" في نسخته الـ 20 أعاد كثيراً من الهيبة التي اهتزت خلال سنوات تفجر ينابيع الـ "سوشيال ميدياً" القليلة الماضية.

واستعادة الهيبة لم تأت بصورة مباشرة بل عبر البحث المتأني عن مناطق وسط تحتفظ لنفسها بحسنيي الإعلامين، المهنية والصدقية من المهني التقليدي والجاذبية والسرعة من الرقمي الحديث، وهي خلطة سحرية تضمن إعلاماً مهنياً في عصر رقمي.

هل من مستقبل؟

"هل لصناعة الإعلام مستقبل؟"، سؤال يعكس أمنية غالية جرى بحثها ووضع قواعد لها خلال جلسة جمعت عدداً من القائمين على أمر الإعلام التلفزيوني، فعلى رغم خسارة الإعلام التقليدي من مطبوع ومرئي ومسموع لنسبة كبيرة من جمهوره لمصلحة منصات الـ "سوشيال ميديا"، لكن للقصة زوايا عدة.

رئيس مجلس إدارة "المؤسسة اللبنانية للإرسال" بيار الضاهر يرى صورة تميل إلى الوردية، فالمنصات الرقمية في رأيه تعزز صناعة الإعلام وهي أقرب ما تكون إلى مكتبة محفوظة على الهاتف المحمول لمشاهدة برنامج أو مسلسل في أي وقت يختاره صاحبه، إضافة إلى إمكان متابعة البث المباشر، مما يعني أن المنصات الرقمية التي لا تأخذ مبادرة تبني منصات رقمية ستجد نفسها خارج المعادلة.

في البدء كان الخوف

في البدء كان الخوف ثم حان وقت التآلف والاستفادة المتبادلة، إذ يقول الضاهر إن المخاوف الأولى من القادم الجديد (المنصات الرقمية) تحولت إلى اكتشاف إمكانات وسبل لتوصيل المحتوى الإعلامي بشكل مختلف، وإن العبرة بـ "المحتوى".

المحتوى كان المسألة الأكثر تداولاً على مدى يومي المنتدى، فبين "محتوى فارغ أو معاد تدويره أو كاذب أو مضلل أو مسروق" وآخر "متحقق من صدقيته يحمل المعلومة المؤكدة والتحليل المبني على علم والرصانة القادرة على الصمود أمام شهوة الترند والشهرة" دارت رحا التفنيد والتوضيح.

المحتوى هو السيد

رئيس قطاع التلفزيون في "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" المصرية ألبرت شفيق يرى أن صناعة الإعلام ستظل قوية بالمحتوى مهما تعددت أدوات الـ "سوشيال ميديا" وزاد توسعها، ويقول إن "المحتوى سيظل السيد سواء في الخبري أو الترفيهي".

المحتوى القادر على التعايش ستكون له الغلبة، لا سيما أن منصات الـ "سوشيال ميديا" جاءت لتبقى، والرئيس التنفيذي لـ "الشركة العالمية للاستثمارات الإعلامية" نارت بوران تقول إن الـ "سوشيال ميديا" فرضت تحديات كبيرة على صناعة الإعلام خلال السنوات القليلة الماضية أدت إلى تقلص حجم المتلقين، "فمن جهة هناك ابتعاد الجمهور من متابعة الأخبار المنهكة، ومن أخرى هناك حال من الاغتراب في الإعلام، دفع كثيراً من المؤسسات الإعلامية إلى الخروج ببرامج ذات صبغة ترفيهية ووثائقية وتحليلية بدلاً من الأخبار التقليدية التي هرب منها المتلقون لمصلحة أخبار منصات التواصل الاجتماعي، ولا يمكن أن نغفل حاجة المؤسسات الإعلامية التقليدية لإعادة التفكير في نموذجها التشغيلي وطرق إنتاج المحتوى وإدارة الموارد المالية، فهذا تحد كبير".

غرف إنتاج محتوى

التحديات والتحولات الحالية في المشهد الإعلامي كثيرة، والمدير العام لقناة "الشرق" نبيل الخطيب يقول إن هذه التحولات الكبرى بمثابة اختبار للنجاح والاستدامة، لا سيما أنها طاولت جميع عناصر المنظومة بما فيها غرف الأخبار، وكذلك في المحطات الفضائية التي لم تعد كالسابق، بل تحولت إلى غرف لإنتاج المحتوى بأشكال عدة.

 

تأسيس قناة إخبارية في العصر الراهن تحد مضاعف، ويرى الخطيب أن "العمل على تأسيس قناة تقدم خدمة إخبارية متعددة المنصات لجمهور متعدد الأعمار والاهتمامات والمواقع الجغرافية فرض تحديات كثيرة، فنسبة من يستقون معلوماتهم من التلفزيون مباشرة في المنطقة العربية تقل عن 10 في المئة، وما يزيد على 90 في المئة منهم تتعدى أعمارهم الـ45 سنة، وهذه هي الفئة التي لا يزال لديها ولاء وثقة في القناة التلفزيونية كمصدر للأخبار، أما نسبة الـ90 في المئة الباقية فهي الشباب الذين يستقون معلوماتهم من منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات التي توفر لهم خيارات لم تكن متاحة لدى الأجيال السابقة".

سارقو المحتوى

وهنا تكمن الأهمية القصوى لمزج الرقمي الجديد بالمهني التقليدي، فرئيس تحرير "اندبندنت عربية" عضوان الأحمري حين تحدث عن "المشهد الإعلامي وثورة الإعلام" واعتبر مسمى "التقليدي" غير مناسب، وأن فيه إجحافاً بقيمة الإعلام، وأطلق عليه مسمى "الإعلام التكاملي" المازج بين المهني الأصيل والرقمي الحديث، اعتبر في الوقت نفسه أن "صانعي المحتوى" ممن يأخذونه من الإعلام المهني وينسبونه إلى أنفسهم بطرقهم الخاصة على منصات الـ "سوشيال ميديا" "سارقو محتوى".

وبين "سارقي المحتوى" وبعضهم من المؤثرين والمؤثرات والمشهورين والمشهورات الذين تمكنوا من سحب جزء من بساط القراءة والمتابعة والمشاهدة من تحت أقدام الإعلام والصحافيين الحقيقيين القائمين على أمر مهنة الإعلام والصحافة، وبين المهنة وأصحابها الذين يتحسسون طريقهم لاستعادة ما فقدوه، كثير من الأسئلة المطروحة حول مستقبل الإعلام في ظل استمرار توغل وانتشار المنصات الرقمية والتطور المستمر في تقنياتها وقدراتها، إضافة إلى عصر الـ "ميتافيرس" القادم بقوة وثقة، يعمل الجميع جاهداً إما على قدح زناد الفكر للخروج بتوقعات تبدو منطقية أو للتوقع الهادي حتى لا يثبت خطأ توقعاتهم أو تسرعها، كما حدث من قبل.

من "يوتيوب" إلى التلفزيون

فريق ثالث يمتنع من التوقع، لا سيما أن من أكدوا قبل سنوات قليلة أن التلفزيون إلى زوال أمام زحف "يوتيوب" بعد أن أعلنوا زوال الإعلام المكتوب قبله، ثبت خطأ توقعاتهم.

عضوان الأحمري يقول إن نجوماً قادمين من "يوتيوب" تنبأوا بزوال التلفزيون وشاشاته قبل سنوات عدة، ودارت بهم الأيام وبذلوا جهوداً خارقة للانضمام إلى القنوات التلفزيونية نفسها التي تنبأوا بزوالها وأصبحوا مذيعين ومذيعات.

الرسالة الجديدة القوية القادمة من "منتدى الإعلام العربي" هي أن البقاء للأصلح، والأصلح هي الصحافة بمهنيتها وصدقيتها، لكن بإضافات رقمية حديثة تواكب التقنيات الأحدث ولا تفقد قواعد المهنية الأبقى.

حال تطوير مستمر

وبمعنى آخر فإن الإعلام في العالم المعاصر عليه أن يبقي نفسه في حال تطوير مستمر، "تطوير المشهد الإعلامي العربي بأفضل الخبرات والاطلاع على أنجح التجارب العالمية في مجال التحديث الإعلامي، والتعرف إلى أحدث التقنيات التي يمكن تسخيرها في تطوير صورة الإعلام العربي خلال المرحلة المقبلة، والاطلاع على أهم التحولات الإعلامية في العالم والاتجاهات التكنولوجية التي تسهم في إحداث تغيير إيجابي بمنظومة وصناعة الإعلام، وتعزيز تفاعل الجمهور العربي مع وسائل الإعلام في المستقبل"، تشكل مكونات كبسولة التطوير التي عرضها رئيس مجلس دبي للإعلام الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم.

ويمكن القول إن "منتدى الإعلام العربي" الذي ينعقد كل عام تحت رعاية نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شهد إعادة الاعتبار للإعلام التقليدي المتكامل المازج بين المهنية والحداثة، فالبقاء للمهنية لأنها الأصلح، والاستدامة للقدرة على التكامل والتعايش وإعادة الاعتبار للإعلام.

رئيس نادي دبي للصحافة ورئيس اللجنة التنظيمية لمنتدى الإعلام العربي منى غانم المري قالت إن تطوير العمل الإعلامي العربي في الأجواء الحالية مهمة صعبة لكن ليست مستحيلة، ووجهت دعوة إلى الجميع لعمل مشترك ينهض بمستوى الإعلام العربي عبر محتوى يعكس القيم والطموح، وباستخدام الدماء الشابة الجديدة والأساليب المواكبة للعصر، وهذا كفيل بإعادة ثقة الجماهير العربية في إعلامها العربي المهني".