Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الضرائب تحرك الشارع السوداني المتخوف من واقع اقتصادي جديد

الجبايات تؤجج غضب الممولين وتهديدات بإضرابات تنذر بتجفيف موارد ميزانية الدولة

يد الركود تطال الأسواق في السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد)

تسببت سلسلة من الزيادات المضاعفة على الضرائب وبعض الرسوم الخدماتية الأخرى فرضتها وزارة المالية السودانية لرفع الإيرادات الذاتية في ميزانية الدولة في تصاعد غضب التجار والممولين من أصحاب الأنشطة الاقتصادية والتجارية، الذين لوحوا بالدخول في إضرابات والتوقف عن العمل، وشهدت بالفعل ولايات عدة في وسط البلاد وشرقها وغربها إغلاقاً لعدد من الأسواق خلال الفترة الماضية.

العدوى في الخرطوم

بعد إغلاق أسواق في ولايات سنار ونهر النيل (عطبرة)، النيل الأزرق (الدمازين) والقضارف وتوقفها عن العمل بسبب الضرائب الباهظة، انتقلت التهديدات بالإضراب للسبب ذاته إلى العاصمة الخرطوم، بدأت بإعلان تجار زيوت وشحوم السيارات في السوق الشعبية أم درمان عزمهم عدم دفع الضرائب بشكلها الجديد، والدخول في إضراب وإبلاغ  الشركات العاملة في هذا المجال بقرارهم.

كذلك هدد وكلاء محطات الوقود باللجوء إلى الإضراب على رغم ما سيسببه لهم التوقف عن العمل من أضرار، لكنهم أكدوا أن هذا الإجراء سيكون السبيل الوحيد لهم للتعبير عن رفضهم، خصوصاً بعدما وصلت مفاوضات لجنتهم التسييرية مع مصلحة الضرائب إلى طريق مسدود. وأشاروا إلى أنهم تفاجأوا بالتقديرات الضريبية الجديدة المبالغ فيها التي لا تتسق مع الوضع الحقيقي، وتطبيقها يعني بالنسبة إليهم وقف نشاطهم والتخلي عن العمل في هذا المجال لعدم جدواه.

ويشير وكلاء المحطات إلى أن تقديرات العام الماضي الضريبية كانت حوالى 970 ألف جنيه سوداني (أي ما يعادل 1700 دولار أميركي)، بينما جاءت التقديرات الجديدة بحوالى 13 مليوناً و400 ألف جنيه سوداني (نحو 23509 دولارات)، ما اعتبروه أمراً مبالغاً فيه ولا يتماشى مع إعلان الحكومة زيادة ضريبة الأرباح من 15 إلى 30 في المئة.

وكشف وكلاء المحطات عن اجتماع عقدوه مع مدير مصلحة الضرائب لكنه لم يسفر عن حلول، وقرروا إثر ذلك مخاطبة الجهات الرسمية ذات الصلة بما فيها شعبة الأمن الاقتصادي في جهاز الاستخبارات الوطني، معلنين عزمهم الدخول في إضراب الأيام المقبلة احتجاجاً على التقديرات الضريبية.

 

مظاهر التصعيد

وشهدت ولاية القضارف أول مظاهر التصعيد بنشوب أزمة حادة بين الضرائب وأصحاب المحطات البترولية في الولاية بعد أن دفعت لهم بتقديرات عالية أخرى الشهر الماضي.

واتهمت الغرفة الولائية لأصحاب المحطات البترولية إدارة الضرائب بتعديل هامش الأرباح في النصف الثاني من هذا العام، ما حدا بها إلى الدفع بمذكرة لوالي الولاية يطالبونه بالتدخل لاحتواء الأزمة وإلغاء الضرائب والرسوم الولائية المفروضة على الشحنات الواردة إلى الولاية.

وهددت الغرفة بالدخول في إضراب عام في حال عدم الالتزام بإلغاء الرسوم الولائية والضرائب، ما يضع عمليات حصاد ثمانية ملايين فدان من المحاصيل الزراعية المختلفة تحت مرمى الخطر والضياع.

على صعيد متصل، دعا اتحاد غرف النقل السوداني كل أعضاء قطاع النقل البري، إلى عدم الانصياع لسداد رسوم العبور الجديدة التي فرضتها وزارة المالية والالتزام فقط بالفئات القديمة.

وقال بيان للاتحاد، إن قراراً صدر عن الوزارة بتوصية من هيئة الطرق والجسور، قضى بزيادة رسوم عبور الطرق القومية بنسبة 600 في المئة استناداً إلى مقترحات صادقت عليها وزارة المالية والاقتصاد.

وأشار البيان إلى أن عضوية الغرفة فوجئت بتطبيق التحصيل على الطرق وفق الفئات الجديدة اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، من دون الرجوع أو التشاور مع الاتحاد وفق مبدأ التشاور المعمول به بينه والهيئة.

وأعلن مصدر في اتحاد غرف النقل السوداني رفضهم التام للزيادات الضريبية الجديدة وشروعهم في اتخاذ خطوات تصعيدية لمقاومتها خلال الفترة المقبلة، متهماً الوزارة والهيئة بالعجز عن ابتكار مواعين إيراديه حقيقية، واللجوء إلى الحلول السهلة بالاعتماد على جيب المواطن الذي سيتحمل كل تلك الزيادات المرهقة في النهاية بزيادة أسعار السلع الاستراتيجية كالوقود والقمح وغيره.

ووصف المصدر الضرائب الجديدة بـ"الباهظة ولا ترتبط بأي معايير أو مفاهيم اقتصادية، بل تستنزف المنتجين والمستهلكين معاً وتعبر عن عجز الحكومة في إيجاد مصادر اقتصادية لسد العجز الكبير في موارد الدولة".

وفي أول تحرك رافض للرسوم الجديدة على الأرض تكدست على طريق بورتسودان عشرات الشاحنات المحملة التي كانت متوجهة إلى الخرطوم تعبيراً عن التمسك بالفئات القديمة، كما هدد السائقون بتنظيم وقفات احتجاجية والاعتصام على الطريق القومي الخرطوم ـــ بورتسودان وإغلاق الطريق القومي.

 

تحذير من المآلات

وفي السياق نفسه، حذر الأكاديمي والمحلل الاقتصادي، محمد الناير، من استمرار هذا الوضع القائم الذي قد يخلق حالة من العداء بين الدولة والجهات الإيرادية والممولين، ما قد يحمل نتائج عكسية تؤدي إلى عجز الدولة عن توفير الإيرادات اللازمة نتيجة عدم تمكنها من تحصيل أي إيرادات، ما سيؤثر على الميزانية بشكل كبير.

ودعا  النايرالحكومة إلى الجلوس والتفاوض مع المحتجين للوصول إلى رؤية وحلول مرضية، حتى لا يتأثر النشاط الاقتصادي في البلاد بانخفاض الإيرادات من جهة وتعطل دولاب العمل بصفة أساسية من جهة أخرى.

ورأى المحلل الاقتصادي أن القرارات التي اتخذتها الحكومة في الفترة الأخيرة بزيادة الرسوم الجمركية ورسوم عبور الطرق وغيرها، ستلقي بأعباء كبيرة جداً على المواطنين، لا سيما الشرائح الفقيرة والضعيفة، كما أنها ستقود مباشرة إلى ارتفاع الأسعار ورفع معدلات التضخم وزيادة معدل الفقر في البلاد.

وتابع "جاءت هذه الزيادات في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد، تعاني فيها السوق من حالة ركود تضخمي غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث، وفي وقت لا يسجل فيه النشاط الاقتصادي أي حركة. وتأتي الزيادات في الضرائب برفع ضريبة أرباح الأعمال من 15 إلى 30 في المئة بزيادة تبدو ظاهرياً أنها بنسبة 100 في المئة، لكن إفادات الممولين تشير إلى أن الزيادة طبقت بصورة تجاوزت تلك النسبة بكثير، بلغت في بعض الأحيان نسبة 1000 في المئة".

إفرازات الواقع

ويردف الناير "تسبب هذا الواقع في إضرابات في أسواق بولاية سنار والقضارف"، متخوفاً من أن يمتد تهديد محطات الوقود ليشمل قطاعات أخرى ما يؤثر على دولاب العمل والنشاط التجاري والاقتصادي في البلاد بصورة كاملة، ما لم تعد الدولة النظر في مجمل السياسات الاقتصادية.

ويوضح المحلل الاقتصادي أن زيادة الإيرادات ينبغي أن تتم بالتوسع الأفقي في المظلة الضريبية وليس بالزيادات الرأسية، لأنها ستؤدي إلى تعقيد الوضع الاقتصادي أكثر مما هو عليه الآن، ما قد يتسبب في انتقال عدوى الإضرابات وإغلاق الأسواق إلى قطاعات حيوية واستراتيجية أخرى وكذلك إلى مؤسسات القطاع العام، ودعا الحكومة لأن تنظر في الميزانية الجديدة لعام 2023 في رواتب الموظفين التي تآكلت، والإعلان مبكراً عن هيكل راتبي للأجور ثم البحث عن موارد لا تمس حياة المواطنين بتحريك الموارد ومحاربة التهريب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف الأكاديمي الاقتصادي "صحيح أن ميزانية الدولة لعام 2022 تعتمد على الموارد الذاتية، لكن الموارد الذاتية لا تعني الاعتماد على جيب المواطن، بل بتحريك وتوظيف إمكانات وقدرات البلاد الاقتصادية ومواردها الطبيعية الهائلة، التي تشمل ما لا يقل عن 75 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، لا يتجاوز المستغل منها نسبة الـ 30 في المئة فقط، فضلاً عن وفرة وتعدد مصادر المياه وعدم الاستغلال الكامل لها، إلى جانب ما لا يقل عن 109 ملايين رأس من الماشية، و30 نوعاً من المعادن على رأسها الذهب ومخزون بترول لم يكتشف بعد، وممر ملاحي في البحر الأحمر على ساحل بطول 750 كيلومتراً. كلها قدرات ينبغي أن تبنى عليها موازنة العام المقبل وليس بمزيد من الضغط على المواطنين".

القطاع العام

على صعيد غير بعيد، تتنامى في القطاع العام ومؤسسات الدولة المختلفة ظاهرة التهديد بالإضراب عن العمل احتجاجاً على ضعف الرواتب، خصوصاً بعد الزيادات المهولة التي حظي بها العاملون في قطاع الكهرباء، إثر نجاح ضغوطهم بالإضراب الشهر الماضي، ما وسع الفجوة وجعل الفارق شاسعاً بين رواتبهم ورواتب العاملين في المؤسسات والوزارات الأخرى، إذ لوح العاملون في وزارات التجارة والزراعة بالإضراب مطالبين أيضاً بزيادة في الأجور تواكب الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

كما طالب العاملون في وزارة الثقافة والإعلام الاتحادية بتوحيد الأجور في مؤسسات الدولة كافة، وفقاً لهيكل راتبي موحد وعادل لكل الفئات والدرجات الوظيفية، وعدم التمييز بين مؤسسة عامة وأخرى، وإنصاف العاملين ضمن المؤسسة الواحدة بتوحيد نسبة العلاوة.

وقال عاملو وزارة الإعلام في بيان لهم، "إزاء هذا الواقع المرير، نعلن انخراطنا في أشكال الممارسة السلمية الديمقراطية كافة من أجل تحسين عاجل وعادل للأجور، كي تفي بمطلوبات حياة كريمة بعيداً من العوز والذل والحلول الجزئية والفئوية.

من جانبها، أعلنت لجنة المعلمين عزمها رفع مذكرة لمجلس الوزراء في موعد أقصاه الـ16 من أكتوبر الحالي، ملوحة باللجوء للإضراب في حال عدم الاستجابة لمطالبها، كما أوضحت أنها ستشرع في تكوين لجان للتصعيد في كل المحليات والولايات، إلى جانب لجان للإضراب في كل المدارس إلى حين تنفيذ المطالب. 

وأوضحت اللجنة في بيان أن المذكرة ستشمل المطالبة برفع الحد الأدنى للأجور إلى حوالى 70 ألف جنيه (ما يقارب 170 دولاراً أميركياً)، إلى جانب رفع طبيعة العمل من 50 إلى 70 في المئة للمعلمين و80 في المئة للتربية الخاصة والتعليم الفني، مع المطالبة باستحداث علاوة للعاملين بالتعليم 10 في المئة من المرتب الأساسي تحت مسمى علاوة تعليم، على أن يشمل التعديل كل العاملين في التعليم.

الواقع الجديد     

وكانت وزارة المالية وافقت على مقترح هيئة الطرق والجسور بزيادة رسوم العبور بنسبة 600 في المئة ابتداءً من الأول من أكتوبر، بعدما كانت قيمة رسوم العبور لعربة نصف نقل من بورتسودان إلى الخرطوم سابقاً 5000 جنيه (تسعة دولارات)، بطريق بورتسودان- كسلا-الخرطوم، أصبحت بعد الزيادة 35 ألف جنيه (61 دولاراً)، وللشاحنة 12 محوراً، بورتسودان - الجنينة مبلغ 199 ألف جنيه (349 دولاراً)، وللباص السفري بورتسودان - الفاشر 36 ألف جنيه (63 دولاراً)، كما زادت رسوم العبور بطريق بورتسودان- عطبرة- هيا للشاحنات 12 محوراً 56 ألف جنيه (98 دولاراً)، والباص السياحي بورتسودان - الأبيض 17 ألف جنيه (30 دولاراً أميركياً).

وتعاني الميزانية السودانية من الآثار المباشرة لإعلان تجميد المعونات الدولية المقدمة من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، التي تعول على الانفتاح العالمي والتدفقات التي كانت منتظرة بواسطة التزامات العون الدولي وإعفاء الدين الخارجي، التي توقفت بعد إجراءات قائد الجيش في أكتوبر الماضي، الذي أطاح بالحكومة المدنية برئاسة عبدالله حمدوك، ما يجعلها تواجه معضلات حقيقية أدت إلى تفاقم تدهور الوضع الاقتصادي بشكل كبير.