Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المستقبل بيد أوكرانيا

الحرب بين الديمقراطية والعدمية

الحرب في أوكرانيا امتحان لإمكان انتصار نظام استبدادي يدعي الديمقراطية (بن جونز)

تسعى روسيا، دولة الاستبداد الهرمة، إلى تدمير أوكرانيا، الدولة الديمقراطية الجريئة. وانتصار أوكرانيا قد يؤكد مبدأ الاستقلالية والحكم الذاتي، ويتيح لاندماج هذا البلد في أوروبا أن يمضي قدماً، ويقوي موقف ذوي النيات الحسنة ليعودوا إلى التركيز على تحديات أخرى في العالم. والانتصار الروسي، في المقابل، قد يمكن لسياسات الإبادة في أوكرانيا، ويخضع الأوروبيين، ويجعل رؤية قيام اتحاد أوروبي، جيوسياسي، سياسة بالية عفا عليها الزمن. وإذا استمرت روسيا في حصارها غير المشروع للبحر الأسود فقد تتسبب بتجويع الأفارقة والآسيويين الذين يعتمدون على الحبوب الأوكرانية في غذائهم، وتعجل في حدوث أزمة عالمية مديدة يصبح من المستحيل، في ظلها، مواجهة مخاطر كبرى مشتركة، مثل التحول المناخي. والانتصار الروسي قد يقوي الفاشيين، وغيرهم من الاستبداديين والعدميين الذين لا يرون في السياسة أكثر من مسرحية يصممها الأوليغارشيون لحرف انتباه المواطنين العاديين عن خراب العالم. هذه الحرب، بكلمات أخرى، تتعلق بإيجاب مبادئ عامة للقرن الـ 21. فهي حرب تختبر فيها سياسات القتل الجماعي ومعنى الحياة في السياسة، كما يتمخض عنها إمكان تبلور مستقبل ديمقراطي. والنقاشات حول الديمقراطية غالباً ما بدأت مع "المدن – الدول" في زمن اليونان القديمة. وفي أسطورة البدء الأثينية، قام الإلهان بوسييدون وأثينا بمنح المواطنين بركتهما وعطاياهما، فصارا في مثابة شفيعين. بوسييدون، إله البحر، ضرب الأرض برمحه (ثلاثي الرؤوس) فاهتزت، وتسللت المياه المالحة منها. وهو وهب الأثينيين سلطان البحر والبأس في الحرب، لكن طعم الملح لسعهم. وعندها غرست أثينا نواة زيتون في أرضهم، ونمت تلك النواة وأنبتت شجرة زيتون. ومنحت الشجرة ظلها للتأمل والتفكر، وزيتونها للأكل، وزيتها للطهو. واعتبر ما قدمته الإلهة أثينا الهدية الأسمى، فسميت المدينة باسمها وطلبت شفاعتها.

وتقترح الأسطورة الإغريقية رؤية محددة للديمقراطية باعتبارها سكينة، وحياة تأمل، عيش فكري. وكان على أثينا الانتصار في الحروب لتستمر وتزدهر. وخطبة بيركليس، تعد أشهر دفاع عن الديمقراطية في التاريخ، وتدور على الانسجام والتناغم بين الخطر والحرية. وكان لبوسييدون هنا رأي راجح في الحرب، فبحسبه ينبغي أحياناً تنكيس الرمح. وهو كان يقترح فكرة التكامل والترابط (بين الحرب والحرية). فأمور مثل الازدهار، وأحياناً البقاء والنجاة، تعتمد على التجارة البحرية. فكيف يمكن لمدينة صغيرة مثل أثينا أن تكرس أرضها الضيقة للزيتون؟ كان الأثينيون القدامى يغتذون بالحبوب المستقدمة من الساحل الشمالي للبحر الأسود، النابتة في "الأرض السوداء"، أي جنوب أوكرانيا اليوم. وإلى اليهود، كان اليونانيون من أقدم السكان المعروفين الذين قطنوا أوكرانيا على نحو متواصل. كانت ماريوبول مدينتهم، إلى أن دمرها الروس. ومنطقة خيرسون في الجنوب، حيث تدور رحى المعارك اليوم، تحمل اسماً يونانياً استلهم اسم مدينة يونانية. وفي شهر أبريل (نيسان) الماضي أغرق الأوكرانيون، بواسطة صواريخ "نبتون" (الاسم الروماني للإله بوسيدون)، سفينة ترفع العلم الروسي تدعى "موسكفا".

والرمز الوطني الأوكراني، للمصادفة، هو الرمح الثلاثي الرؤوس. ويمكن رؤية هذا الرمز في آثار الدولة التي أسسها الفايكينغ في كييف قبل نحو ألف عام. وبعد وصول الديانة المسيحية إليهم من طريق بيزنطة، الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية الناطق باللغة اليونانية، قام حكام كييف بسن قانون مدني. وانتقل الاقتصاد من العبودية إلى الزراعة حين حدد الناس الضرائب بدل الأسر والاستيلاء (أي الاستعباد). وفي القرون اللاحقة، بعد سقوط دولة كييف، خضع الفلاحون الأوكرانيون للبولنديين ثم للروس. وحين أسس الزعماء الأوكرانيون جمهورية سنة 1918، بعثوا الرمح الثلاثي الرؤوس كرمز وطني. فالاستقلال لم يعن فقط الانعتاق من العبودية، بل عنى كذلك حرية استخدام الأرض بالطريقة التي يرونها مناسبة، إلا أن الجمهورية الوطنية الأوكرانية لم تعمر طويلاً. فعلى غرار عدد من الجمهوريات الفتية الأخرى التي نشأت إثر نهاية الإمبراطورية الروسية سنة 1917، تعرضت للتدمير على يد البلاشفة، وألحقت أراضيها بالاتحاد السوفياتي. وفي سعيه للسيطرة على الأراضي الأوكرانية الخصبة تسبب جوزيف ستالين في وقوع مجاعة "سياسية" قتلت قرابة أربعة ملايين نسمة من سكان أوكرانيا السوفياتية بين عامي 1932 و1933. وكانت أعداد الأوكرانيين بالغة الضخامة في معسكرات التجميع السوفياتية المعروفة باسم "الغولاغ". وحين اجتاحت ألمانيا النازية الاتحاد السوفياتي، سعى أدولف هتلر في السيطرة على قطاع الزراعة الأوكراني. ومرة أخرى كان الأوكرانيون الشطر الغالب بين الضحايا المدنيين – وهم سقطوا على يد المحتلين الألمان وجنود الجيش الأحمر الذين هزموا الجيش الألماني فيما بعد. وخضعت أوكرانيا السوفياتية، إثر الحرب العالمية الثانية، إلى عملية "روسنة" بطيئة، وهمشت ثقافتها (الأوكرانية).

وحين بلغ الاتحاد السوفياتي نهايته سنة 1991، قام الأوكرانيون باستعادة الرمح الثلاثي الرؤوس كي يكون رمزهم الوطني. وفي العقود الثلاثة التالية انطلقت أوكرانيا، بتعثر لكن على نحو لا لبس فيه، في اتجاه نظام ديمقراطي فعال. والجيل الذي يحكم البلاد اليوم يعرف التاريخين السوفياتي وما قبله، لكن هذا الجيل يعتبر الحكم الذاتي أمراً بديهياً. وفي زمن تتراجع فيه الديمقراطية حول العالم وتتعرض للخطر في الولايات المتحدة، تأتي المقاومة الأوكرانية في مواجهة العدوان الروسي لتمدنا، على نحو واثق ومفاجئ (لكثيرين)، بالإيمان في مبادئ الديمقراطية ومستقبلها. لذا، فإن أوكرانيا تمثل، على هذا، تحدياً لأولئك الغربيين الذين نسوا الأسس الأخلاقية للديمقراطية، وأفسحوا المجال، عن قصد أو عن غير قصد، للأوليغارشية، وللطموحات الإمبراطورية (الإمبريالية) كي تطل برأسها في بلدانهم وخارجها، لذا تمثل المقاومة الأوكرانية تحدياً مرحباً به ومطلوباً.

امتحان الاسترضاء

يذكرنا تاريخ الديمقراطية في القرن الـ 20 بما يحدث عندما لا تواجه تلك التحديات. ومثل حقبة ما بعد 1991، شهدت السنوات التي أعقبت سنة 1918 حالتي صعود للديمقراطية وهبوطها. ومركز التحول اليوم (لكلتا الحالتين) هي على الأرجح أوكرانيا، فيما كان مرتكز التحول في أوروبا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت تشيكوسلوفاكيا. فعلى شاكلة أوكرانيا سنة 2022، كانت تشيكوسلوفاكيا في 1938 جمهورية غير مكتملة، ومتعددة اللغات، وفي منطقة صعبة. وفي سنتي 1938 و1939، بعد أن اختارت القوى الأوروبية استرضاء ألمانيا النازية ومهادنتها في (لقاء) ميونيخ، قمع نظام هتلر الديمقراطية التشيكوسلوفاكية وأرهبها، واجتاحها، وقسمها، وضمها. وما حصل حقيقة في تشيكوسلوفاكيا آنذاك يشبه على ما يبدو ما تخططه روسيا اليوم لأوكرانيا. فشعارات فلاديمير بوتين تطابق إلى حد النسخ شعارات هتلر. وكلاهما ادعى أن الديمقراطية التي تجاوره هي، على نحو ما، استبدادية. وأشار إلى انتهاكات متخيلة لحقوق الأقليات في البلد المجاور. واعتبر ذلك ذريعة للاجتياح، كما أن كلاهما أبطل صفة الأمة عن البلد الجار. واعتبر أن دولته غير شرعية.

وكان لتشيكوسلوفاكيا في سنة 1938 جيش مقبول، وامتلكت أفضل قطاع صناعة أسلحة في أوروبا، وتمتعت بدفاعات طبيعية زادتها التحصينات فاعلية. ولم يكن متوقعاً أن تسحق ألمانيا تشيكوسلوفاكيا في حرب مفتوحة، وبالتأكيد لم يكن من المفترض أن تفعل ذلك بسرعة وسهولة، بيد أن حلفاء تشيكوسلوفاكيا آنذاك تخلو عنها، واختار قادتها المنفى بدل المقاومة. والهزيمة التي حلت آنذاك كانت، على وجه الدقة، هزيمة معنوية وأخلاقية. وهي أدت إلى تحولات فعلية في قارة كاملة في غمرة الحرب، وتسببت ببعض الظروف التمهيدية التي قادت إلى محرقة يهود أوروبا (الهولوكوست).

 

الحرب في أوكرانيا امتحان لإمكان انتصار نظام استبدادي يدعي الديمقراطية

 

حين اجتاحت ألمانيا بولندا، في سبتمبر (أيلول) 1939، مطلع الحرب العالمية الثانية، كانت تشيكوسلوفاكيا كفت عن الوجود وباتت أراضيها ومصادرها خاضعة لإرادة الألمان وأهوائهم. وشاركت ألمانيا بولندا حدوداً أطول، وزاد عدد سكانها، ووضعت يدها على الدبابات التشيكوسلوفاكية، وضمت إلى جيشها عشرات آلاف الجنود السلوفاكيين. وصار لـ هتلر حليف قوي في الاتحاد السوفياتي (ستالين) شاركه تدمير بولندا بعد أن اجتاحها من الشرق. وخلال الاجتياح الألماني لفرنسا والأراضي المنخفضة (هولندا وبلجيكا) سنة 1940، وإبان معركة بريطانيا في وقت لاحق من ذلك العام، كانت المركبات والآليات الألمانية تحصل على وقود سوفياتي، ويأكل الجنود الألمان الحبوب السوفياتية التي تنبت كلها تقريباً في الأراضي الأوكرانية.

وبدأ تسلسل الأحداث هذا مع الابتلاع الألماني السهل لتشيكوسلوفاكيا. فالحرب العالمية الثانية، على الأقل من ناحية الشكل الذي اتخذته، كانت لتكون مستحيلة لو خاض التشيكوسلوفاكيون النزاع. ولا يعلم أحد ما كان ليحصل لو تعثر الألمان في بوهيميا سنة 1938، ولكن يمكن الجزم بأن هتلر ما كان ليتمتع بالزخم غير المحدود الذي استمال إليه الحلفاء وأجفل خصومه. وكان ليصعب على القيادة السوفياتية تسويغ تحالفها معه. وكان هتلر ليعجز عن استخدام الأسلحة التشيكوسلوفاكية في هجومه على بولندا، هذا الهجوم الذي كان تأخر، هذا إذا كان بقي مقرراً أصلاً. وكان سيتاح لبريطانيا وفرنسا وقت أطول للاستعداد للحرب، وربما لمساعدة بولندا. فأوروبا، سنة 1938، كانت تخرج من "الكساد الاقتصادي العظيم"، هذا الكساد الذي اضطلع بدور راجح في الاستقطاب للتطرف السياسي. فلو سحق هتلر في حملته العسكرية الأولى، لضعفت جاذبية اليمين المتطرف.

استبداديو ما بعد الحداثة

وعلى خلاف تشيكوسلوفاكيا، اختار القادة الأوكرانيون القتال وحظوا بدعم الديمقراطيات الأخرى. وحال الأوكرانيون دون تحقيق عدد من السيناريوهات القاتمة جداً، وحملوا الديمقراطيات الأوروبية والأميركية الشمالية على تخصيص وقت ثمين للتفكير والاستعداد. ولا يفهم المغزى الكامل للمقاومة الأوكرانية سنة 2022، شأن سياسة استرضاء (هتلر) سنة 1938، إلا في ضوء الآثار المترتبة لاحقاً على الواقعة، أو تلك التي لم تحصل. ويحتاج المرء في تفكيره في سبيل فهم الحاضر، لاسترجاع الماضي.

والفكرة الكلاسيكية عن الاستبداد، والمفهوم الحديث للفاشية، مفيدان لفهم نظام بوتين، لكنهما ليسا كافيين. وأوجه الضعف الأساسية عند الطغاة عامة ومعروفة منذ زمن بعيد – وقد وثقها أفلاطون، مثلاً، في "جمهوريته". ويعاند الطغاة النصائح المفيدة، ومع تقدمهم في السن ومرضهم يركبهم الهوس، فيرغبون في ترك إرث خالد. كل هذا واضح بالفعل في قرار بوتين اجتياح أوكرانيا. والفاشية، ذلك النمط الاستبدادي المحدد، تسهم في تفسير واقع روسيا اليوم. فهي تقوم على عبادة الشخصية، وتتسم بسلطة الحزب الواحد، والآلة الدعائية، وتقديم الإرادة على المنطق، وسياسة "نحن أو هم". ولأن الفاشية تعتمد العنف بدل العقل والمنطق، لا يمكن دحرها إلا بالقوة. وحظيت الفاشية بشعبية واسعة – ليس في الدول الفاشية وحدها – إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. وهي لم تفقد صدقيتها إلا مع هزيمة ألمانيا وإيطاليا في الحرب.

وعلى رغم أن روسيا فاشية القيادة، فإن فروعها وثناياها ليست فاشية. وفي قلب نظام بوتين فراغ فاغر. إنه الفراغ الظاهر في عيون المسؤولين الروس وهم ينظرون في لا مكان، وهم يحسبون أن هذه النظرة قرينة على رباطة جأش ذكورية. والحق أن نظام بوتين لا يتوسل إلى تجييش المجتمع بواسطة رؤيا شاملة، على شاكلة ألمانيا وإيطاليا الفاشيتين، بل هو يعمل على تثبيط الأفراد وتشتيتهم، وجعلهم يوقنون بعدم وجود يقين أو مؤسسات يمكن الوثوق بها. والتثبيط والتشتيت هذان تحولاً مشكلة للقادة الروس خلال الحرب في أوكرانيا، فهم دربوا مواطنيهم على مشاهدة التلفزيون بدل استعمال السلاح. فإن العدمية التي تغذي ظاهرة التثبيط والتشتيت المذكورة تهدد الديمقراطية تهديداً مباشراً.

 

 

ولا شك في أن نظام فلاديمير بوتين إمبريالي وأوليغارشي، يعتمد وجوده على الدعاية (البروباغندا) التي تزعم أن العالم كله على هذا النحو. وفيما يسهم دعم روسيا للجماعات الفاشية، والحركات القومية البيضاء، ولمظاهر الفوضى، ويمدها بأنصار على هذه الشاكلة، تبقى الأفكار العدمية التي لا قاع لها أشد ما يجتذب لروسيا مواطنين من الدول الديمقراطية ليسوا واثقين من مصادر الأحكام الأخلاقية وقوتها. وهم لقنوا، إن كانوا يمينيين، أن الديمقراطية ثمرة طبيعية للرأسمالية، وإن كانوا يساريين، أن جميع الآراء تستوي على قدم واحدة من القبول. أما الهدية الأثمن التي جاء بها خبراء البروباغندا الروس فهي الفصل بين المسائل، وتناول الأمور على حدة وتفكيكها، ونزع قشور البصلة فلا يبقى بعدها غير دموع الآخرين وضحكاتهم الخبيثة. وانتصرت روسيا في حرب الدعاية (البروباغندا) عندما اجتاحت أوكرانيا سنة 2014، واستهدفت بدعايتها على وسائط التواصل الاجتماعي أوروبيين وأميركيين متذبذبي المواقف، وبثت عن الأوكرانيين قصصاً تصورهم نازيين، ويهوداً، ونسويين، ومثليين، لكن أموراً كثيرة تغيرت مذ ذاك. فتسلم السلطة في أوكرانيا جيل جديد من الشباب القادرين على التواصل، ومخاطبة الغير على نحو أفضل مما يفعله روس الكرملين، الأكبر منهم سناً.

وتصدى للدفاع عن نظام بوتين أشخاص يعملون نقاداً أدبيين، يفككون الحوادث والمسائل ويوغلون في ذلك. وبدت المقاومة الأوكرانية، من جهتها، ويجسدها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، أشبه بالأدب نفسه. فأولت انتباهاً حاداً للفن، من دون شك، لكنها قدمت القيم وصياغتها. وإذا كان كل ما يقوله المرء نقداً أدبياً، قبل بتذرر الوقائع ذرات، وتخلى عن القيم التي ترسي شروط السياسات الديمقراطية. أما لو كان الأدب نفسه هو الموضوع، لم يسع المرء التخفف من صلابته. والإحساس بالقيم، في هذه الحال، ترجح كفته على مجرد نفي هذه القيم والهزء بها.

الطغاة يعاندون النصيحة الحسنة

ويأتي الخلق أو الإثبات قبل النقد، ويدوم أكثر منه ويتخطاه، والفعل خير من الهزء. وكما قال بيريكليس "إننا لا نعتمد على التدبير أو التحايل، بل على قلوبنا وأيدينا". والفرق الشديد بين البذلات السود الماكرة التي يلبسها الأيديولوجيون ومصممو البروباغندا الروس، وبين ثياب القادة والجنود الأوكرانيين الرزينة في لونها الأخضر الزيتوني، يمثل على أولى شروط الديمقراطية، وهي أن على الأفراد إثبات تمسكهم بالقيم، على رغم المخاطر المتأتية من ذلك. وقد فهم الفلاسفة القدماء أن المناقب تعادل أهميتها أهمية العوامل المادية في صعود الأنظمة وسقوطها. وأدرك اليونانيون أن الديمقراطية قد تستسلم للأوليغارشية، وأدرك الرومان أن الجمهوريات قد تصبح إمبراطوريات. وعلم اليونانيون والرومان، على حد سواء، أن مثل هذه التحولات معنوية ومؤسساتية. وهذه المعرفة هي في أساس التقاليد الأدبية والفلسفية الغربية. وكما لاحظ أرسطو، الحقيقة ضرورة للديمقراطية، وضعيفة أمام الدعاية (البروباغندا) في آن واحد. وتجديد الديمقراطية، ويصدق هذا في التجديد الأميركي سنة 1776 وحقائقه الواضحة والبديهية، يستند إلى معايير ودعاوى أخلاقية. وهذه الأخيرة لا تزعم أن الديمقراطية واجبة الوجود، بل توجب وجودها تعبيراً عن موقف أخلاقي متمرد على القوى السائدة، مثل الأوليغارشية والإمبريالية اللتين تتمتعان بجاذبية لا شك فيها.

وحصل مثل هذا الأمر في كل تجديد ديمقراطي، ما عدا الأقرب منا زمناً، وأعقب الثورات الشرق الأوروبية سنة 1989، وسقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991. فيومها، استوت روسيا وأوكرانيا بلدين مستقلين، ظهرت فكرة "نهاية التاريخ" (أطروحة فرانسيس فوكوياما) في صورة إيمان منحرف، ونضبت الأفكار في مسألة بدائل الديمقراطية، وطبيعة الرأسمالية. وفقد أميركيون كثر خوفهم الطبيعي والتلقائي من الأوليغارشية والإمبراطورية (سواء في بلادهم أم في بلاد غيرهم)، ونسوا الرابط العضوي بين الديمقراطية والالتزام الأخلاقي والشجاعة الجسدية والمادية. وخلط الكلام في الديمقراطية، في أواخر القرن الـ 20، بين المقالة الأخلاقية التي تنسب السلطة إلى الناس، وبين القول الواقعي إن الديمقراطية هي الحال الطبيعية أو حال الدولة المثالية. وسوء الفهم هذا أضعف الديمقراطيات، القديمة والحديثة، وصورها في صورة هشة.

ويجسد النظام الروسي القائم إحدى عواقب الفكرة الخاطئة وزعمها أن الديمقراطية تولد تلقائياً، وأن كل الآراء تستوي في الصلاح. ولو صح ذلك لكانت روسيا بالتأكيد ديمقراطية، كما يزعم بوتين. والحرب في أوكرانيا تمتحن قدرة الاستبداد الذي يزعم أنه ديمقراطية على الانتصار وتعميم فراغه المنطقي والأخلاقي. والذين اعتبروا الديمقراطية أمراً بديهياً ومفروغاً منه كانوا يمشون نحو الاستبداد وهم نوم. أما المقاومة الأوكرانية فهي نداء اليقظة.

الكفاح الحقيقي

وقبل إقدام روسيا على اجتياحها الأخير لأوكرانيا، وكان اليوم أحداً، توقعت في حديث إلى محطة تلفزيونية أميركية أن يبقى زيلينسكي في كييف إذا بدأت روسيا غزوها. وتعرضت حينها للهزء جراء ذاك التوقع، تماماً مثلما حصل عندما تنبأت بالاجتياح الروسي قبله، وبالخطر الذي يتهدد به الرئيس دونالد ترمب على الديمقراطية الأميركية ومحاولته الانقلاب عليها. وخالفني الرأي مستشارون سابقون لترمب، والرئيس باراك أوباما في أثناء محاضرة بجامعة ييل، حيث أدرس. ومواقفهم تلك مرآة الإجماع الأميركي السائد. فالأميركيون يميلون إلى النظر إلى الحرب في أوكرانيا عبر الظل الطاغي والمديد لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) والإخفاقات الأميركية المعنوية والعسكرية التي تلتها. وخشي المسؤولون في إدارة بايدن من أن يؤدي وقوفهم بجانب كييف إلى تكرار مشهد سقوط كابول. أما في أوساط الجيل الشاب واليسار السياسي، فقد ساد قلق أعمق من غياب التفكير الوطني في واقعة اجتياح العراق، وهو سوغ، في ذلك الوقت، بافتراض أن تدمير النظام يفتح صفحة بيضاء، وعلى الصفحة البيضاء هذه، تكتب الديمقراطية على نحو تلقائي وطبيعي. وحماقة هذا الافتراض جعلت جيلاً كاملاً يشكك في إمكان حصول تأثير متبادل، أو علاقة ما، بين الحرب والديمقراطية. وربما كان القلق من أي عمل عسكري مفهوماً ومبرراً، ولكن المقارنة بين العراق وأوكرانيا افتعال سطحي. فالأوكرانيون لم يفرضوا رؤيتهم على بلد آخر، بل يدافعون عن حقهم في اختيار قادتهم بإزاء اجتياح صمم كي يلغي ديمقراطيتهم ويقوض مجتمعهم.

 

 

أما إدارة ترمب فقد بثت أجواء التشكيك بواسطة أسلوب آخر. فحرم ترمب بداية أوكرانيا من الأسلحة وابتز زيلينسكي، ثم أوحى بأن رئيساً أميركياً قد يحاول تنفيذ انقلاب بغية البقاء في السلطة إثر هزيمته انتخابياً. ومشاهدة إخوة في المواطنية يموتون وهم يحاولون تقويض الديمقراطية ليس سوى نقيض لمبدأ المخاطرة بالحياة من أجل صون الديمقراطية وحمايتها. ولو أن الديمقراطية تعلقت فقط بالقوى الوازنة وليس بالأخلاق، لبدت أفعال ترمب منطقية تماماً. وإن كان المرء اعتبر أن الجشع الرأسمالي يتحول تلقائياً إلى فضيلة ديمقراطية، وإن الكذب في مسألة نتائج الانتخابات ليس سوى تعبير عن الرأي كأي موقف آخر، لكان ترمب سياسياً اعتيادياً، بيد أن ذلك يجسد بوقاحة الفكرة التي تشيعها روسيا في العالم اليوم، وتزعم إنه ليس هناك قيم ولا حقيقة.

لقد نسي الأميركيون، إلى حد كبير، أن الديمقراطية قيمة قد يختار مسؤول منتخب – أو مواطن عادي، وللسبب ذاته – العيش أو الموت في سبيلها. واضطلاع زيلينسكي بتحمل المخاطر حول دوره من مجرد لاعب في فضيحة ترمب إلى بطل للديمقراطية. وكان الأميركيون افترضوا أنه (زيلينسكي) يود مغادرة أوكرانيا لأنهم أقنعوا أنفسهم بتفوق العوامل والقوى غير الشخصية على أي بعد آخر، عملاً بالمبدأ التالي، أفضل السيناريوهات هو أن تؤدي هذه القوى (غير الشخصية) إلى قيام الديمقراطية، وإذا لم تفعل رضخ الشعب... "أريد ذخيرة، لا أريد توصيلة" (لإخراجه من البلاد)، جاء رد زيلينسكي على الدعوات الأميركية إلى مغادرة كييف. وقد لا يرقى هذا الكلام ربما إلى بلاغة بريكليس في خطبته، لكنه يبلغ المعنى ذاته: لا شرف في اختيار سبيل مناسب للموت نيابة عن شعب يسعى إلى سبيل قويم للحياة.

وأميركيون كثر على مدى 30 عاماً، اعتبروا من المسلمات أن الديمقراطية أمر قام به آخرون – أو بالأحرى إنها أمر أدى إليه وصنعه شيء آخر: التاريخ مثلاً، من طريق انتهائه (أطروحة "نهاية التاريخ")، والبدائل من خلال اختفائها (أو انتفائها وعدم توافرها)، والرأسمالية بواسطة سحرها غير القابل للتفسير (روسيا والصين هما في نهاية المطاف بلدان رأسماليان). هذه الحقبة انتهت عندما ظهر زيلينسكي في إحدى ليالي فبراير (شباط) ليقدم نفسه قائلاً "الرئيس هنا". وإن اعتقد قائد ما أن الديمقراطية ليست سوى وليدة عوامل عظيمة، دعاه اجتماع العوامل هذه عليه إلى الهرب. ولن يطرح إذ ذاك موضوع المسؤولية، بيد أن الديمقراطية تتطلب "كفاحاً حقيقياً" وصادقاً، على ما قال المناضل الأميركي الحر فريدريك دوغلاس. والمقاومة الأوكرانية، والقوة الساحقة التي أظهرتها، ذكرت العالم من جديد بأن الديمقراطية لا تعني القبول بما يبدو أنه حكم التاريخ، بل تتعلق بصناعة التاريخ، وبالسعي نحو القيم الإنسانية على رغم أثقال الإمبراطورية والأوليغارشية والبروباغندا، وجلاء احتمالات لم تكن ظاهرة من قبل في أثناء هذا السعي.

"العيش في حق"

وحقيقة زيلينسكي البسيطة التي رفعها على الأشهاد حين قال "الرئيس هنا"، أبطلت البروباغندا الروسية التي زعمت أنه غادر المدينة، بيد أن الفيديو المصور في الهواء الطلق، في أثناء تعرض كييف للقصف، أحيا معنى حرية القول والتعبير الذي بدا أنه نسي. وكاتب المسرحيات اليوناني يوريبيديس فهم أن هدف حرية الكلام والتعبير هو قول الحقيقة في حضرة السلطان. فصاحب القول الحر يكشف عن عالم خطر من خلال ما يقوله أولاً، ثم حين يغامر بالكلام. وحين قال زيلينسكي "الرئيس هنا"، فيما القذائف تنهمر على كييف والقتلة يزحفون، كان "يعيش في الحق"، وفق كلمات فاتسلاف هافل، أو "يمضي على الكلام"، بحسب عبارة أحد طلابي في السجن (يلقي الكاتب محاضرات في سجن). المقالة الأشهر التي كتبها فاتسلاف هافل في الموضوع، بعنوان "قوة الضعفاء" (The Power of the Powerless)، أهداها لذكرى الفيلسوف يان باتوشكا (Jan Patocka) الذي مات بعد مدة قصيرة من استجوابه من قبل الشرطة السرية في تشيكوسلوفاكيا الشيوعية. وبوتين، ضابط الـ "كي جي بي" (الاستخبارات السوفياتية) من سنة 1975 حتى 1991، يحاكي التقليد السادي للمستجوبين من طريق بثه مفاهيم من قبيل: لا شيء صحيحاً، لا شيء يستحق التضحية، كل شيء هو مزحة، وكل شخص للبيع، الجبروت يصنع الحق، والمجانين وحدهم يعتقدون العكس، وينبغي أن يدفعوا ثمن جنونهم.

بعد عام 1991، صحبت أفكار حقبة الشيوعية المتأخرة مع فكرة غربية متداعية زعمت أن الديمقراطية لم تنتج إلا من قوى وعوامل غير شخصية. وإذا بدا أن تلك القوى تنحو نحو اتجاهات مختلفة، مثل الأوليغارشية والإمبراطورية (الإمبريالية) على سبيل المثل، فماذا يمكن القول في هذه الحال؟ لكن لا شك في أن تراث كل من يوربيديس وهافل، والآن زيلينسكي، حسم المسألة، ودل على أن القوى الكبرى هي على الدوام ضد الفرد، وأن المواطنية تتحقق عبر المسؤولية التي يتحملها المرء (الفرد) تجاه ما يقوله، وفي المخاطر التي يتحملها إزاء أفعاله. ولا يولد الحق من القوة، بل من التصدي لها. ويجعل هذا حرية القول والتعبير ضرورة ملحة: ليس لتقديم الأعذار والتبريرات، أو للامتثال، بل للتوكيد على القيم، وفرض حضورها في العالم، لأن ذلك يمثل الشرط المسبق للاستقلال بالنفس والسيادة.

 

أولئك الذين اعتبروا الديمقراطية أمراً محسوماً ومفروغاً منه كانوا يمشون نحو الاستبداد وهم نيام

 

غداة سنة 1989، في مرحلة الانحلال والتصدع، ربط مواطنون كثر في الديمقراطيات الأميركية الشمالية والأوروبية بين حرية القول والتعبير وبين قدرة الأغنياء على استغلال الإعلام في بث هراء حياتهم الخاصة وأخبارها. وعندما يفكر المرء بالغاية من حرية القول والتعبير، لا يعير اهتماماً كبيراً لعدد المتابعين الذين يحظى بهم واحد من أفراد الأولغارشية، بل يولي اهتمامه معرفة الطريقة التي غداً فيها ذاك الأوليغارشي أوليغارشياً. وأوليغارشيون، من أمثال بوتين وترمب، يفعلون ما هو خلاف قول الحق في حضرة السلطان. فهم ينطقون بالكذب من أجل السلطة. وجاء ترمب بكذبة كبيرة تتعلق بالانتخابات (حين ادعى فوزه). وجاء بوتين بكذبة كبيرة في حق أوكرانيا (حين زعم أنها غير موجودة). ومن الشائن جداً أن يؤدي المنطق التاريخي البوتيني والملفق حول أوروبا الشرقية، وهو أحد مسوغات حربه، إلى استدعاء فكرة حرية التعبير. وحين يزعم واحد من أغنى أغنياء العالم، وفي إمرته جيش ضخم، أن بلداً جاراً له غير موجود، فإن ذلك ليس مجرد مثال على حرية التعبير، بل هو خطاب كراهية "إبادي" (من إبادة)، ونمط سلوك ينبغي مقاومته بأنماط فعل مختلفة.

ففي مقالة نشرت في شهر يوليو (تموز) 2021، كتب بوتين أن حوادث حصلت في القرن العاشر حددت سلفاً وحدة أوكرانيا وروسيا. فهذا تاريخ مشوه، والإبداع البشري الوحيد المسموح به، وفق هذا المنطق، في ألف سنة بذلت في أثنائها أرواح مئات ملايين البشر، هو ما افترضه أحد الطغاة في يوم من الأيام، ويقوم طاغية آخر، بمفعول رجعي وعشوائي، باختياره كي يكون نسبه في السلطة. والأمم لا تحدد أو توجب على هذا النحو من خلال أسطورة رسمية، بل هي تنشأ عن يد الشعب الذي يصل الماضي والحاضر. وكما قال المؤرخ الفرنسي إرنست رينان الأمة "استفتاء يومي". وكان المؤرخ الألماني فرانك غولتشيفسكي محقاً في قوله إن الهوية القومية ليست انعكاساً لـ "إثنية ولغة ودين" بل هي "تأكيد لاحتمالات تاريخية وسياسية معينة". ويمكن قول شيء مشابه في الديمقراطية: فهي لا تتحقق إلا عن يد شعب أرادها فعلاً، وباسم القيم التي يثبتها هذا الشعب بتحمله المخاطر في سبيلها.

والأمة الأوكرانية قائمة. فنتائج الاستفتاء اليومي (الذي تحدث عنه رينان) واضحة، والكفاح الحقيقي الصادق، جلي. ولا ينبغي لأي مجتمع أن يضطر لمقاومة اجتياح مثل الاجتياح الروسي كي يحظى بالاعتراف. وما كان ينبغي أن يموت عشرات الصحافيين كي نرى بأم العين الحقائق البديهية والأساسية التي كانوا يحاولون نقلها قبل الاجتياح الروسي وخلاله. وحقيقة تطلب الأمر كل هذه الجهود (وكل هذا الدم المراق عبثاً) كي يأخذ الغرب أوكرانيا في عين الاعتبار، تكشف عن التحديات التي تطرحها العدمية الروسية على عالمنا اليوم. وهي تظهر مدى اقترب الغرب من التنازل عن تقاليد الديمقراطية.

أكاذيب كبرى

فإذا نسينا أن هدف حرية التعبير هو قول الحقيقة في حضرة السلطان، فشلنا في فهم أن الأكاذيب الكبيرة التي يتفوه بها متسلطون، تضعف الديمقراطية. ونظام بوتين يمثل على هذا الأمر بوضوح، إذ يدير السياسة على تلفيق متخيل وقح. وصراحة روسيا، وفق هذا المنطق، تعرب عن قبولها انتفاء حقيقة أصلاً. وروسيا، على خلاف الغرب، تتجنب النفاق من طريق استبعاد جميع القيم منذ البداية. فبوتين يحتفظ بالسلطة عبر نمط من النسبية الاستراتيجية: ليس عبر جعل بلده أفضل، بل من خلال جعل البلدان الأخرى في حال أسوأ. وذاك، في بعض الأحيان، يعني العمل على زعزعة أوضاع تلك البلدان – فروسيا أخفقت، مثلاً، في التدخل في انتخابات أوكرانيا سنة 2014، فعوضت بدعمها الرقمي الناجح لـ "بركسيت" في المملكة المتحدة سنة 2016، ودعمها الرقمي الناجح لترمب سنة 2016.

هذا النظام الفلسفي يمكن بوتين من الفعل ويمكنه من حماية نفسه. ففي الإمكان إعلام الروس، في مرحلة من المراحل، بأن أوكرانيا هي مركز العالم، ومرة أخرى أن سوريا هي مركز العالم، ومن جديد أن أوكرانيا هي مركز العالم، كما يمكن إعلامهم أنه عندما تدخل جيشهم في أوكرانيا أو سوريا، كان الطرف الآخر يباشر قتل شعبه. ويمكن القول للروس، في يوم من الأيام، إن الحرب في أوكرانيا مستحيلة، وإخبارهم في اليوم التالي أن الحرب في أوكرانيا حتمية ولا يمكن تلافيها، كما حصل في فبراير (شباط) الماضي. ويمكن إبلاغ الروس أن الأوكرانيين في الحقيقة ليسوا سوى روس يودون أن يغزوا، وأنهم نازيون شيطانيون ينبغي إبادتهم. هكذا هو بوتين، لا يمكن حشره في زاوية. والقوة الروسية، بحسبه، تعادل السيطرة على نظام إعلامي مغلق، يمكنه عبره ببساطة إعلان النصر وتبديل الموضوع. وإذا خسرت روسيا الحرب على أوكرانيا وسع بوتين ببساطة الزعم أنه انتصر، ويصدقه الروس أو يتظاهرون بذلك.

ويقتضي دوام هكذا نظام واستمراره، القضاء بالعنف على الفكرة القائلة إن الديمقراطية تعتمد على جرأة الجهر بالحقيقة، إذا تعذرت السخرية منها واستبعادها. ويشرح مهندسو البروباغندا في الكرملين، مساءً بعد مساء، عبر شاشات التلفزة بأنه من غير الممكن وجود شخص مثل زيلينسكي، وأمة مثل أوكرانيا، أو نظام كالديمقراطية. فالحكم الذاتي والسيادة هما مزحة من غير شك، وأوكرانيا هي مزحة من دون شك كذلك، وزيلينسكي لا بد أن يكون مزحة بدوره. وإن لم يفعلوا ذلك تسقط سردية الكرملين وزعمها تفوق روسيا لأنها تقر بعدم صوابية أي شيء، وتتناثر هباءً. وإذا وسع الأوكرانيين بناء مجتمع، واختيار قادتهم بالفعل، فلماذا لا يسع الروس أن يفعلوا الأمر ذاته؟

يجب ردع الروس عن مثل هذه الأفكار التي تبث عن أوكرانيا عبر مزاعم مقيتة بقدر ما هي غير حقيقية. فبروباغندا الحرب الروسية المتعلقة بأوكرانيا تتعمد الكذب، وتبرع فيه وتوغل، وهدفها جعل الكذب الفاضح يبدو عادياً، وإرهاق طاقة البشر، وحملهم على ألا يلاحظوا الفوارق والتخلي عن أحاسيسهم. وعندما تقوم روسيا بقتل الأسرى الأوكرانيين جماعياً، وتلوم أوكرانيا على ذلك، فهي لا تدعي انحيازاً إلى الحقيقة، بل هي تحاول فقط استدراج الصحافيين الغربيين إلى تغطية أخبار كل أطراف النزاع على نحو واحد، فتتجاهل الحقائق غير العصية على الكشف. ويرمي هذا إلى تصوير الحرب برمتها في صورة مبهمة وقذرة. وإلى ثني الغرب عن الانخراط فيها. وحين يصف الفاشيون الروس الأوكرانيين بـ "الفاشيين"، فهم يؤدون هذه اللعبة على أكمل وجه، وينضم إليهم كثيرون غيرهم. ومن السخف اعتبار زيلينسكي جزءاً من مؤامرة يهودية عالمية وجزءاً من مؤامرة نازية في آن واحد، والبروباغندا الروسية تشيع هذين الزعمين معاً. وهي تسعى في بث هذا العبث.

الديمقراطية وبناء الدولة يعتمدان على قدرة الأفراد على تقويم العالم بأنفسهم، وتحمل مخاطر غير متوقعة. أما تقويضهما (الديمقراطية والدولة) فيتوسل بالتشبث بأكاذيب كبرى لا يخفى أنها أكاذيب. وطرح زيلينسكي هذه الفكرة في إحدى خطبه المسائية، في شهر مارس (آذار) الماضي، فقال حاجة الأكاذيب إلى عنف لا تأتي من قدرة العنف على جعل الأكاذيب حقيقة، بل لأن في مقدور العنف قتل أو إذلال الناس الذين لديهم الجرأة على قول الحق في وجه القوة. وكما لاحظ المفكر الروسي مخائيل باختين العيش داخل الكذبة يحولنا إلى أداة بيد آخرين. وأن يقتل المرء أو يموت داخل كذبة أمر أسوأ، ويمكن أنظمة كالنظام الروسي من تجديد نفسها. والقتل من أجل أكاذيب له انعكاسات جيلية بالنسبة لروسيا تتجاوز حتى عشرات الآلاف الذين قتلوا، والمواطنين الشبان الذين شوهتهم الحرب. وثمة جيل روسي سابق يجبر بالقوة جيلاً أصغر سناً منه على فعل ما يريد. ويحول هذا المسرح السياسي إلى أرض زلقة تغمرها الدماء فيعجز الجيل (الأصغر) كلياً عن التقدم، فيما يحتفظ الجيل الأقدم بمواقعه (امتيازاته وسلطته) إلى أن يموت. إلا أن أوكرانيا باتت تحكم من قبل جيل اعتاد اختيار وانتخاب قادته، وهذه تجربة لم يختبرها الروس أبداً. بهذا المعنى فإن الحرب تبدو جيلية أيضاً (أي بين أجيال). فعنفها بكل أشكاله يهدف إلى القضاء على المستقبل الأوكراني. والإعلام الرسمي الروسي، أعرب مراراً وتكراراً، عن تطلعات موسكو الإبادية بوضوح وصراحة. ويقدم الروس في الأراضي والمناطق المحتلة على إعدام المواطنين الأوكرانيين الذكور، أو يجبرونهم على الذهاب إلى جبهات القتال والموت هناك. ويغتصب الروس النساء الأوكرانيات ليقضوا على أمانيهن في إنجاب الأطفال. والملايين من الأوكرانيين الذي نقلوا بالقوة إلى روسيا، وكثيرون منهم نساء برفقة أطفالهن أو نساء بعمر الإنجاب، مضطرون إلى قبول ما يدركون أنه غلط، لتلافي السجن والتعذيب. وثمة أمر آخر أقل مأسوية في هذا السياق، لكنه حساس جداً، وهو تعمد روسيا تدمير الوثائق، والمكتبات، والجامعات، ودور النشر الأوكرانية. فالحرب لا تخاض فقط للسيطرة على الأراضي، بل تخاض كذلك في سبيل السيطرة على الأرحام والعقول – أي، بعبارة أخرى، على المستقبل.

وتجسد روسيا الفاشية على رغم زعمها أنها تقاتلها. ويرتكب الروس عمليات الإبادة فيما يدعون أنهم يتجنبونها. وهذه البروباغندا ليست من غير تأثير. ودعوى موسكو محاربة النازيين لا تسهم إلا في حرف انتباه مراقبين كثر عن فاشية نظام بوتين. وقبل أن يقوم الأميركيون الشماليون والأوروبيون بالثناء على أنفسهم لانتصارهم في معركة السرديات، عليهم أن ينظروا إلى جنوب العالم. ففي الجنوب تسود رواية بوتين عن الحرب، على رغم تكبد الآسيويين والأفارقة الثمن الرهيب للحرب التي اختارها الرئيس الروسي.

الجوع والخيال

وتمول ماكينة البروباغندا البوتينية، مثل باقي قطاعات نظام بوتين، من عائدات صادرات النفط والغاز. والنظام الروسي الراهن، على هذا، يرهن نفسه بعالم لم ينجز بعد انتقاله إلى الاعتماد على الطاقة المستدامة. وفي هذا الضوء تفهم حرب روسيا على أوكرانيا لمحة أو صورة عما يبدو عليه العالم في ظل التحول المناخي الفالت من عقاله: حروب نزقة يشنها أوليغارشيو نفط وغاز دجالون، وعنف عرقي بدل السعي إلى نجاة البشرية جمعاء بواسطة التكنولوجيا، شح وقحط في معظم العالم، وكوارث في أجزاء من بلدان الجنوب.

ويرافق، في التاريخ الأوكراني، الخيال السياسي القحط السياسي. وعندما نفذ ستالين في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، ما سماه "الاستعمار الداخلي" للاتحاد السوفياتي، كان الرهان كبيراً على الأراضي الأوكرانية الخصبة. وعندما باءت خطته "حملة الزراعة الجماعية" بالفشل، وجه ستالين اللوم للائحة طويلة من كباش الفداء المعروفين سلفاً، وأولهم الشيوعيون الأوكرانيون، ومن بعدهم قوميون أوكرانيون متخيلون افترض ستالين أن الشيوعيين خدموا مصالحهم، ثم عملاء بولنديون متخيلون افترض أن القوميين خدموا مصالحهم. وفي الأثناء فرض المكتب السياسي (للحزب الشيوعي السوفياتي) مصادرة الأراضي، وغيرها من التدابير العقابية التي حتمت موت قرابة أربعة ملايين نفس من الأوكرانيين. ومن كانوا خارج البلاد آنذاك، وحاولوا تنظيم عمليات إغاثة، ومن بينهم المناضلة النسوية الأوكرانية ميلينا رودنيتسكا، وصادف أنها يهودية الأصل، اعتبروا نازيين. ولائحة الأعداء المتخيلين سنة 1933 تشبه إلى حد مذهل لائحة أعداء اليوم التي وضعتها روسيا.

وثمة نمط تاريخي عام، تذرع به الروس لتبرير استغلال خيرات الأرض الأوكرانية بواسطة تخيلات وأوهام عن الأرض والشعب. وفي الأزمنة القديمة تخيل اليونانيون وحوشاً ومعجزات في الأراضي التي هي اليوم أوكرانيا. وفي عصر النهضة، سخر النبلاء البولنديون الفلاحين الأوكرانيين، وابتكروا أسطورة تفوق عرقي. وبعد أن انتزعت الإمبراطورية الروسية مناطق أوكرانية من بولندا المقسمة، انتحل مثقفو الإمبراطورية (الروسية) رواية زعمت أن الإقليمين كانا أرضاً واحدة، وهي كذبة جدد بوتين استخدامها في مقالة له العام الماضي. ونسخ أوهام ستالين – وأوهام هتلر، لهذه الغاية. فأوكرانيا صورت المركز في خريطة أطماع نازية، وافترض أن الاستيلاء على المزارع الجماعية التي أنشأها ستالين هو خطوة أولى في مخطط تشغيلها لإطعام ألمانيا ومناطق أوروبية أخرى، وإلحاق الجوع بعشرات ملايين المواطنين السوفيات. وفيما حارب النازيون للسيطرة على مصادر الغذاء الأوكرانية، اعتبروا الأوكرانيين شعباً مستعمراً بسيطاً سيسعده العيش تحت حكم من يفوقونه حضارة. وهذه فكرة بوتين أيضاً.

ويبدو أن لبوتين أيضاً خطة تجويع خاصة به. فأوكرانيا هي أحد أهم مصدري المنتجات الزراعية في العالم. فحاصرت البحرية الروسية المرافئ الأوكرانية في البحر الأسود، وأضرم الجنود الروس النار في الحقول الأوكرانية، واستهدفت المدفعية الروسية إهراءات الحبوب، وشبكة القطارات التي تتولى نقل الحبوب إلى المرافئ. ومثل ستالين سنة 1933، تقصدت إجراءات بوتين تعريض ملايين الناس لخطر الجوع. فلبنان يعتمد اعتماداً كبيراً على الحبوب الأوكرانية، كذلك إثيوبيا، واليمن، وبلدان الساحل الضعيفة. وانتشار الجوع لا يرتبط فقط بحبس الأغذية الأوكرانية عن الأسواق العالمية الاعتيادية. فتوقع شح البضائع والمنتجات بدوره يرفع أسعار الغذاء في كل مكان. ويتوقع في هذا الإطار أن يقوم الصينيون بخزن الأغذية، فيرفع الإجراء الأسعار فوق ارتفاعها الأول. ويعاني فقراء العالم وضعفاؤه. والمسألة هي أنه عندما يموت الذين لا صوت لهم يختار من يحكمون المشهد القاتل معنى موتهم. وهذا ما قد يفعله بوتين.

 

إنجاز نصر أوكراني يمنح الديمقراطية نفحة هواء منعشة

 

وبينما أسدل ستالين على المجاعة الأوكرانية في الثلاثينيات ستارة البروباغندا، يقوم بوتين باستخدام الجوع نفسه كبروباغندا. وعلى مدى أشهر ماضية حمل مهندسو البروباغندا الروس أوكرانيا مسؤولية المجاعة التي يلوح شبحها في الأفق. وهول إخبار الأفارقة والآسيويين الضعفاء بهكذا كذبة أسهل للفهم في ضوء نظام بوتين العنصري وعقليته الاستعمارية. فهذا نظام في نهاية المطاف سمح بعرض صورة لـ أوباما يضاجع موزة على جدار سفارة الولايات المتحدة في موسكو، كما أطلق إعلامه على السنة الأخيرة من مدة رئاسة أوباما اسم "سنة القرد" (the year of the monkey). وبوتين كأمثاله من القوميين البيض الآخرين مهجوس بالديموغرافيا، ويخشى أن يتراجع عدد أبناء عرقه.

وكانت الحرب احتسبت العرق في عداد عناصرها. وبعض الجنود الروس الأوائل الذين قتلوا في المعركة كانوا من إثنية آسيوية من شرق روسيا، وكثيرون من الذين قتلوا مذاك كانوا من الأوكرانيين المجندين قسراً في منطقة دونباس. والنساء والأطفال الأوكرانيون الذين رحلوا إلى روسيا، رحلوا لأنهم افترضوا قابلين للاستيعاب والدمج، ويمكنهم تعزيز أعداد الروس البيض. فتجويع الأفارقة والآسيويين، في هذا الإطار ووفق رؤية بوتين، إنما هو وسيلة لنقل الضغط الديموغرافي إلى أوروبا من طريق موجة لاجئين ينزحون جراء الجوع. واتبع القصف الروسي للمدنيين السوريين المنطق نفسه.

فلا شيء يخفى في خطة التجويع هذه. وفي منتدى الاقتصاد العالمي الذي انعقد بمدينة سان بطرسبورغ في يونيو (حزيران) 2022، قالت مارغريتا سيمونيان، رئيسة تحرير شبكة "آر تي" (RT) التي تشرف عليها الحكومة الروسية، إن "كل آمالنا معلقة على المجاعة". وخبيرة البروباغندا هذه ترى أن دور تجويع الأفارقة والآسيويين هو خلق خلفية للبروباغندا. وحين يموت الأفارقة والآسيويون الجائعون، يلقى اللوم عن موتهم على الأوكرانيين. وقد ينجح الأمر أو لا ينجح. فأوهام الماضي حول أوكرانيا وخيراتها الغذائية صدقها أناس نافذون. وللبروباغندا الروسية اليوم نفوذ في بلدان الجنوب. وروسيا معروفة جداً في أنحاء كثيرة من أفريقيا، على خلاف أوكرانيا. وقلة من القادة الأفارقة عارضوا علناً حرب بوتين، وبعضهم ربما أقنع بترديد مواقف الرئيس الروسي وآرائه السياسية. ومن غير المعروف على نحو واسع في دول الجنوب أن أوكرانيا مصدر أساسي للغذاء – كما من غير المعروف أنها بلد فقير بناتج محلي إجمالي للفرد يقارب ناتج البلدان التي تطعمها، كمصر والجزائر.

وعلى رغم ذلك ثمة أسباب تدعو إلى الأمل، فالأوكرانيون عمدوا منذ مدة إلى نقل حقيقة موقفهم، وشرحه للناس في بلدان الجنوب. فتسنى لهم إيضاح حقيقة خطة التجويع الروسية، وإجراءات تجنبها. ومع تسلم أوكرانيا من الولايات المتحدة وأوروبا أسلحة أفضل، تراجعت السيطرة الروسية على البحر الأسود. وفي شهر يوليو (تموز) وقعت كل من أوكرانيا وروسيا اتفاقية مع تركيا تنص على السماح للحبوب الأوكرانية بمغادرة مرافئ البحر الأسود وتموين الأفارقة والآسيويين، ولكن بعد يوم واحد على توقيع تلك الاتفاقية أطلقت روسيا صواريخ على مرفأ أوديسا الذي تشحن منه أوكرانيا كميات كبيرة من قمحها. وبعد أيام قليلة من ذلك قتلت روسيا رجل الأعمال الزراعية الأوكراني الأبرز بهجوم صاروخي، لذا فالطريقة الموثوقة الوحيدة لإطعام العالم هو بالقتال الذي يخوضه الجنود الأوكرانيون في طريقهم عبر إقليم خيرسون نحو البحر الأسود ونحو النصر.


الحرب الإمبريالية الأخيرة

تخوض أوكرانيا الحرب بمواجهة استبداد هو أيضاً قوة إستعمارية. وليس معنى الحكم الذاتي والاستقلال الدفاع عن المبدأ الديمقراطي في اختيار الحكام، بل هو يعني كذلك احترام مبدأ المساواة بين الدول. وكان القادة الروس واضحين في قولهم إنهم لا يرون السيادة إلا في بعض الدول، وإن أوكرانيا ليست أكثر من مستعمرة. ويدافع النصر الأوكراني عن السيادة الأوكرانية على وجه الخصوص، وعن مبدأ السيادة عموماً. وهو يحسن فرص واحتمالات دول أخرى من دول ما بعد الاستعمار. وكان الاقتصادي آمارتيا سين لاحظ أن المجاعات الإمبريالية تنتج من خيارات توزيع سياسية، وليس من نقص في الأغذية. وإذا انتصرت أوكرانيا في الحرب، استأنفت تصدير منتجاتها الغذائية إلى بلدان الجنوب. ويترتب على إبعاد خطر المعاناة والاضطراب الكبير عن دول الجنوب، محافظة أوكرانيا المنتصرة على إمكان التعاون الدولي على مسائل مشتركة مثل التحول المناخي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإنه لأمر جوهري، من وجهة نظر أوروبا، أن تنتصر أوكرانيا وتنهزم روسيا. فالاتحاد الأوروبي مجموعة من الدول الما بعد إمبريالية. وبعضها أقطاب إمبريالية سابقة، وبعضها الآخر أطراف ما بعد إمبريالية. ويفهم الأوكرانيون أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سبيل إلى ضمان سلامة دولتهم، وإنقاذها من موقعها الطرفي الهش. والنصر الأوكراني ينطوي على احتمال عضوية الاتحاد الأوروبي. ويفهم كثير من الروس، ولأسباب مشابهة، أنه ينبغي إلحاق هزيمة بروسيا. والدول الأوروبية التي تفتخر اليوم بتقاليدها كدول تسامح وانفتاح تحترم القانون، لم تصبح ديمقراطية بالفعل إلا حين خسرت آخر حروبها الإمبريالية. وروسيا التي تشن حرباً إمبريالية في أوكرانيا لن يكون في وسعها تبني مبدأ سيادة القانون. وروسيا التي تسيطر على أراض أوكرانية لن تسمح أبداً بانتخابات حرة. أما روسيا التي تخسر مثل هذه الحرب، ولا يبقى من البوتينية فيها غير إرث سلبي، فتملك فرصة تحررها من هذا الإرث. وعلى رغم مزاعم وادعاءات البروباغندا الروسية، تخسر روسيا الحروب في معظم الأحيان، وكل حقبة إصلاح في التاريخ الروسي الحديث جاءت في أعقاب هزيمة عسكرية.

على أن الانتصار الأوكراني يبقى مقدمة ضرورية لتلافي مزيد من الموت والفظائع في أوكرانيا. ونتيجة هذه الحرب مهمة بالنسبة إلى العالم بأسره، ليس من الناحية المادية المتمثلة بالآلام والجوع وحدها، بل من ناحية القيم، وهذا قد يفتح المجال لعقود مستقبلية محتملة في ظلها. وتذكرنا المقاومة الأوكرانية اليوم بأن الديمقراطية تقوم على المخاطرة والمبادئ الإنسانية، والنصر الأوكراني سيمد الديمقراطية بنفحة هواء منعشة. والرمح الأوكراني الثلاثي الرؤوس الذي يزين بذلات الأوكرانيين في ميادين القتال، يرجع إلى تقاليد البلاد وتاريخها القديم، ويستحضر مراجع يمكن استخدامها لإعادة التفكر في الديمقراطية وإحيائها.

أثينا وبوسييدون يمكن استعادتهما معاً في هذا السياق. وأثينا في نهاية المطاف، لم تكن إلهة العدالة وحسب، بل كانت كذلك ربة الحرب العادلة. وبوسييدون لم يعن في فكرته، العنف فقط، بل دل على التجارة. واختار الأثينيون الإلهة أثينا شفيعة لهم، لكنهم، إلى ذلك، بنوا نافورة لـ بوسييدون في الأكروبول – تماماً في الموضع الذي غرس فيه، بحسب الأسطورة، رمحه. والنصر الأوكراني هو سند لهذه القيم ويعيد جمعها واستحضارها. إنها قيم أثينا المتعلقة بالشورى والازدهار، وقيم بوسييدون المتعلقة بالحزم والتجارة. إن استطاعت أوكرانيا استعادة جنوبها، فستنتعش تلك الخطوط البحرية التي أطعمت اليونانيين القدماء، ويستنير العالم بالمثال الأوكراني الذي لم يتردد في مواجهة المخاطر في سبيل السيادة. وتحتاج شجرة الزيتون، في النهاية، إلى رمح. والسلام لن يأتي إلا بعد النصر. وقد يحظى العالم بغصن زيتون، على شرط أن يتمكن الأوكرانيون من القتال، ويمضوا في طريقهم لبلوغ البحر مرة أخرى.

*تيموثي شنايدر أستاذ كرسي ريتشارد س. ليفين في التاريخ والقضايا الدولية بجامعة ييل، ومؤلف كتابي "بلدان الدم" Bloodlands و"في الاستبداد" On Tyranny

مترجم عن فورين أفيرز، سبتمبر (أيلول)/ أكتوبر (تشرين الأول) 2022

المزيد من آراء