Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشكلة مع المسيحيين الإنجيليين الذين يدعون أنهم يهود في أميركا

في مطلع 2022 قامت مجموعة من أعضاء الحزب الجمهوري وعضو في الحزب الديمقراطي بإنشاء "التجمع لإعلاء القيم التوراتية" علماً أن أي من هؤلاء لا ينتمي إلى الدين اليهودي. وادعت المؤسسة أنها تعنى بمحاربة معاداة السامية والدفاع عن مصالح دولة إسرائيل.

ينفخ ببوق الـ"شوفار" في يوم الغفران وفي عيد رأس السنة اليهودي (آي ستوك)

أمس على موقع "تويتر"، قامت كاتبة أميركية بتقديم تهانيها لليهود والمسيحيين الذين يحتفلون هذا الأسبوع بحلول عيد رأس السنة اليهودية Rosh Hashanah. الكاتبة قامت بعد ذلك بالإعلان لمتابعيها بأن يوم رأس السنة اليهودي سيحل مع ظهور أول خيط من القمر الجديد الذي يمكن رصده في إسرائيل.

كثير من المواطنين اليهود (ومن ضمنهم كاتب هذه السطور) ردوا عليها، وطبعاً بشكل مؤدب جداً، بأن ما قالته سخيف. فرأس السنة، مثله مثل كل الأعياد اليهودية، يبدأ عند غياب شمس نهار اليوم بغض النظر عن المكان الجغرافي، فهذه الطقوس والممارسات اليهودية قد تكونت ومن دون مبالغة خلال ألفية من الزمن أمضاها اليهود في الشتات، لكن الكاتبة لم تقتنع بهذا الكلام، وضاعفت من إصرارها إلى حد تأكيدها أنها تتعرض للتنمر وقامت بحظر حسابات اليهود الذين تجادلوا معها من متابعة تغريداتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مواقع التواصل الاجتماعي هي مواقع التواصل الاجتماعي، ويمكنكم العثور فيها على أناس يقولون كثيراً من الأمور الغبية، وذلك من دون أن يتحملوا أي أعباء أو مسؤولية نتيجة ذلك، ولكن هذه الحادثة ليست الأولى في نوعها. المسيحيون ــ وتحديداً المنتمون إلى التيار الإنجيلي المتشدد في الولايات المتحدة الأميركية ــ قد أصبحوا أكثر فأكثر عنفاً في محاولة الاستئثار بالتقاليد اليهودية، ونسبوها إلى تقاليد دينهم، كما أصبحوا أكثر إصراراً في تعيين أنفسهم حكاماً يمكنهم الفصل بما يشكل الهوية اليهودية من عدمه. ومن خلال تصرفاتهم هذه، يقومون بتهميش المواطنين اليهود الذين يعيشون في البيئة نفسها، كما يسعون إلى إعفاء أنفسهم من أي شعور بالذنب تجاه السياسات التي اعتمدوها على رغم معاداتها للسامية، ومن أي تمييز ارتكبوه بحق هؤلاء في الماضي والحاضر.

الأمثلة كثيرة جداً على قيام بعض المسيحيين بلف أنفسهم بعباءة الهوية اليهودية، حتى إن بعض المسيحيين المنتمين للتيار اليميني المتشدد عكفوا على نفخ بوق "شوفار" shofars [وهو آلة مصنوعة من قرن الكبش] في التجمعات المسيحية، بعد أن كان يتم النفخ فيه فقط عندما تحل الأيام المقدسة لدى اليهود مثل عيد رأس السنة، ويوم الغفران Yom Kippur. أما الأبواق المسيحية [المستحدثة] فهي تكون أكبر عموماً من البوق اليهودي، كما يتم لفها بقماش ملون بالأحمر والأزرق والأبيض. وهكذا يكون المسيحيون [المتطرفون] قد استولوا على رمز أحد الطقوس اليهودية المتصلة بالدعوة للتكفير عن الذنوب، وحولوه إلى أداة لدعوة المحاربين إلى المعركة من أجل أميركا مسيحية.

بعض المسيحيين [المتشددين] يعتقدون أيضاً أن عيد رأس السنة اليهودي، هو التاريخ الذي ستقوم فيه القيامة the Rapture، وذلك هو اليوم الذي سينقل خلاله المسيحيون المؤمنون جسدياً إلى الجنة، وعندما تحل ساعة الآخرة، أي عندما سيكون على اليهود أن يختاروا إما أن يعتنقوا المسيحية [وينجوا] أو أن يكون مصيرهم جهنم.   

كيهودي علماني وملحد، مثلي مثل والدي وجدي من قبله، أنا شخصياً لا أشعر بالإهانة بسبب هذا الكفر، لكن عملية استيلاء المسيحيين [المتطرفين] على الأعياد اليهودية هي جزء من مسار أوسع في الاستيلاء على الهوية اليهودية لأسباب سياسية مريبة للغاية.

في يناير (كانون الثاني) الماضي، قامت مجموعة من أعضاء الحزب الجمهوري وعضو في الحزب الديمقراطي من المحافظين بإنشاء "التجمع لإعلاء القيم التوراتية" Caucus for the Advancement of Torah Values، علماً أن أي من هؤلاء لا ينتمي إلى الدين اليهودي. وادعت المؤسسة أنها تكرس عملها لمحاربة معاداة السامية والدفاع عن مصالح دولة إسرائيل، لكن أن مجرد اختيار مجموعة من الأشخاص من غير اليهود الادعاء بأنهم يمثلون القيم اليهودية قد يكون نوعاً من أنواع معاداة السامية بحد ذاته. فهناك عدد كبير من أعضاء الكونغرس اليهود، وإذا لم تنجح تلك المؤسسة في إقناع أي منهم بالمشاركة في ذلك التجمع شبه اليهودي، فعلى الأقل كان حرياً بهؤلاء أن يظهروا بعض التواضع.

كان الرئيس السابق دونالد ترمب يحب أن يتبوأ مكانة حامي اليهود من دون أن يعينه أي أحد. ففي عام 2019، كان ترمب قد ادعى أن أياً من المواطنين اليهود الذين يدلون بأصواتهم لصالح الحزب الديمقراطي يظهرون "إما جهلاً كاملاً بالحقائق، أو عدم الوفاء بشكل كبير".

كان ادعاء ترمب هذا يستند إلى واقع أنه كان مناصراً متحمساً لإسرائيل، وخصوصاً كان ترمب نصيراً لبنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة اليمينية الإسرائيلية السابق، لكن المواطنين اليهود الأميركيين في الولايات المتحدة ليسوا مواطنين إسرائيليين، فهم أميركيون. وفيما يبقى نحو ثمانين في المئة منهم متعاطفين مع إسرائيل، وسبعون في المئة من هؤلاء يصوتون عادة لصالح الديمقراطيين، وكان هؤلاء منقسمين بالتساوي بين مؤيد لنتنياهو ومعارض له عندما كان على رأس السلطة في إسرائيل.

في كل الأحوال، فالمسألة لا تعود إلى رئيس أميركي مسيحي أن ينال من اليهود بشكل يعادي السامية وينعتهم بعدم الوفاء إن هم اختاروا عدم الاعتراف به وبحزبه بوصفه الضامن للهوية اليهودية، ناهيك إضافة عن أن يكون للمسيحيين الحق في اعتباري غير يهودي لأنني أدعم حقوق الفلسطينيين واعتباري أن السياسة الإسرائيلية تجاههم قاسية وغير إنسانية.

إن اتباع التيار اليميني الإنجيلي يجيش الهوية اليهودية لتبرير سياساته الدولية في الشرق الأوسط. وهؤلاء أيضاً يعملون على تطويع الهوية اليهودية لتبرير وجود السلطة الدينية المسيحية في بلادهم. اليمينيون المتطرفون المسيحيين يعشقون الحديث عن "القيم اليهودية المسيحية المشتركة" Judeo-Christian values، بوصفها القيم التي تشكل أساس الحضارة الغربية، كما يسود اعتقاد أن تلك القيم ليست طائفية، لأنها تشمل اليهود والمسيحيين معاً.

لكن في الواقع، إن السياسات التي يسعى هؤلاء اليمينيون المتطرفون الترويج لها، أي أبناء العرق الأبيض والإنجيلي من أتباع القيم اليهودية - المسيحية غالباً ما تعمل على تهميش واستهداف اليهود. إن إرغام المرأة الحامل على الولادة لطالما روج له كأساس للقيم اليهودية المسيحية التي ينتهجها اليمين المتطرف، لكن منع الإجهاض في أغلب الحالات هو أمر لا يتوافق مع أغلب العادات اليهودية، لذلك فإن "القيم اليهودية المسيحية" يتم استخدامها هنا لإخضاع المرأة اليهودية وفرض القوانين الدينية المسيحية المتعصبة عليهن بواسطة الدولة. إذاً فإن الهوية اليهودية يتم استخدامها سلاحاً من قبل المسيحيين ضد المواطنين اليهود.

لدى المسيحيين تاريخ طويل وحافل بالعنف والاضطهاد، والتعذيب وقتل الشعب اليهودي وبأعداد كبيرة وصادمة، ذلك الاضطهاد والعنف هو أقل حالياً في الولايات المتحدة مقارنة بفترات وأماكن أخرى، لكنه لم ينته تماماً. واليهود هم الأكثر معرفة، وبشكل عام بالعنف الذي يتم ارتكابه بحق المواطنين اليهود. الإنصات للأصوات اليهودية التي تحتج على معادة السامية والتهميش أمر مهم إن كنت ممن يسعون إلى احتواء معاداة السامية ومحاربتها. وهذا صحيح حتى ولو، وبالطبع، قد يكون لأشخاص يهود آراء مختلفة عما يعتبر معاداة للسامية، وربما يختلفون في تقييمهم لبعض الحالات الخاصة، لكن ماذا سيحدث عندما يقوم المسيحيون في تشريع الحق لأنفسهم بتقديم تعريف لليهودية والحديث باسمها؟ أنا متأكد مثلاً أن بعض المسيحيين سيقرؤون هذا المقال ويقولون "حسناً، إن الكاتب هو ملحد، ولذلك لا يمكن احتساب أنه يهودي ــ وأما أنا فمسيحي ممن يحتفلون بعيد رأس السنة اليهودية، فإذاً أنا يهودي أكثر منه"، ولكن لو أن كل من هم ليسوا من أبناء الديانة اليهودية هم في وضع يحق لهم من خلاله الاختيار مَنْ مِن الأصوات اليهودية يمكن اعتبارهم مهمين، أو من هو اليهودي الحقيقي مقارنة بمن ليسوا يهوداً، فهم من دون شك سيكونون في موقف يؤهلهم للقول متى يمكن احتساب معاداة السامية كأمر مهم أيضاً من عدمه. فهم في وضع حالياً يقررون من خلاله أن بعض "اليهود الكاذبين" fake Jews ربما يستحقون أن يكونوا هدفاً للتمييز أو الاعتداء العنيف لأنهم ليسوا يهوداً بشكل كاف.

إن مسألة الهوية أمر معقد، والهوية اليهودية ــ والمتصلة بالديانة، والعرق، والإرث والتاريخ والاضطهاد وأكثر من ذلك ــ هو أمر معقد مثله مثل أي أمر آخر، لكن ذلك لا يعني أن المجتمعات المسيحية يمكنها الاستحواذ عليها لنفسها.

إذا كان المسيحيون يودون التكفير عن ذنوبهم خلال الأيام المقدسة لدى اليهود، فيمكنهم في حينه أن يبدأوا في مراجعة مسألة أنهم وتاريخياً، وليس اليهود أنفسهم، لم يكونوا سوى مجرد مضطهدين لليهود. في ذلك السياق، عندما يقوم المسيحيون في النفخ بذلك البوق الضخم، لن يتمكن كثير من اليهود اعتبار ذلك الصوت كمثال على التضامن معهم، لكنهم قد يعتبرونه بمثابة تهديد لهم.

© The Independent

المزيد من آراء