Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مافيا الخيال... كيف تحقق لليهود ذلك التأثير الكبير في الأدب الأميركي؟

كتاب جديد يقف على الخيط الرفيع الفاصل بين المباهاة بنفوذهم والإنكار التام لتآمرهم في عالم الكتابة والنشر

من غير المتصور أن نجد قارئاً أصيلاً للأدب يفكر في كافكا أو بورخس أو كونديرا باعتبارهم يهوداً (أ ف ب)

في فيلم أميركي من إنتاج عام 2017 عنوانه "الزوج"، يجري حوار قصير في دار نشر تبدأ به تراجيديا بطلة الفيلم، الكاتبة الشابة، مثلما يبدأ صعود زوجها إلى ذروة عالم الأدب، حيث نادي النخبة الذي تشترط عضويته الحصول على جائزة نوبل. ويصبح الزوج في النهاية روائياً ذائع الصيت، فيما تصبح الزوجة أسيرة قاع عالم النشر، حيث يقطن الكتاب الأشباح.

يحكي الفيلم قصة روائي يهودي متوسط الموهبة يعمل أستاذاً جامعياً للكتابة الإبداعية، ويتزوج من بين طالباته أعظمهن موهبة. وتتفتح عينا الزوجة مبكراً على حقيقة أن الوسط الأدبي لا يعترف للنساء بالعبقرية، ولا يتورع عن تهميشهن، فتقرر أن تقضي عمرها محررة لروايات زوجها، إن لم تكن كاتبة فعلية لها، أو لعلها تنساق مكرهة إلى ذلك.

ومن خلال هذه الحكاية، لا يدين الفيلم فقط انحياز عالم الأدب للرجال من دون النساء، لكنه على الهامش يلفت النظر إلى انحيازات أخرى، منها ما يكشف عنه الحوار الذي جرى في جمل قليلة قيلت في اجتماع محرري دار النشر، إذ قال أحدهم "وماذا عن الكتاب اليهود؟ الجميع لديهم كتاب يهود شباب أذكياء. في كل دار نشر كبيرة واحد من هؤلاء. فأين بحق الجحيم كاتبنا اليهودي؟".

غير أن هذا التنافس على استقطاب الكتاب اليهود لم يكن دائماً من طبائع الأمور، فلم يكن لدى كل دار نشر أميركية كاتبها اليهودي العبقري الذي تباهي به، بل ربما كان العكس هو القائم حتى أوائل القرن العشرين. وربما كان يحق لليهود حتى ذلك الوقت أن يغضبوا من استبعاد عالم النشر والأدب والوسط الأكاديمي لهم، ويعدون ذلك قمعاً وتهميشاً أو حتى معاداة للسامية.

لكن العالم تغير بنهاية الحرب العالمية الثانية، ومن جملة ما تغير فيه صناعة النشر والأدب في الولايات المتحدة، فلم يقتصر التغير على إفساح المجال للمواهب اليهودية بقدر استحقاقها، بل لقد انعكس الوضع، فتحول استبعاد اليهود إلى هيمنة لهم.

والحق أنه يصعب على المرء أن يتقبل في الكتابة عن عالم الأدب نبرة كهذه هي أليق بحديث المتعصبين وسلوك الإرهابيين ورؤى المتطرفين. فلطالما احتفظ تاريخ الأدب في ذراه الرفيعة بأماكن خالدة لكتاب يهود، أو مثليين، أو نساء، أو بيض، أو سود، من دون أن يكون لجدارتهم بهذه المكانة أوهى علاقة بإيمانهم أو كفرهم، شذوذهم أو سوائهم، بياضهم أو سوادهم، أنوثتهن أو ذكورتهم، لكننا الآن لا نكاد نرى كاتباً أو كاتبة عبر كتبه وحدها، فلا بد دائماً من صفة أخرى تبرر وجوده، ولا علاقة لهذه الصفات دائماً بالجمال أو الأدب، وما من عرض لكتاب الآن إلا ترونه يشير إلى هذه الصفات، وما من جائزة تمنح إلا ويراعى في منحها التوازن بين تلك التقسيمات، وما من تكريم إلا وبعض حيثياته غير أدبية، بل إن مجلات متخصصة في الشعر تفاجؤنا في كثير من الأحيان بأعداد مخصصة لشعر هذه الفئة أو تلك، ناهيكم عن الأنطولوجيات التي بات نادراً أن تخصص، مثلما كان دأبها طوال عقود وعقود، لحقبة زمنية أو مدرسة أو ثيمة، إذ استبدلت الأنطولوجيات بذلك كله روابط يفترض أنها واهية أو غير ذات صلة بالفن نفسه.

ولا أعرف أهذه ردة من الإنسانية إلى القبلية، إذ نرى المتماثلين في جانب واحد من جوانب شخصياتهم المعقدة بالضرورة وهم يتعصبون إلى بعضهم البعض، أم أن الإنسانية، على مدار تاريخها، لم ترتقِ قط على ذلك الانحياز، وأن كل التجمعات البشرية التي نعرفها ونحترمها وندافع عنها ونثمن فيها قدرتها على احتواء التعدد والاختلاف بدلاً من الإقصاء، لم تكن قط إلا أقنعة مصطنعة لـ"القطيع" البدائي ضيق الأفق؟.

حدود المافيا الأدبية

صدر حديثاً في 272 صفحة عن مطبعة جامعة "يال" الأميركية كتاب عنوانه "مافيا الأدب: اليهود والنشر والأدب الأميركي في حقبة ما بعد الحرب" للمؤلف جوش لامبرت، وهو أستاذ مساعد اللغة الإنجليزية ومدير برنامج الدراسات اليهودية في كلية "ويلسلي".

يستعرض المؤلف في كتابه هذا تأثير اليهود في عالم النشر والأدب في الولايات المتحدة، بخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين.

وينقل جون إبستين في استعراضه الوافي للكتاب - صحيفة "وول ستريت جورنال" في 30 يوليو (تموز) 2022 - عن لامبرت أن اليهود في أميركا حتى بدايات القرن العشرين كانوا أقرب إلى المستبعدين من مؤسسات النشر الكبرى، ووظائف التحرير في المجلات، وكراسي الأستاذية في أقسام الأدب الجامعية، ثم ما كادت حواجز التحيزات تسقط حتى حصل اليهود على مواقع مؤثرة وعمدوا إلى "تعيين يهود آخرين، ودعم طلبة يهود، ممارسين على نطاق واسع محاباة الأقارب".

ولئن أوحت مفردة "المافيا" بأن تلك الطفرة كانت نتاج تدبير وترتيب وتآمر، فالكتاب نفسه لا يقول هذا، بل ينفيه قاطعاً، مثلما ينفيه المؤلف في حوارات أجريت معه على مدار الأيام التالية لصدور الكتاب. غير أن عدم وجود "مافيا" أو "ترتيب" لا ينفي أيضاً أن الحضور اليهودي في المشهد الأدبي الأميركي "بدا في وقت من الأوقات طاغياً" بدرجة تستدعي التفسير، فإن عز ذلك التفسير فلا أقل من الملاحظة.

أدى حضور اليهود الأدبي والثقافي الطاغي في أعوام ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى أن بدأ بعض الكتاب يستعملون في وصفه مصطلح "المافيا الأدبية"، وباتوا يعتقدون أن هذه المافيا هي التي ضمنت للمؤلفين اليهود وكتبهم النشر في كبرى الدور، والتغطية البارزة في الصحافة الأدبية، والدعم في الوظائف الأكاديمية، على حساب الكتاب من غير اليهود، بل حتى على حساب "النوع الخاطئ من اليهود".

ويرى أندرو لابين (في مقدمة حواره مع لامبرت المنشور في 26 يوليو الماضي بوكالة "التلغراف" اليهودية JTA) أن هذا الاعتقاد كان في بعض الأحيان مدفوعاً بمعاداة السامية، وفي أحيان أخرى بإحساس عام بالظلم الأدبي والإحباط المهني، ولكن ذلك إحساس اعترى قامات أدبية كبيرة في حجم ترومان كابوتي وفلانري أوكونور، إذ رأيا في فترة على الأقل ما كان يحظى به أندادهما اليهود من أمثال فيليب روث وصول بيلو وسينثيا أوزيك ولا يحظيان هما بمثله. فـ"في كتابات تلك الفترة، أعرب أولئك الكتاب وغيرهم عن اعتقادهم" بحسب ما يقول لامبرت بأن "يهود الصناعة النافذين هم السبب في تعطيلهم على المستوى المهني".

على أية حال، استمر الوضع كذلك منذ قرابة أواخر الخمسينيات، وإلى أن بلغت الرواية اليهودية بعينها ذروتها في وقت ما من أواخر السبعينيات، حينما قال الروائي الأميركي الشهير غور فيدال (1925-2012) إن الأدب الأميركي خاضع لسيطرة أربعة روائيين يهود، هم نورمان ميلر وصول بيلو وبرنارد مالمود وفيليب روث، فضلاً عن واحد فقط من الأغيار هو جون أبدايك.

الطاقة اللفظية للتلمود

يتساءل جوزيف إبستين "كيف تحقق لليهود ذلك التأثير الكبير والسريع؟" ويجيب الإجابة الآمنة "من خلال ظهور المواهب الأدبية التي ظلت تقمعها أوضاع معادية للسامية في المؤسسات الأدبية"، ثم يمضي ليقول في لغة توراتية "في البدء كان الكلمة، وسرعان ما كان اليهود، ومن أوثق من اليهود علاقة بالكلمات؟ إن الطاقة اللفظية التي أودعت ذات يوم في التلمود وغيره من الكتابات الدينية، بات يضعها اليهود - وقد تزايد نزوعهم إلى العلمانية - في الشعر والروايات والقصص والمقالات والنقد".

ولا بأس أن يكون هذا التفسير صحيحاً، فليس من الإنصاف أن نقبل الأثر السلبي للاستعمار في ثقافات غالبية العالم، والأثر السلبي للعنصرية، والأثر السلبي للديكتاتورية، وننكر الأثر السلبي للمعاملة السيئة التي عومل بها اليهود في كثير من المجتمعات والعصور، لكن الحضور البارز والمفاجئ لليهود في الوسط الأدبي الأميركي يحتمل أكثر من تفسير.

لا يوحي كتاب جوش لامبرت، خلافاً لعنوانه الإثاري التجاري، بأن ذلك الحضور كان نتيجة ترتيب وتنظيم وتدبير، أو وجود مافيا يهودية أدبية، ففي حواره مع أندرو لابين، كان أول سؤال طرح عليه هو "هل كانت هناك مافيا أدبية يهودية؟ وإن وجدت، فماذا كانت طبيعتها؟"، وأجاب لامبرت "أعتقد أن الإجابة المثلى التي يمكنني تقديمها لهذا السؤال هي لا، لم توجد، لكن الكلام عنها لا يفتقر إلى الإثارة على أية حال. لم تكن هناك تلك المافيا الأدبية اليهودية التي تصورها [ترومان] كابوتي حين قال ’أوه، إن هؤلاء الناس يخططون ويتآمرون‘. ولا كانت المافيا الأدبية اليهودية موجودة بالمعنى الذي تصوره الكاتب اليهودي ميير ليفن، إذ تصور أن اليهود يلتقون في الحفلات فيقول بعضهم لبعض ’لن نتكلم أبداً عن كتاب هذا المؤلف أو ذاك‘".

لكن ما الذي يدفع كتاباً في قامة ترومان كابوتي وغور فيدال، ولم تنقص أياً منهما الشهرة ولا الاعتراف قط، إلى هذه التصورات؟ وكيف تسود فكرة كهذه لعقود من دون أن يكون لها أساس، أساس ما؟.

الحقيقة أن الأساس موجود، لكن زاوية النظر إليه هي التي تحدد حجمه وتأثيره ووصفه. يقول لامبرت في حواره مع أندرو لابين "إن كل من يعمل في الصحافة أو صناعة الثقافة ولو لخمس دقائق، يشعر أن الأمور تكون أيسر على البعض ممن يمهد لهم الطريق، وتمد من أجلهم أيادي العون، وتذلل لهم المزايا. ويسهل أن نتخيل السبب الذي يدعو من لا يحظى بأي من ذلك إلى الشعور في بعض اللحظات بأن هذا ظلم وأن هنا خطأ وأن هناك مشكلة. وهنا يكون مجاز ’المافيا الأدبية‘ موضعاً يصب فيه الناس مشاعرهم تجاه الاستعمال الخاطئ أو غير المنصف للسلطة. فهل هناك حالات استغل فيها اليهود سلطتهم استغلالاً خاطئاً؟ مؤكد. إنني أتناول ذلك في كتابي".

في حاشية من حواشي الكتاب، يذكرنا لامبرت بكتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" المقطوع بزيفه، وبنبوءة فيه تقول إن اليهود سيسيطرون ذات يوم على "الأدب والصحافة" حتى إذا ما "وجد من تغريه نفسه بالكتابة ضدنا، لا يجد من يطبع له كلامه".

أما جوزيف إبستين في مقالته عن الكتاب، فيشير إلى كتاب آخر صدر قبل نصف قرن بعنوان "نهاية الكتابة الذكية" (1974) وانبنى على مثل مؤامرة "البروتوكولات"، إذ قال مؤلفه ريتشارد كوستيلانتز إن المافيا الأدبية اليهودية تقوم على أربع شخصيات: نورمان بودهورتز محرر مجلة "كومنتاري"، جاسون إبستين مدير تحرير "راندم هاوس"، وإرفينغ هاو الناقد ومحرر "ديسنت"، وروبرت سيلفرز محرر "نيويورك رفيو أوف بوكس"، والأربعة جميعاً يهود، لكن إبستين يقول إن الأربعة لم يكن بينهم تنسيق على الإطلاق، ومع هذا فإن هذه الحقيقة لا تؤثر في نظرية المؤامرة لدى كوستيلانتز، فقد رأى أنهم تآمروا على منع الكتاب الشبان وإعاقة تطور الأدب الطليعي (وكان كوستيلانتز كاتباً طليعياً). ويتجاهل كوستيلانتز في ما يرى جوزيف إبستين أن يكون بين الأدباء والنقاد بعامة من النزاعات ما يحول دون إمكانية انتظامهم في عضوية نادٍ، ناهيكم عن مافيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقائع بسيطة لوهم كبير

وفي حين يقطع لامبرت بانتفاء وجود مافيا أدبية، فإنه يرسم ملامح "الوقائع البسيطة" التي تسببت في هذا الوهم، إذ يرصد كتابه الروابط والعلاقات بين اليهود من المحررين والمؤلفين، والمعلمين والطلبة، والأزواج والزوجات، والآباء والأبناء في الوسط الأدبي الأميركي في القرن العشرين بدرجة قد تشعر القارئ وهو يطالع أرفف الأدب الأميركي في مكتبته الشخصية بحرج من يجد نفسه متطفلاً على مناسبة عائلية مقصورة على الأهل والأحباب.

يقول لامبرت في مقدمته إن هدفه من الكتاب أن يصف ويستكشف منطق القرابة وما تركه من تأثيرات كبيرة في الثقافة الأدبية الأميركية" (والقرابة مصطلح اجتماعي يشير إلى الروابط بين أشخاص يشتركون في الخلفيات والاعتقادات والاهتمامات).

ويضيف أن كتابه معني بالطريقة التي تعاملت بها مجموعة من محترفي الأدب الأميركيين مع من يتصلون إليهم بقرابة من طريق أو آخر، كأن يكونوا يهوداً مثلهم، أو طلبة لديهم، أو أزواجاً وشركاء، أو أبناء، وكيف كان تأثير ذلك في ذائقتهم وقراراتهم وتعبيرهم الإبداعي.

في هذا الصدد، يخصص كتاب "المافيا الأدبية" فصلاً طويلاً لليونيل تريلينغ (1905-1975) وهو الناقد الأدبي والقاص وكاتب المقال والمعلم الأميركي المرموق والمؤثر، الذي كان خطاب توصية منه، أو بضع كلمات تقريظ توضع على غلاف كتاب، بمثابة مفتاح ذهبي يفتح الأبواب للفرص الأدبية والأكاديمية.

يعرض لامبرت في هذا الفصل قائمة بالمساعدات التي قدمها تريلينغ إلى الطلبة والكتاب اليهود، فضلاً عن زوجته الناقدة الأدبية ديانا تريلينغ (1905-1995) التي يقطع جوزيف إبستين بأنها لولا اسم زوجها لبقيت عاطلة من العمل، لكن إبستين يلفت النظر أيضاً إلى أن لامبرت لا يورد أمثلة لمساعدات يحتمل أن يكون تريلينغ قد قدمها لغير اليهود.

يقول لامبرت إن تريلينغ لم يكن يساعد النساء أيضاً، ويستعين بشهادات من الكاتبات ماريون ماجيد (1932-1993) وكارولين هيلبرن (1926-2003) وسينثيا أوزيك (1928-) مفادها بأنه تجاهلهن جميعاً، بل ينقل عن أوزيك أخذها على تريلينغ أنه كان يخلط بينها وبين طالبة أخرى "لأننا كنا جميعاً خليطاً من النساء لا يستطيع الناقد الشهير البارع في تحديد التمايزات أن يفرق بين إحداهن والأخرى".

وربما يجدر بنا أن نلفت إلى أنه بعد أيام قليلة من نشر مقالة إبستين، التي أشار فيها إلى استشهاد الكتاب بواقعة سينثيا أوزيك مع تريلينغ، نشرت "وول ستريت جورنال" رسالة من الروائية الكبيرة سينثيا أوزيك برأت فيها نفسها تقريباً مما هو منسوب إليها في المقال والكتاب. وتقول الرسالة "في مقالة طويلة لي في عدد مبكر من مجل ’مس‘ قبل نصف قرن، وهي مقالة تهكمية عفا عليها الزمن، قررت ألا أعيد نشرها بعد ذلك، لم أحدد قط الناقد الشهير بالاسم".

على أية حال، وبعيداً من واقعة سينثيا أوزيك مع تريلينغ، يمضي لامبرت المدافع عن قضية المرأة ضد تحيز تريلينغ، فيسرد قائمة بأسماء النساء اللاتي عملن في مجال النشر إن لم يكن بعون مما لأزواجهن من سلطة في المجال، فباعتماد جزئي عليهم في أقل تقدير. وينتقل من قائمة الزوجات إلى قائمة الأبناء والأحفاد الذين استفادوا من مراكز آبائهم أو أجدادهم، وهي قائمة أخرى لا تقل امتلاء عن سابقتها.

في حواره مع لابين، ووجه لامبرت بسؤال عن هذه القوائم، وكونها تشجع على معاداة السامية، فقال لامبرت "إنني لا أريد أن أسلم الحوار لأعداء السامية، مهما بلغت قوتهم أو قدرتهم على التخويف، إذ يجب ألا يكونوا هم الذين يقررون كيف نتكلم عن هذه المواضيع"، ويضيف أن "وضع قائمة بأي نوع من اليهود يبدو أمراً غريباً، ولكن إنكارها في الوقت ذاته أو التظاهر بعدم وجودها أمر غير مريح بالمرة". ويختتم كلامه قائلاً إنه يستهدف بكتابه جمهوراً "من المهتمين بالنظام الأدبي من يهود أميركا ومن غير اليهود الذين لا يعادون السامية. وفي اعتقادي أن فكرة أنه لا ينبغي لنا الكلام عن النجاح اليهودي والنفوذ اليهودي والقوة اليهودية، تشوه وتمنع فهمنا لأمور مهمة ودالة حقاً".

هكذا، في ما يبدو، يقف الكتاب وكاتبه ببراعة على الخيط الرفيع بين المباهاة ببأس اليهود ونفوذهم من ناحية، والإنكار التام لتآمرهم وتخطيطهم من ناحية أخرى، فقد لا تكون غاية هذا الكتاب هي أن يكشف بعض الحقائق الخفية في عالم النشر الأميركي، بما يعين القارئ على ألا ينخدع بانصباب الأضواء على كتاب معين أو كاتب بعينه، ويقوده إلى حيث تخفت الأضواء عمداً عن كتب أو كتاب جديرين بلفت الأنظار.

ولكن الكتاب على الرغم من ذلك قد ينفع في تحقيق هذه الغاية. ولو أنه من غير المتصور بصفة عامة أن يكون قارئ الأدب بحاجة كبيرة إلى كتاب ينبئه بما ينبغي أن يحكمه إزاء كاتب أو كتاب، ومن غير المتصور أن نجد قارئاً أصيلاً للأدب يفكر في كافكا أو بورخس أو كونديرا باعتبارهم يهوداً، أو في أوسكار وايلد ووالت وويتمن وربما قسطنطين كفافيس باعتبارهم مثليين، أو - بدرجة أقل - في كتاب آخرين باعتبارهم سوداً، أو نساء. فعالم الأدب لا يرى إلا لماماً هذه التقسيمات، وذلك ما يجعله ملاذاً لأهله من العالم، وذلك أيضاً ما يجعله عن جدارة مقياساً دقيقاً لإنسانيتنا نفسها.

عنوان الكتاب: The Literary Mafia: Jews، Publishing، and Postwar American Literature

تأليف: Josh Lambert

الناشر: مطبعة جامعة "يال"

المزيد من كتب