Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عالم بوتين "المتعدد الأقطاب"... أثر بعد عين

لم تعد موسكو العدة لحرب واسعة النطاق تدور في القرن الـ21. فتخلفت عن اللحاق بركاب تسلح نجحت دول من خارج نوادي السلاح التقليدي في خوضه، ونأت الصين عن دعمها عسكرياً وحتى ديبلوماسياً

الحق أن سوء إعداد بوتين العدة للحرب على صلة وثيقة بتصوره العالم وتوقه إلى عالم الأمس، "السوفياتي" تحديداً ومعه محور دول عدم الانحياز (رويترز)

مر على "العملية الخاصة السريعة" الروسية في أوكرانيا أكثر من سبعة أشهر، ويبدو أن ختامها ليس وشيكاً وفصولها تتوالى بين مد وجزر. فمنذ منتصف سبتمبر (أيلول) انقلب مسار الحرب رأساً على عقب، ونجح الجيش الأوكراني في دحر القوات الروسية في عدد من المناطق.

 والحق أن ما لا يخفى أن أبرز نتيجة في الحرب الدائرة الرحى في أوكرانيا هو خلاف الغاية منها. فالحرب رسخت هوية الأوكرانيين وشعورهم بأنهم أمة مستقلة حتى في أوساط الناطقين بالروسية الذين يبدو أن الكرملين كان يعول عليهم لشق الصفوف والترحيب بقواته. وشدت الحرب هذه أواصر حلف شمال الأطلسي وبعثته بعد أن كان الكلام يدور على نهاية دوره وأفوله. هذا على مستوى ضفتي الأطلسي، أما على المستوى الأوروبي، فعززت الحرب لحمة الاتحاد الأوروبي وتماسكه.

ما بين سوريا وأوكرانيا

وكانت الحرب السورية آذنت بالتعثر الروسي في أوكرانيا. فعلى رغم أن الكلام دار في السنوات الماضية حول فشل العتاد "السوفياتي" الثقيل من قبيل منظومتي صواريخ 300 و400 في سوريا، ثم في الحرب الأرمينية- الأذرية (الأذربيجانية)، إلا أن الحرب السورية حملت كذلك مؤشرات إلى وهن في التخطيط الروسي وفي إعداد العدة الحربية. والقرينة على ذلك ما حصل في تدمر التي وقعت في يد تنظيم "داعش" مرتين، الأولى في 2016 - ويومها احتفي بالنصر الروسي ونُظم حفل موسيقي بقيادة قائد الأوركسترا الروسية فاليري غيرغياف في رحاب الصرح التاريخي ونقلته كبرى وسائل الإعلام. ولكن المدينة الأثرية سرعان ما عادت إلى السقوط في يد التنظيم في 2017. وهذا ما أثار دهشة المراقبين واستهجان صديقة روسية كان لسان حالها "كيف حصل ذلك؟". فما بدا مستهجناً ويعصى التصديق هو الإخفاق الروسي في "الإمساك" بالأرض.

وإلى سوء التخطيط لحرب حسبت أنها خاطفة وتدوم ثلاثة أيام، لم تعد موسكو العدة لحرب واسعة النطاق تدور في القرن الـ21. فتخلفت عن اللحاق بركاب تسلح نجحت دول من خارج نوادي السلاح التقليدي مثل تركيا وكوريا الجنوبية في خوض مضماره، تحديداً في مجال طائرات "درونز" (المسيّرات من غير طيار). واضطرت هي "القوة العظمى" إلى الاستعانة بمسيّرات إيرانية لم تعرف بدقتها. ولم تجر العادة على دعم القوة الصغرى الأخرى الكبرى. ونأت بكين بنفسها في أبريل (نيسان) الماضي عن النزاع في أوكرانيا. فعلقت شركة "دي جاي" الصينية الرائدة عالمياً في تصنيع المسيّرات أعمالها في روسيا وأوكرانيا لتفادي استخدام عتادها في "أعمال قتالية" هناك، على ما قالت في بيانها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستوقف افتقار روسيا إلى مثل هذه الأسلحة في ساحات القتال عدداً من المحللين الروس، منهم يوري ينتسوف في  "سفوبودنايا بريسا"، فلاحظ أن وزارة الدفاع الروسية حرصت في كل معارض الأسلحة الروسية طوال 15 عاماً على استعراض طائرات "درونز". ولكنها أخفقت في إنتاجها على نطاق صناعي واسع. ووجه ممثل وزارة الدفاع الروسي إيغور إيشيوك سهام النقد إلى المصنعين الروس الذين فشلوا في توفير العتاد العسكري المناسب من المسيّرات العسكرية الجوية. فلم يمد هذا القطاع الجيش الروسي بطائرات "درونز" للاستطلاع. ولكن الكولونيل الروسي المتقاعد فيكتور ليتوفكين يرى أن المشكلة قد تعود إلى وزارة الدفاع نفسها جراء العجز عن إنتاج "درونز" على نطاق صناعي. ويخلص ينتسوف في مقالته إلى أن ركن المشكلة هو افتقار روسيا إلى رقاقات إلكترونية مصغرة من إنتاجها. وشح الرقاقات الإلكترونية الروسية كان مدار تندر توماس فريدمان في "نيويورك تايمز" قبل أيام حين كتب أن روسيا بعدما مدت العالم بأعلام الأدب والموسيقى والعلماء صارت في عصر بوتين أمة تمد المعمورة برقائق البطاطا فحسب. والافتقار إلى غطاء "الدرونز" يعود في جزء منه كذلك إلى غياب التدريبات على استخدام التكنولوجيا المتقدمة، على ما ينبه ينتسوف. فمطلقو النيران والصواريخ لا يلمون بكيفية إطلاق "الدرونز" وتوجيهها. والحرب تقتضي تنسيقاً كبيراً بين "الدرونز" وفرق المدفعية وغرفة تنسيق عمليات مؤتمتة تتلقى البيانات من المسيّرات وتترجمها إلى بيانات رصد ومستويات علو وتوجيه. ويشير ينتسوف إلى أن هذه الحلقة من حلقات التنسيق ضعيفة في الجيش الروسي.

الإمساك بالأرض

والحق أن روسيا ارتكبت في سوريا عدداً من الأخطاء سبق للولايات المتحدة في حربها على العراق، الإتيان بمثلها. فبعد إطاحة "داعش" في تدمر، لم توفر ما يكفي من الموارد "للإمساك بالأرض" على نحو ما وصف ديفيد بترايوس مقاربته المجددة التي أدت إلى بسط القوات الأميركية السيطرة على أرض "السنّة" في العراق واستمالت العشائر.

 وبعد انكفاء الهجوم على العاصمة الأوكرانية كييف، شنت موسكو حملة على شرق أوكرنيا ولجأت إلى التدمير الواسع النطاق في سبيل السيطرة. ولكن مد "الأطلسيين" أوكرانيا بأسلحة صاروخية متقدمة، تحديداً منظومة "هيمارس" الأميركية أسهمت في قلب موازين القوى. وتعيد هذه الصواريخ إلى الأذهان الدور الذي سبق أن أدته صواريخ "ستينغر" في إلحاق الهزيمة بالسوفيات في حرب أفغانستان. ويبدو اليوم أن القوات الروسية "عالقة" على مشارف عدد من المدن الأوكرانية وتواجه مشكلات ضخمة في الإمدادات وهي في مرمى هجمات الأوكرانيين المتواصلة.

والحق أن سوء إعداد بوتين العدة للحرب على صلة وثيقة بتصوره العالم وتوقه إلى عالم الأمس، "السوفياتي" تحديداً ومعه محور دول عدم الانحياز. وعلى خلاف ما يشتهي ويحسب، لم تلق حربه في أوكرانيا دعماً هندياً وصينياً يعتد بهما في قمة منظمة شنغهاي التي انعقدت في سمرقند. ففي وقت كان كلام وسائل الإعلام الروسية يدور حول طي صفحة العالم الأحادي القطب، لم تلق موسكو دعماً "متعدد الأقطاب" على ما تسعى، بل عادت خاوية الوفاض تقريباً. وبعد استفتاء ضم أربع مناطق أوكرانية، وهي أكبر عملية ضم منذ الحرب العالمية الثانية، امتنعت الصين والهند والبرازيل والغابون عن مؤازرة موسكو ولم تنحز إليها في مجلس الأمن حين التصويت على قرار يشجب عملية الضم ويدعوها إلى الانسحاب إلى حدود 24 فبراير (شباط) 2022، تاريخ بدء "العملية الخاصة" الروسية. ففلاديمير بوتين يبدو بعيداً كل البعد من توجيه دفة عالم متعدد الأقطاب، بل يكاد يكون "ذئباً منفرداً" في مسعاه الروسي- السوفياتي.

المزيد من تحلیل