Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وداعاً للبيان الصحافي... مرحباً بالجمهور متقلب المزاج

تحتاج هذه التغيرات إلى شيء من "التدمير الإبداعي" لإفساح المجال أمام الابتكار

حان الوقت منذ فترة ليست وجيزة ليتحول الاتصال الحكومي ويتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية الحديثة أداة ومنصة ووسيلة (أ ف ب)

يتحدث الرئيس أو الوزير أو المسؤول ذو المنصب الكبير. يجتمع أعضاء المكتب الإعلامي لكتابة نص الخبر الصحافي. يظل الاجتماع في حالة انعقاد دائم حتى يراجع مسؤولو مكتب المسؤول الخبر. يصححون ما ورد فيه، يعيدونه إلى المكتب الإعلامي، يعيد المكتب الإعلامي كتابة الخبر، يرسلونه مجدداً إلى مكتب المسؤول إلى أن يتم الاتفاق على الشكل النهائي للخبر.
يتم بث الخبر وإرساله إلى الصحف والمواقع والقنوات التي تنشره صباح اليوم التالي أو في نشرة المساء أو حديث الصباح. في تلك الأثناء، كان جزء آخر من العالم يعمل على شن ثورة رقمية شاملة وإتاحة عنكبوتية شعبية حيث الشاشات أصبحت في متناول الجميع أو غالبهم. هذه الشاشات لم تترك خبراً إلا وتداولته، وتحليلاً للخبر كتبه أحدهم إلا وأعادت مشاركته، وصورة أم فيديو يتعلق بالخبر أو يعتقد أنه متعلق به إلا وحملته وتشاركته، لذلك فإن التواصل الحكومي في زمن الثورة الرقمية التي تدخل عقدها الثالث خاض ومستمر في خوض ثورة معارف ومهارات لازمة لتطوير عمله.

ملامح اتصال جديدة

"المنتدى الدولي للاتصال الحكومي" الذي نظمه المركز الدولي للاتصال الحكومي التابع للمكتب الإعلامي لحكومة الشارقة يومي 28 و29 سبتمبر (أيلول) الحالي، أخذ على عاتقه مهمة تسليط الضوء على المهارات والمعارف اللازمة لتطوير منظومة الاتصال الحكومي في ضوء الأبعاد الإدارية والتكنولوجية التي غيرت ملامح التواصل، وأتاحت أدوات جديدة من شأنها أن تعزز أثر الرسائل وسبل قياس آثارها.
ويبدو أن زمن البيان الصحافي الكلاسيكي الذي يستغرق ساعات للإعداد وساعات أخرى للحصول على الموافقة ثم التلاوة أو النشر على جمهور لا يملك من مصدر للأخبار سوى هذه الشاشة الوحيدة في غرفة الجلوس أو الصحيفة التي قد يشتريها وقد لا يقدم على ذلك، قد ولى ودبر. وحان الوقت منذ فترة ليست وجيزة ليتحول الاتصال الحكومي ويتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية الحديثة أداة ومنصة ووسيلة.
اختصاصية الاتصال الرقمي منى مجدي تحدثت عن وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تتخذ مكانة الصدارة لدى الأجيال الشابة، وهو ما يفرض على إدارات الاتصال الحكومي توظيف السرد القصصي الرقمي أثناء صياغة رسائلها، وقياس مدى تأثير التواصل لكل مؤسسة من خلال المؤشرات الاحترافية التي توضح نسبة المشاهدات وأولوية ظهور المحتوى في نتائج محركات البحث.

ماذا عن المحتوى؟

هذا عن الأداة والمنصة، ولكن ماذا عن المحتوى؟ محتوى الورشة التي قدمها الإعلامي والمدرب أبانوب منصور يتضح من عنوانها، "ابتكار محتوى رقمي من وإلى الهاتف". فهي ورشة بسيطة لكن تحتاج إلى تدريب ومهارة لتقديم محتوى إعلامي مهني يحتوي على عناصر الخبر مع توافر شرط الجاذبية بهدف تحقيق الفاعلية المطلوبة في الرسالة الاتصالية المقدمة من المؤسسات الحكومية إلى الجمهور. وشدد منصور على أهمية أن تكون الرسالة قابلة للقياس للتحقق من حجم التأثير وفعاليته. وتختلف وسيلة التواصل الاجتماعي المناسبة لكل جمهور بحسب المنطقة ودرجة شعبية المنصة التي يستخدمونها. ففي مصر مثلاً الأكثر استخداماً هو "فيسبوك" في حين "تويتر" وإنستغرام" أكثر شيوعاً في الإمارات والسعودية.
وعلى رغم أن ارتباط منظومة "الاتصال الحكومي" بمنصات التواصل الاجتماعي وأدوات الثورة الرقمية ما زال أمراً يلقى بعضاً من مقاومة وكثيراً من تعجب في بعض الدول العربية، فإن واقع الحال ومتطلبات العصر ومؤشرات الغد تؤكد أن المستقبل من نصيب الصحافة المعتمدة على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتواها، حيث يستخدم الصحافي حزمة من التطبيقات المتنوعة والخدمات الإلكترونية التي في حال استخدامها بشكل صحيح مناسب لجمهور المتلقي تعمل على إنجاح الرسالة وتعظيم أثرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الدراسة وسوق العمل

واقع الحال الذي يشير إلى أن رسائل التواصل الحكومي، التي أصبحت في جانب منها تعتمد على الأدوات والمنصات الرقمية الجديدة، لا يعني أن طلاب كليات الإعلام في الدول العربية يدرسون بالضرورة ما يؤهلهم لصناعة رسائل التواصل الحكومي بالمعايير الحديثة المطلوبة في سوق العمل التي تنتظرهم. وفي الوقت الذي ما زال بعض كليات الإعلام لا يحيد عن المحتوى التقليدي الموجه للصحف الورقية والإذاعة والتلفزيون وربما إلى حد ما مواقع الأخبار، فإن هذه الكليات في دول أخرى أبرزها الإمارات ومصر والسعودية باتت تقدم محتوى دراسياً إعلامياً يمزج بين القاعدة النظرية المهنية للإعلام والاستخدامات الرقمية الحديثة، وهو مزج يحتاج إلى تحديث متواصل.

أستاذ الصحافة والإعلام ومدير مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية في الجامعة الأميركية في القاهرة حسين أمين، قال إن محاولات متواصلة تبذل على مدى العقدين الماضيين للموازنة بين المناهج الأكاديمية والتدريب العملي ومتطلبات سوق العمل.

شهادة صحافة الذكاء الاصطناعي

وليس أدل على ذلك من المناهج الدراسية والدرجات العلمية التي باتت تمنح في مجالات صحافة الذكاء الاصطناعي في عديد من الجامعات العربية. واقع الحال الرقمي والعنكبوتي الآخذ في التطور والتغير بسرعة تفوق سرعة تطوير المناهج وتحديث وسائل الاتصال الحكومي وغير الحكومي يشير إلى أن على الجميع أن يكونوا على أهبة الاستعداد بشكل دائم لشبكة الإنترنت الآخذة في التطور، على نحو لا يمكن التنبؤ به أو التكهن بما يمكن أن يفعله أو لا يفعله بالبشرية. وعلى رغم ذلك فإن على الجميع البقاء في خاصية الجاهزية لضمان أن يظل تطور الإنترنت نافعاً للبشرية وليس العكس. فمثلاً التقنيات الرقمية الآخذة في التطور يوماً بعد يوم وأبرزها "ميتافيرس"، وما يمكن تسميته بـ"الجغرافيا السياسية للحوكمة الرقمية" ستلقي بآثارها بشكل أو بآخر على الاتصال الحكومي.

تحديات ثابتة وحلول متغيرة

الاتصال الحكومي يعرف التحديات لأنها تكاد تكون ثابتة، لكن سبل مواجهتها والتعامل مع وجود هذه التحديات "القديمة" على منصات جديدة يستوجب أساليب جديدة. مديرة المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة، علياء السويدي، ترى أن "التحديات التي تواجه العالم شبه ثابتة، فهي اقتصادية وثقافية واجتماعية في الغالب، لكن الحلول هي ما يتغير بصورة مستمرة ولديها القدرة على أن تكون حاسمة في تحديد مصير العالم".
وأشارت السويدي إلى "أهمية الحلول الموضوعة لمواجهة التحديات مما يدفع الجميع إلى استخدام أدوات ومنهجيات جديدة تتناسب والمتغيرات الطارئة على ثقافة وأنماط حياة الجمهور في كل مرحلة، فلا يمكن للأدوات القديمة أن تكون فعالة دوماً في التعامل مع الجديد، لا سيما حين يتعلق الأمر بالاتصال الحكومي وأدواته المتغيرة المتأثرة بحركة الحياة".

قليل من "التدمير الإبداعي"

ربما هذه التغيرات تحتاج إلى شيء من "التدمير الإبداعي". حين ابتدع الاقتصادي النمسوي جوزيف شومبيتر نظريته المثيرة عن "التدمير الإبداعي" في عام 1942 لم يكن يفكر في منصات التواصل الاجتماعي والثورة الرقمية والـ"ميتافيرس" بكل تأكيد، بل تعلقت نظريته بتفكيك الممارسات القديمة من أجل إفساح المجال أمام الابتكار.

الدبلوماسي والإعلامي السعودي سعود كاتب ضرب مثلاً عن "التدمير الإبداعي" بالصحافة المطبوعة والتي تنبأ بانقراضها في تسعينيات القرن الماضي، لكن قليلين فقط هم من انتبهوا. واليوم ماتت الصحافة المطبوعة بمعنى أنها انتهت تقريباً. وأشار إلى أن المقصود هنا هو تغيير نمط الفكر التقليدي السائد على أن يكون مصحوباً بالقدرة على استشراف المستقبل، وحبذا لو كانت القوى الناعمة هي التي تقوم بعملية التغيير والاستشراف.
وقال سعود كاتب إن "تجربة السعودية في التغيير فريدة، حيث كان المجتمع مستعداً لهذا التغيير والذي كان يلوح في الأفق وهو ما من شأنه أن يقلل من المقاومة الناجمة عن الخوف من التغيير".
ويمكن تطبيق المبدأ نفسه في عالم الاتصال الحكومي والتغيرات التقنية والرقمية الكثيرة الطارئة عليه وكذلك التغيرات الطارئة على الجمهور الذي بات متقلب المزاج، صعب الإرضاء، وفي حالة بحث مستمرة عن الجديد البعيد عما يتم طهيه في مطبخ الإعلام التقليدي.