Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سبحونة سعودية (2)

جدتي دعت الله أن يكون الوليد ذكرا كي يعيد الحياة لأسرة تكاد تندثر

تركي الحمد خلال فترة الطفولة وإلى جانبه عدد من أفراد العائلة 

لم يمكث أبي في المزار كثيرا، إذ كان عليه أن يطلب الرزق، خاصة بعد أن اكتشف أن إرث والده وعمه كان عبارة عن قطع أراضٍ زراعية مرهونة، لا يمكن الاعتماد عليها في توفير لقمة عيش كريمة. خلال فترة وجوده في الأردن تزوج من أمي وكان كلاهما مراهقا، فهو بحدود الثامنة عشرة، وهي بحدود الثالثة عشرة من العمر، وكان زواجهما بوصية من جدي عبد الكريم الذي أوصى جدتي بألا تتزوج هي إلا من ابن أخيه تركي، وإلا فلا تتزوج أبدا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غادر أبي الأردن بعد أن ترك والدتي المراهقة حاملا بي، وكان ذلك في حدود عام 1951. عمل أبي عند وصوله إلى السعودية في شركة أرامكو عاملا لعدة أشهر، ثم ترك الشركة حين وجد وظيفة في بلدية الدمام، خاصة وهو يعرف مبادئ القراءة والكتابة، رغم أنه لم يذهب إلى مدرسة قط، في زمن قلّ فيه "من يفك الخط" في السعودية.

 كان كل همّ والدي في تلك الفترة هو أن يوفر الجزء الأكبر من راتبه كي يرسله إلى الأردن من أجل نفقات عائلته الصغيرة، ومن أجل فك رهنيات الأراضي التي تركها الجدان.

 ومن ضمن أحاديث الوالد في هذا المجال أنه كان يقسّم السيجارة إلى نصفين توفيرا، وكان يكتفي بوجبة واحدة في اليوم، وأحيانا يشارك بعض زملائه في وجباتهم، أو "يتخاثرون"، كما نقول في لهجتنا المحلية.

كان أبي يأتينا مرة واحدة في العام حتى بلغت السادسة من العمر حيث انتقلنا معه إلى الدمام بعد أن تحسنت الأوضاع، وفكت رهنيات الأراضي. بعد رحيل أبي من الأردن ولدت بعد بضعة أشهر من سفره، وكان ذلك في فجر يوم الاثنين العاشر من مارس (آذار) من عام 1952.

 وتحدثني جدتي عن يوم مولدي فتقول إنها كانت تجلس بجانب الغرفة التي كانت فيها أمي و"الداية"، غير بعيد عن ضريح زيد بن حارثة، فلم يكن يفصل منزلنا في المزارع عن الضريح أكثر من جدار، وكانت تصيخ السمع لأي صوت قادم من هناك، وهي تدعو الله أن يكون الوليد ذكرا كي يعيد الحياة لأسرة تكاد تندثر.

ومع الخيوط الأولى للفجر أعلنت صرختي الأولى قدومي للحياة، فأسرعت جدتي ولحقتها خالتي من الغرفة الأخرى إلى غرفة الولادة، وكان السؤال الأول "للداية": أولد هو أم بنت؟ فكانت إجابة الداية إنها بنت، وهنا ضربت جدتي بكفها على جبينها، وسقطت على الأرض، ولكن خالتي حملتني وذهبت بي إلى حيث هناك بصيص من النور، ونظرت إلي جيدا ثم صرخت: ولد، لا والله ولد، وهنا نهضت جدتي وأخذت تزغرد طويلا.

أرسلوا لوالدي يبلغونه بأنه قد رزق بولد، فأرسل إليهم يبلغهم بوجوب تسميته "تركي"، فهو وحتى قبل أن أولد كان ينادونه "بأبي تركي"، ولكن مختار القرية (العمدة) الحاج أبو عوض كان يسمى المواليد الجدد وفق مزاجه فأسماني "عودة"، رغم احتجاج جدتي وأمي وخالتي، ولكن ذلك لم يجد نفعا مع طاغية القرية، وعاد أبي في زيارته السنوية لنا، جن جنونه، وافتعل مشاجرة عنيفة مع المختار، ولم يهدأ له بال حتى غيّر الاسم من عودة إلى تركي فهدأت ثائرة أبي.

طوال أيام نشأتي الأولى في المزار كانت علاقتي بجدتي أقوى من علاقتي بأمي، وقد جعلتني جدتي الآمر الناهي في البيت بحيث لو أرادت أمي أو خالتي كأسا من الشاي، كانتا تأتيان إلي كي أطلب من جدتي التي كانت تحتفظ بالمواد التموينية النادرة كالسكر والشاي والأرز في صندوق خشبي بني كبير، لا زلت أذكر شكله حتى الآن، وكانت تخبئ المفتاح داخل صدرها.

وعندما بلغت الرابعة من العمر أدخلتني إلى "كُتّاب الشيخ الغزاوي" كي أحفظ القرآن وأتعلم الأبجدية ولكن مقامي في الكتّاب لم يدم طويلا، إذ ضربني الشيخ بالفلقة، فعدت إلى جدتي باكيا، فما كان منها إلا أن ذهبت إليه في منزله وتشاجرت معه، قائلة له: أنت لا تعرف قيمة هذا الولد، ونحن في غنى عن تدريسك، لا بارك الله فيك ولا في دروسك.

 لم تكن أمي راضية عن أسلوب جدتي في تعاملها معي إذ كانت تخشى أن يفسدني الدلال، ولكن لم يكن لها من الأمر شيء، وعلى الرغم من أن جدتي كانت قوية الشخصية وقاسية مع الغير حتى أن الكل كان يخشاها في القرية فإن تعاملها معي كان في غاية اللين والرقة، وهذا ما كان يثير أمي.

عندما بلغت السادسة من العمر افتتحت أول مدرسة ابتدائية في المزار، فسارعت جدتي بتسجيلي فيها، فقد كانت حريصة جدا على تعليمي، وكان مدير المدرسة أحد أبناء عمومتها، فأوصته عليّ توصية شديدة، وشددت على عدم إهانتي في المدرسة، أو ضربي. ولكن المشاكل بدأت تواجهني منذ اليوم الأول في المدرسة، فقد طلب من جميع التلاميذ في اليوم الأول ألا يعودوا في الغد إلا وهم حليقو شعر الرأس تماما (على الصفر) ، فما كان من جدتي إلا أن رافقتني في اليوم التالي ودخلت مباشرة على المدير وهي تمسك بيدي وتقول له دون مقدمات: ولدي ليس قذرا لا قمل ولا صيبان، فلماذا يحلق شعر رأسه؟ إن كان بقية التلاميذ قذرين ليس لدى أهاليهم ثمن الصابون فولدي أنظف من النظافة، حاول المدير أن يقنعها بأن هذا هو النظام، لكنها أصرت وأخيرا رضخ المدير لرغبتها وأصبحت التلميذ الوحيد المستثنى من حكاية حلق شعر الرأس، فهذه هي "الحاجة صبحا" التي لا يقف أمام إرادتها شيء.

وفي قصة أخرى من أقاصيص جدتي طلب منا أحد الأساتذة أن نشتري دفترا بغلاف أسود، وكان آنذاك أفخر أنواع الدفاتر، قائلا: إن من ليس لدى أهله القدرة على شرائه فلتبع أمه بعض البيض وتشتريه. أوصلت هذا الكلام لجدتي التي رافقتني في اليوم التالي، ودخلت على ذلك الأستاذ قائلة: البيض نشتريه من أمك كي نطعمك إياه، وهزأته أمام الجميع.

 وفي حادثة أخرى قام أحد الأستاذة بضربي بحافة المسطرة على ظهر يدي، فلم يكن من جدتي إلا أن دخلت على ابن عمها المدير، وطلبت طرد ذلك المدرس، ولم تهدأ الأمور إلا بعد أن اعتذر المدرس من "الحاجة"، ووعد بألا يعيد فعلته "الشنعاء" تلك.

والغريب في الأمر أن هذا الأستاذ ذاته قام بتدريسي في الصف السادس الابتدائي في السعودية، في المدرسة الخامسة بالدمام وقد عرّفته بنفسي فقال ضاحكا: "ابن الحاجة؟"، ولكن "لا حاجة هنا اليوم"، قال ذلك مازحا، بعد ذلك أصبحت أعرف في المدرسة بـ"ابن الحاجة"، ولا يستطيع أحد الاقتراب مني أو أذيتي في علاقة أشبه ما تكون بعلاقة أميركا وإسرائيل، كما كنت أصف علاقتي بجدتي لاحقا.

في منتصف العام الدراسي عام 1958 جاء والدي ومعه سيارة شحن حمراء، أذكر لونها تماما، عاقدا النية على العودة النهائية بأسرته الصغيرة إلى السعودية، وقد فرحت كثيرا بذلك، فسوف أكون مع أبي طوال الوقت رغم خوفي من انفراد أمي بي هناك، فقد كان أبي في رحلاته الخاطفة إلينا يحدثني عن القصيم و القصيعة، والعودة إلى الجذور، وفي ليلة الرحيل أذكر أنني نمت بحذائي خشية أن يسافروا ويتركوني وحيدا في المزار، وفي صباح اليوم التالي غادرنا وسط دموع جدتي العزيزة التي لم تشعرني بأي أسى رغم علاقتي بها، هذا وتستمر السبحونة.

المزيد من آراء