ما الذي يجب أن يتضمنه أي اتفاق شامل مع إيران؟

معهد دراسات أميركي يقدم استشارات لإدارة ترمب في كيفية التعامل مع خطط طهران

على الرغم من عمليات الحشد العسكري الأميركي المتواصل في بحر العرب والخليج العربي، ووسط التصريحات النارية المتبادلة بين واشنطن وطهران، و تفجير ناقلات النفط وإسقاط طائرة تجسس أميركية، ظلّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملتزما حتى الآن بخيار التفاوض من أجل عقد اتفاق جديد مع إيران، ولكن ما الذي يجب أن يكون عليه هذا الاتفاق وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تدير المفاوضات الدبلوماسية مع إيران إذا ما رضخت في النهاية وقبلت بالتفاوض؟

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحوث وتفكير أميركية غير حزبية في واشنطن تختصّ بالأمن القومي والسياسة الخارجية، أصدرت تقريرا يستهدف تقديم المشورة للإدارة الأميركية حول كيفية التعامل مع الخطط الإيرانية واستراتيجياتها ونواياها واحتمالاتها.

تجنب تخفيف العقوبات

التقرير الذي أعده "مارك دوبويتز"، الرئيس التنفيذي للمؤسسة، و"ريويل مارك غريشت"، المختص بقضايا الشرق الأوسط وإيران، و"بهنام بن تاليبلو"، وهو خبير في الشأن الإيراني، يحذر في بدايته من انتكاسة أي اتفاق إذا لم تنتهج واشنطن سياسة الضغط البطيء على إيران، ولهذا ينصح بضرورة تجنب أي تخفيف للعقوبات في مرحلة مبكرة من التفاوض للإبقاء على أقصى ضغط ممكن على النظام الإيراني.

أكثر من ذلك، فإن أية مفاوضات تفصل بين الملف النووي وطموحات النظام الإيراني الإقليمية ستكرر خطأ إدارة الرئيس أوباما وتُعطي نظام طهران ضوءاً أخضر يشجعه في السيطرة على الشيعة العرب في المنطقة ودفعهم للتشدد، كما سيقنع الدول العربية السُنية بأن الولايات المتحدة ليس لديها نية حقيقية في التصدي للنفوذ الإيراني ومحاولات الهيمنة في الشرق الأوسط.

ويُذّكِر التقرير بالخطأ الذي وقع فيه مؤيدو الاتفاق النووي مع إيران حين أعادوا تقديم النظام الإيراني باعتباره متسامحا ولا يمثل عاملا سلبيا مهددا في الشرق الأوسط وقللوا من خطر الأيديولوجية الثورية للجمهورية الإسلامية ونجاحها في قيادة وتنظيم الميليشيات الشيعية الأجنبية.

الضغط حتى الهاوية

ولأن القوى الثورية و الذين تحركهم عقيدة دينية لا يتراجعون عن نفوذهم الذي بلغوه والحدود التي وصلوا إليها إلا إذا واجهتهم مشاكل في الداخل أو قوى في الخارج ، فإن أي إدارة أميريكية تحاول التفاوض مع إيران يجب أن تضغط على نظام رجال الدين في طهران حتى الهاوية كي يتخلوا عن برنامج دعمته باستمرار جميع اتجاهات النخبة الحاكمة في إيران.

ويستدل التقرير بمقاربة تاريخية، فيقول "إنه عندما كانت قوات إيران العسكرية تتصدع وتهرب خلال الحرب العراقية الإيرانية، وحينما أدرك نظام الملالي أن انهيار الخطوط الأمامية، قد يُسقِط الجمهورية الإسلامية سارَع مرشد الثورة وقتها آية الله الخميني بالسعي لإنهاء الحرب، ولهذا فإن أهمية البرنامج النووي الإيراني لطهران، تُماثل ربما نفس الأهمية التي كان يوليها الخميني في حملته ضد نظام صدام حسين".

إيران تسعى إلى اتفاقات محدودة

ويشير التقرير إلى أنه حتى تحت ضغوط أميركية قاسية، فإن طهران سوف تسعى جاهدة إلى اتفاقات مرحلية محدودة  وليست تحولية، وهو ما قد يؤدي إلى إهدار الوقت في المفاوضات وجعل أي اتفاق محدود المدى ومرحلي في التطبيق ويقاوم بقوة المقايضة مع قدرات إيران النووية والتقليدية بهدف الحفاظ على عناصر قوة ضد الضغوط الأميركية.

وإذا تم التوصل إلى اتفاقات محدودة، فسوف يكون ذلك في مصلحة إيران، حيث استثمرت الكثير من الوقت والجهد والمال بغية تطوير قدرات تمكنها من إنتاج أسلحة نووية وصواريخ باليستية نووية، كما أن النظام خصص ميزانيات دفاعية ورسم استراتيجيات أمنية على مدى 20 عاما بما يجعل المرشد الأعلى "علي خامنئي" والرئيس "حسن روحاني" منخرطين في هذه الجهود منذ البداية، بل يمكنهما القول إنهما من الآباء المؤسسين.

خطورة روحاني وظريف

ولهذا تبدو القضية –حسبما يقول التقرير – شخصية بقدر ما هي سياسية، فالسبب الرئيس الذي يجعل "روحاني" في أي مفاوضات أكثر خطورة، أنه معني بالأمر ويعتبره جزءا منه مقارنة بالرئيس الإيراني السابق، وهو ما ينطبق أيضا على محمد جواد ظريف وزير الخارجية، والذي يعدّ القطب المضاد لرئيس المفاوضين السابق في الملف النووي، "سعيد جليلي"، فحتى قبل إعلان الرئيس ترمب انسحابه من الاتفاق النووي، كان روحاني وظريف يقدمان نَفسَيهما محليّاً ودوليّاً باعتبارهما حقّقا اتفاقا نوويا محدودا، فبالنسبة إلى القوى الأجنبية، تَمكنا من تحقيق أفضل أمل نحو "إيران مسؤولة" ، وفي الداخل يمكنهما القول أمام النخبة الحاكمة كيف تمكنا التخلص من العقوبات دون مطالبة إيران بتغيير جوهري أو إنهاء طموحاتها النووية.

ويؤكد التقرير أن إيران سوف تسلُك نفس المنهج إذا انخرط البيت الأبيض مع إيران دبلوماسيا، كما أن المرشد الأعلى خامنئي سيعارض أي تسوية شاملة مع الولايات المتحدة إذا افترضنا أنه سيتغلب على كبريائه وحساباته السياسية الداخلية ويقبل التفاوض مع ترمب، ويضيف التقرير أن خامنئي سوف يرغب في التوصل إلى ما عرضه الاتفاق النووي السابق والالتزام بشروطه فيما تواصل إيران العمل بقوة في مناطق لا يغطيها الاتفاق مثل سوريا والاستمرار في تجارب الصواريخ، والتوسع في إنشاء تنظيمات "شيعية" وكيلة لها في الشرق الأوسط.

اتفاق شامل أو استمرار العقوبات

لكن التوصل إلى اتفاق شامل سيجنب الولايات المتحدة هذه المشكلة، ومن ثم فإن توسيع نطاق القضايا والتفاوض عليها بالتوازي مع زيادة الضغط على إيران سيعطي إيران رسالة واحدة، مفادها أنه إذا أراد النظام إنهاء الآلام المتولدة عن العقوبات الاقتصادية فإن عليه إعادة النظر في سياساته الخارجية والأمنية ككل وليس بشكل اختياري منفرد، وإذا لم تكن طهران مستعدة لفعل ذلك، فإن الولايات المتحدة لديها الرغبة في الإبقاء على الضغوط الاقتصادية القاسية واختبار طموحات إيران بالوسائل المطلوبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى هذا النحو ، فإن إدارة ترمب لا يجب أن تبدأ التفاوض كما فعلت إدارة أوباما من بحث الملف النووي والاقتصادي والتنازلات الأخرى التي أعطت طهران إشارة واضحة أن واشنطن مستعدة لتقديم المزيد، وعلى إدارة ترمب أن تغلق باب الأمل أمام إيران بأن أية إدارة ديمقراطية محتملة في المستقبل يمكن أن تعيد إحياء الاتفاق النووي السابق، بل عليه –حسب نصائح التقرير – أن يبني جدارا من العقوبات الإضافية بما يجعل من الصعوبة على أي إدارة أخرى أن تنهيها بسهولة من خلال فرض إجراءات لا تستهدف البرنامج النووي، وإنما تستهدف الدور الذي يلعبه النظام باعتباره راعيا للإرهاب، والبنك المركزي كممول للإرهاب، وبرنامج الصواريخ الذي يعمل النظام على توسيع مداها ودقتها، فضلا عن الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان التي يقوم بها النظام.

تعلية جدار العقوبات

ويضيف التقرير أن تعلية جدار العقوبات سيردع المؤسسات المالية الأجنبية والشركات ويمنعها من العودة إلى السوق الإيرانية بسبب سلاح الخوف والشكوك. فإذا كانت حكومة أو مصرف ما لديهم أية آمال معقودة على إدارة أميركية جديدة يمكن أن توقع اتفاقا محدودا، فيجب أن يعلموا أن العقوبات سوف تبقى، بخاصة وأن الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس أوضحوا أنهم لن يدعموا العودة للاتفاق النووي السابق، وفي حال عودة الحزب إلى الحكم لن يتردد في استعادة العقوبات، واستهداف كل مؤسسة أو شخص ينتهكها.

وعلى سبيل المثال، فإن تصنيف الولايات المتحدة البنك المركزي الإيراني منظمة إرهابية استنادا إلى أن قيادته السابقة تورطت في دعم الإرهاب، سوف يُجمد نشاط البنك حتى إذا عادت إدارة أخرى إلى البرنامج النووي القديم، كما يمكن للإدارة الحالية إعاقة محاولات أوروبا تجاوز العقوبات الأميريكية بملاحقة المؤسسات المالية الإيرانية التي تتعامل مع أوروبا، كما بوسع الإدارة أن تُصدر تحذيرات عبر وزارة الخزانة الأميريكية بعدم التعامل مع قطاعات في الاقتصاد الإيراني تُسهم في أنشطة خطيرة مثل برنامج الصواريخ الباليستية.

وعلى واشنطن تحريك هذه العقوبات حتى خلال سير عملية التفاوض.

كيف تقيس جدية الإيرانيين؟

يقول التقرير إن جلوس إيران على مائدة المفاوضات لا يعني أن عرض التفاوض الإيراني هو عرض حقيقي، فإيران تدرك السياسات الداخلية الأميركية أكثر من أي وقت مضى، ولديها كل ما يحفزها على شراء الوقت، لتستمر المفاوضات حتى موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، لترى ما إذا كان موقفها التفاوضي سوف يتحسن تحت حكم الديمقراطيين إذا فازوا بالانتخابات.

ولهذا يمكن للإدارة الأميركية أن تضع علامات لتقييم واختبار ما إذا كان النظام الإيراني جاد تجاه المفاوضات والتي قد تؤدي إلى اتفاق شامل أم لا.

فإذا اجتمعت العلامات المختلفة معا فهذا يعني أن طهران تواجه إكراها سياسيا شديدا وأزمة كبيرة في الاقتصاد الكلي، أما إذا دخلت الإدارة الأميركية المفاوضات من دون النظر في الظروف السياسية والاقتصادية الداخلية في إيران، فإن الأمر سينتهي بشكل سيئ بالنسبة إلى الأميركيين.

علامات التقييم

صَنّف معدو التقرير علامات التقييم إلى علامات سياسية وعلامات اقتصادية على النحو التالي:

العلامات السياسية

- مدى الانقسام أو الإجماع داخل النخبة السياسية والعسكرية والدينية تجاه المزايا التي يمكن تحصيلها من المفاوضات وتقييمهم عما إذا كان الرئيس ترمب صارما وحازما أم أنه من الممكن أن يقدم تنازلات.

- مدى استمرار الاحتجاجات داخل إيران ما يشير إلى التنافر بين سياسة الدولة والمجتمع.

- مدى تأثر وشكوى التنظيمات الإقليمية الوكيلة لإيران من وضعها المالي.

العلامات الاقتصادية

- مدى تراجع الصادرات البترولية الإيرانية إلى ما دون المليون برميل يوميا.

- مدى التراجع في قيمة الريال الإيراني مقابل الدولار في السوق غير الرسمية.

- مدى تراجع احتياطيات النقد الأجنبي.

- مدى تراجع إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

تقييم التنازلات

يقول التقرير إنه في أي اتفاق شامل وحقيقي، فإن التنازلات الإيرانية ستأخذ أحد شكلين رئيسيين:

أولهما: شكل مادي، يتمثل في إزالة وتدمير وحل وتآكل القدرات القائمة حاليا لدى إيران، مثل التخلص من اليورانيوم المخصب، وإزالة الصواريخ التي ينطبق عليها اتفاق منع انتشار تكنولوجيا الصواريخ، والسماح بتفقد مواقع الحرس الثوري الإيراني التي طالما اشتبهت الولايات المتحدة ودول أخرى في أنها تضمّ أنشطة نووية.

ثانيهما: شكل سياسي، ويتمثل في عدم استخدام القدرات القائمة حاليا في المستقبل.

وعلى واشنطن أن تعرف مقدما أية آلية مادية أو سياسية سوف تتعامل بها بشكل كافٍ مع كل تهديد إيراني، حيث يتوقع أن ترفض طهران المطالب الأميركية فيما يخص التنازلات المادية بدعوى الاحتياج إلى الأسلحة بهدف الدفاع الشرعي.

وينصح التقرير بتوسيع نطاق النقاط الـ 12 التي حددها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو  في خطابه حول إيران كمطالب تهدف إلى إنهاء التهديدات الإيرانية، لتشمل إجراء انتخابات حرة وعادلة لا يوجد فيها مجلس وصاية يوافق على المترشحين للانتخابات. كما على إدارة ترمب عدم تجاهل ملف حقوق الإنسان لأن تجاهل هذا الملف سيبرر ادّعاءات النظام بأن واشنطن لا يعنيها معاناة الشعب الإيراني.

ملفات وخيارات

يشرح التقرير الحد الأدنى المطلوب في أي اتفاق شامل جيد مع إيران، فيصنف التهديدات الإيرانية الحالية إلى ثلاثة: نووية، وعسكرية- صاروخية، وإقليمية.

ففي الملف النووي يطالب بمنع إيران من تخصيب اليورانيوم تحت كل الظروف وأهمية إجبار إيران على التخلص من المواد النووية وعدم السماح بتطوير أو إجراء بحوث نووية أو استيراد مواد نووية إلا بموافقة وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما يطالب الإدارة الأميركية قبل تخفيف أية عقوبات على إيران بضمان توقيع البرلمان الإيراني والمرشد الأعلى للثورة على بروتوكول إضافي يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش أية أنشطة نووية في إيران، أو اللجوء إلى خيار ثانٍ، وهو إبرام اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للتفاوض حول نظام جديد للتفتيش في إيران، كما يدعو التقرير إدارة ترمب إلى الضغط من أجل تحويل مفاعلات المياه الثقيلة إلى مفاعلات مياه خفيفة.

أما ما يتعلق بالتهديدات العسكرية الصاروخية، فيطالب التقرير واشنطن بالعمل على تمديد الحظر الدولي على تصدير السلاح لإيران، وهو ما يتطلب استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، كما يدعو إلى وقف اختبارات تحليق الصواريخ الإيرانية أو توقيع إيران للانضمام إلى الاتفاقية الدولية لمنع انتشار تكنولوجيا الصواريخ فضلا عن إنهاء تطوير أية صواريخ باليستية.

وفيما يتعلق بدعم الإرهاب والأنشطة الإقليمية، فقد دعا التقرير إلى ضرورة وقف نشر الأسلحة عبر الشرق الأوسط أو عبر البحار إلى دول أو فاعلين آخرين من غير الدول  والالتزام بعدم تصدير معدات عسكرية أو تكنولوجية. ونصح التقرير الولايات المتحدة باللجوء إلى عدة خيارات، منها العمل على استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يجدد الحظر على صادرات السلاح الإيرانية لمدة عقد آخر، أو العمل مع شركاء دوليين آخرين لتأسيس سلطة على مستوى دولي أو إقليمي  لمنع شحنات السلاح الإيرانية من الانتقال عبر البحار أو عبر الشرق الأوسط.

الامتناع عن دعم الإرهاب

أما بالنسبة إلى التنظيمات الإيرانية الوكيلة، ينصح التقرير إدارة ترمب باللجوء إلى عدة خيارات، منها العمل على إخراج هذه الميليشيات من سوريا سواء كانت هذه الميليشيات عربية أو غير عربية. أما الخيار الثاني فهو  قيام إيران بتسريح الميليشيات الشيعية العراقية التي يقودها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

كما يدعو التقرير الولايات المتحدة إلى إجبار إيران على الامتناع عن دعم أي شخص أو جماعة أو مؤسسة تم تصنيفها إرهابية من قبل الحكومة الأميركية والالتزام بسيادة جيرانها من الدول العربية وغير العربية، وبخاصة سوريا والعراق والبحرين و اليمن ولبنان وأفغانستان والأراضي الفلسطينية، وهذا يعني التخلص من أي وجود استخباراتي أو عسكري في هذه الدول.

المزيد من دوليات