Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"صليب معقوف" على النيل... حصة النازيين من "مصر الناصرية"  

كتاب يدعي الكشف عن المدى الحقيقي لمشاركة المتخصصين الألمان بعد الحرب العالمية في بناء دولة 23 يوليو

يقول الناشر إن "محاربين قدامى في القوات الخاصة الألمانية دربوا جنود مصر على محاربة البريطانيين في منطقة قناة السويس (أ ف ب)

في فبراير (شباط) عام 2009، نشرت "نيويورك تايمز" تقريراً مطولاً عن شخص يدعى طارق حسين فريد، مشفوعاً بصور له وللفندق البسيط الذي أقام فيه طوال السنوات العشر الأخيرة السابقة على وفاته عام 1992، أي قبل 17 عاماً من تقرير "التايمز".

ولم يكن هذا الاهتمام الكبير من الصحيفة سوى لأنها حصلت على حقيبة تخص ذلك الشخص، واكتشفت من مستندات فيها أن الشيخ الغربي البريء طارق فريد حسين فريد الذي اعتنق الإسلام وجاور الجامع الأزهر لم يكن غير قناع لطبيب نازي يدعى أربيرت حاييم، وهو مسؤول التعذيب والقتل في معسكر "ماوتهاوزن" النازي، وهاوي اقتناء الجماجم البشرية كاملة الأسنان، والملقب من ضحاياه بـ"دكتور موت".

ليس ذلك التقرير الصحافي المثير غير مدخل إلى متاهة الوجود النازي في مصر، فلم يكن حاييم إلا واحداً من ستة آلاف نازي، إن صدقنا التقديرات الغربية نظراً إلى غياب تقديرات أخرى حتى الآن، أقاموا في مصر وعملوا فيها، وذلك ما يرصده كتاب "نازيون على ضفاف النيل: المستشارون العسكريون الألمان في مصر في الفترة من 1949 إلى 1967"، المؤلف من قرابة 230 صفحة للكاتب فيفيان كينروس.

أن تكون ابناً لنازي

وفيفيان كينروس صاحب سيرة مهنية طويلة وثيقة العلاقة بالشرق الأوسط، فهو ابتداء متخصص في الدراسات العربية الحديثة، وعمل مستشاراً للاتصالات والعلاقات العامة في المنطقة، وكان أحدث مواقعه أنه عمل مستشاراً رفيعاً لوزارة الداخلية في السلطة الوطنية الفلسطينية ضمن البرنامج الرئيس لتنمية المعونات الرامي إلى تحسين العلاقة بين قطاع الأمن وسكان الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهو صحافي بريطاني سابق عمل منذ سبعينيات القرن الماضي مسؤولاً عن تغطية الشرق الأوسط، فغطى الحرب العراقية - الإيرانية، وعمل في أفغانستان ثم في أبو ظبي، وله بحسب موقع "أمازون" كتابان هما "محاربو المعلومات: معركة كسب القلوب والعقول في الشرق الأوسط" (2020)، و"مصنع اليسروع: أبداً عملك في العلاقات العامة" (2013)، فضلاً عن كتابه الذي تتناوله هذه المقالة.

لن يتاح كتاب "نازيون على ضفاف النيل" قبل أسابيع، وليس متاحاً له حتى الآن إلا استعراض واحد بقلم جوستين ماروزي منشور في مجلة "ذي سبكتيتور" في السادس من أغسطس (آب) 2022، لكن هذا النزر الضئيل كان كفيلاً بإثارة فضول عظيم، ودافعاً إلى بحث أسفر عن قدر كبير ومثير ومرتبك من المعلومات المصبوغة دائماً بتحيزات واضحة، ولا عجب فالجرائم الشهيرة التي اقترفها النازيون ضد اليهود من القضايا النادرة التي صدر الحكم فيها بما يقارب الإجماع، ويوشك أن يكون غير قابل للنقض، ومن ثم فهي أقرب إلى لعنة يتبرأ منها الجميع، وفرصة سانحة في الوقت نفسه لكل من يريد إثبات إنسانيته.

يوشك تقرير "نيويورك تايمز" الذي كتبه كل من سعاد المخنث ونيكولاس كوليش ونشر في الرابع من فبراير 2009، أن يكون وحده صالحاً لا لكتاب فقط، بل لفيلم سينمائي مثير، وإن شابه بطله أحياناً دكتور هانيبال ليكتر، إذ ينقل التقرير شهادة أدلى بها جوزيف كول السجين السابق في معتقل "ماوتهاوزن" الألماني للفريق الأميركي لتوثيق جرائم الحرب النازية بعد أقل من عام على استسلام ألمانيا، وجاء في شهادته ما يلي...

"دأب دكتور حاييم على النظر في أفواه السجناء للتأكد من سلامة أسنانهم التامة، فإن وجد أنها كذلك في سجين قتله بحقنة سامة، ثم نحر رأسه ووضعه ليطهى في المحرقة لساعات حتى يتجرد من كل ما عليه من لحم ولا تبقى إلا جمجمة عارية، فيجهز الجمجمة لنفسه أو لأحد أصحابه زينة لطاولاتهم".

 

فما أبرأ هانيبال ليكتر بالمقارنة مع ذلك الوحش المرسوم في شهادة جوزيف كول، وهي شهادة نجا صاحبها بجمجمته، بما يقطع بحسن حظه، وبما قد يطعن في صدق شهادته أو سلامة أسنانه، وعلى أية حال وبما أننا قراء هذا المقال وآباءهم وآباء آبائهم، لسنا طرفاً في مسألة "الهولوكوست" برمتها إلا بكوننا بشراً نرفض توحش البشر على بعضهم بعضاً مهما تكن أسبابهم، فلنقبل الظاهر من جميع الروايات إلى أن يفند بعضها بعضاً.

ذلك الوحش النازي بحسب روايات أخرى رصدها أيضاً تقرير "التايمز"، عاش بعد ذلك سنين طويلة في وسط القاهرة، مقيماً في فندق صغير متواضع أقام في أعلى سطحه ملعباً للتنس ليلعب هو والأطفال والشباب من أبناء الجيران الذين لم يعرفوه إلا بوصفه "عم طارق".

أحد أولئك الأولاد الصغار اسمه محمود دومة، وهو ابن صاحب فندق "قصر المدينة"، وأكثر فنادق القاهرة تواضعاً هي أفخمها أسماء، وليس "قصر المدينة" كما تبدو صورة مدخله إلا دليلاً صارخاً على ذلك، الذي أقام فيه أربيرت حاييم طوال السنوات العشر الأخيرة من حياته.

وحاييم في رواية محمود رجل يجيد العربية والإنجليزية والفرنسية فضلاً عن الألمانية، ويقرأ القرآن ويدرسه من نسخة بالألمانية اشتراها لأجله آل دومة، ويعطي الكتب لمحمود ويشجعه على الدراسة، و"كان لي بمثابة أب أحبني وأحببته".

يحكي محمود أنه ظل يلعب التنس هو وإخوته مع الألماني المسلم إلى عام 1990 حين خانته صحته فجأة قبل سنتين من وفاته بالسرطان.

لكنه قبل اعتلال صحته، ظل بقامته الطويلة الرياضية يحافظ على السير 15 ميلاً كل يوم عبر شوارع العاصمة المصرية المزدحمة، متجهاً إلى جامع الأزهر الذي اعتنق فيه الإسلام، وإلى مقهى "غروبي" الأنيق في وسط المدينة ليشتري كعك الشوكولاتة الذي دأب على إهدائه لأصدقائه، ويشتري الحلوى للصغار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حفلت حياة حاييم في القاهرة إذاً بالأصدقاء والجيران والمعارف والحركة، فلم تكن حياة مطارد يرتاب في من حوله أو يقصر حركته على أضيق الحدود خشية أن تقع عليه أعين صيادي النازيين الذين تعقبوهم في كل بلد هربوا إليه ونجحوا في اصطيادهم في حالات كثيرة، فضلاً عن ذلك كان وجود حاييم في مصر أمراً معلوماً لبعضهم.

ففي تقرير نشرته مجلة "ذي أطلنطيك" في 22 مارس (آذار) 2014 بعنوان "أن تكون ابناً لنازي"، وهو أيضاً بقلم نيكولاس كوليش وسعاد المخنث، ورد أن رودريغو حاييم نجل أربيرت "وصل إلى القاهرة في ديسمبر (كانون الأول) 1975 لمقابلة أبيه للمرة الأولى منذ أن كان عمره ست سنوات"، وتم اللقاء بين النازي المختفي وولده في كعبة الوجود الأجنبي في مصر آنذاك، فندق "النيل هيلتون".

صحيح أن الولد وأباه راعيا بعض الحذر، لكنهما في النهاية التقيا في آخر مكان يمكن أن يختاره هارب يقيم وزناً لمطارديه الإسرائيليين، لكن الآخرين في ما يبدو كانوا يبحثون عن حاييم في مظانه الطبيعية، أي بلاد أميركا اللاتينية، فقد قام إفرايم زوروف المدير الإسرائيلي لمركز "سيمون فيسنتال" المعني طويلاً بالبحث عن أربيرت حاييم بزيارة لتشيلي للبحث عنه قبل شهر من معرفته بمصيره النهائي، ولما علم به "أعرب عن دهشته" وقال لـ"نيويورك تايمز"، "إنهم كانوا في سبيلهم إلى رفع مكافأة الإدلاء بمعلومات عن حاييم من 400 ألف دولار إلى مليون و300 ألف"، ثم قال إن "العالم العربي كان بالفعل ملاذاً أكثر أمناً للنازيين من أميركا الجنوبية".

النازيون وعبد الناصر

وتزداد غرابة جهل مطاردي حاييم بمكانه حين نعلم أن إقامة الرجل في مصر لم تكن معلومة لولده فقط، إذ ظل الرجل على سبيل المثال يتلقى أموالاً من أوروبا، لأنه كان "يمتلك شقة في مبنى سكني ببرلين قال محققون إنها ظلت تدر له عائداً طوال حياته باسمه المستعار"، وكانت الأموال تصله على الأرجح من خلال أخته هيرتا بارت التي أخبرت رودريغو لاحقاً بمكان أبيه، كما كان حاييم يبعث رسائل مطولة إلى أصدقاء له وأقارب، ولكن طريقة ذلك تبقى بحسب "التايمز" غير معروفة.

غير أن مطاردي حاييم كانوا محقين في البحث عنه في أميركا الجنوبية التي استقبلت كثيراً من النازيين الهاربين بحياتهم من حملات الثأر اليهودي التي وثقتها أفلام وكتب.

يقول جوستين ماروزي في مقاله بمجلة "سبكتيتور" إنه "حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية أن توافر في السوق العالمية فجأة آلاف العاطلين النازيين من علماء الصواريخ والفنيين المتخصصين في محركات الطائرات والقادة العسكريين والمهندسين الكيماويين ومتخصصين في الدعاية وكثير من المجالات الأخرى، وفي حين انتهى كثير من هؤلاء إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي طوعاً أو كرهاً، بقي كثيرون أيضاً في بلاد من قبيل الأرجنتين ومصر، إذ قدرت تلك البلاد أنها يمكن أن تتعلم أمراً أو بضعة أمور من أولئك المتخصصين بما يساعدها في القمع الداخلي وأسلحة الدمار الشامل".

يقول ناشر "نازيون على ضفاف النيل" في تقديمه له بموقعه على الإنترنت إنه "بعد 70 عاماً من ثورة جمال عبدالناصر التي غيرت مصر والشرق الأوسط، يأتي هذا الكتاب ليكشف المدى الحقيقي لاشتراك المتخصصين النازيين والألمان في بناء دولته العسكرية، ومن خلال استعمال وثائق بريطانية رسمية وملفات أفرجت عنها الاستخبارات المركزية الأميركية بموجب قانون الإفصاح عن جرائم الحرب النازية، يرسم فيفيان كينروس صورة مقنعة لبلد يعيد تسليح نفسه ويستعد للحرب الباردة وعصر الصواريخ بمساعدة أفراد سابقين في قوات (الفيرماخت) المسلحة الألمانية وعلماء الصواريخ والمهندسين الكيماويين ومصنعي الأسلحة وتجار السلاح".

 

ويحدد الناشر في نقاط بعض ما يكشف عنه الكتاب في هذا الصدد، فيقول إن "محاربين قدامى في القوات الخاصة الألمانية قاموا بتدريب جنود مصر على محاربة البريطانيين في منطقة قناة السويس والإسرائيليين في غزة، ولو أن المقاتلين الألمان حصلوا على سلطة تنفيذية وقيادة ميدانية فلعلهم كانوا غيروا النتائج الحربية لمصلحة مصر، وإن البريطانيين اكتشفوا تكتيكات تخريبية ألمانية في السياسة الخارجية والبروباغندا والعمليات الاستخباراتية المصرية، وإن مصر استعملت أساليب قسرية لإقناع سكانها اليهود بالرحيل عن مصر بعد أزمة عام 1956".

وهكذا وفقاً لهذا "الإعلان"، تكون مصر الناصرية هبة النازيين عسكرياً وإعلامياً وسياسياً، ويكون كل ما حققته الثورة، بل وما فشلت في تحقيقه، خلال حقبة ما بعد الكولونيالية هو بفضل النازيين الهاربين إليها، ولا أريد أن أسارع إلى وصم ذلك بأنه افتراء كله، كما لا يمكن أن أسارع إلى تبنيه بوصفه الحقيقة التي طال السكوت عنها، فتقرير نصيبي الحقيقة والافتراء في هذا الزعم كله ينبغي أن يقع على عاتق المؤرخين، وبخاصة العسكريون منهم.

لا يحتل أربيرت حاييم من كتاب فيفيان كينروس مساحة البطل المفرد، إذ يشاركه آخرون، بل كثيرون للغاية، منهم يوهان فون ليرز ذو الملامح الطفولية، وهو أحد كبار المتخصصين الألمان في الدعاية والتنظير، وحامل رتبة العميد الفخري في القوات النازية، ومساعد جوزيف غوبلز سيئ السمعة، ومؤلف 27 كتاباً يصفها جوستين ماروزي بـ"كتب الكراهية" الموجهة ضد اليهود.

قضى فون ليرز بعد الحرب سنوات عدة في "نشر الدعاية المعادية للسامية لحساب نظام خوان بيرون في الأرجنتين، ثم انتقل إلى القاهرة عام 1956 فعمل مستشاراً سياسياً لجمال عبدالناصر ومتخصصاً في الدعاية المناهضة لإسرائيل"، ثم حدث أن وقعت عليه عينا صحافي يعمل في "تورنتو ستار" في مكتبه بوزارة الإرشاد القومي، واستفزه إلى أن كشف عن شخصيته الحقيقية، وانهال هجوماً على اليهود الأميركيين والهجمات الصحافية الصهيونية، معرباً عن موقفه الرافض وجود الدولة اليهودية الجديدة، و"شأن عدد من نظرائه، اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى عمر أمين".

لن يواجه مؤرخونا فقط مهمة بحث مزاعم، كي لا نقول "اتهامات"، إيواء مصر لمجرمي حرب نازيين واستعانتها بهم في بناء الدولة، لكنهم سيضطرون أيضاً إلى احتمال تشنيعات جانبية، إذ ينقل جوستين ماروزي عن الكتاب أنه في القلب من زمرة المستشارين العسكريين الألمان "كان ثمة فيلهلم فوس، وهو رجل رفيع الكفاءة اجتمعت له القدرة على التفكير في الصورة الكلية والتحكم المذهل في التفاصيل، وهي مهارات لم تنعم بها كثيراً ثقافة الإدارة المصرية في ذلك الوقت".

ويكتب كينروس أن الجنرال أوسكار مونزل ضابط الدبابات الألماني المكلل بالأوسمة الرفيعة اشتكى للجاسوس الإسرائيلي بول فرانك قائلاً "لقد حاولت 1000 مرة أن أغرس في رؤوسهم الميتة أن الطلاء البراق وأرقام التعريف الضخمة لا تستطيع تدمير دبابة مقاتلة".

يبدو إذاً أنه لا مانع من تناسي النقمة على النازيين موقتاً، وخلع صفات العبقرية والكفاءة عليهم، ما دام ذلك أمراً موقتاً يتيح التقليل من المصريين بالمقارنة، كما أنه لا مانع أيضاً في ما يبدو من هذا الجمع العجيب بين نازي هارب وجاسوس إسرائيلي في حديث ودي عن ترهل الإدارة لدى المصريين.

ويمضي جوستين ماروزي، والكتاب نفسه في ما يبدو، في استعراض معاناة النازيين في مصر، فينقل عن "البطل الحربي الألماني البارون تيودور فون بختولشيم ضابط البحرية الرفيع الذي تحول إلى مستشار عسكري شكواه عام 1952 من أن "الإهمال المشرقي يضايقني المرة تلو المرة، أما هم فيهزون رؤوسهم ويقولون معلش (Malaish)".

الهولوكوست بطريقة أخرى

بمشورة من الألمان، بحسب مقالة جوستين ماروزي، عمدت الحكومة المصرية إلى ترحيل اليهود من مصر باضطهادهم فيها بدلاً من القضاء عليهم مباشرة مثلما فعل النازيون في أوروبا، ويستشهد مازوري بزعم المباحث الفيدرالية الأميركية أن "مجزرة اليهود المصريين غداة حرب 1948 (إشارة إلى تفجيرات في أحياء اليهود في القاهرة أدت إلى مصرع العشرات منهم) إنما تمت بتحريض من أدولف أيخمان أحد كبار مهندسي (الهولوكوست) الذي كان موجوداً في القاهرة آنذاك".

تشير المقالة أيضاً إلى طرد اليهود من مصر مع حرب 1956، إذ تم طرد عشرات الآلاف منهم، من دون أن تشير إلى أن الرحيل عن مصر لم يقتصر على اليهود، ولكنه كان نزوحاً عاماً شمل الأجانب من عشرات الجنسيات ممن رأوا مصر جديدة غير التي كان يهيئها لهم الاحتلال البريطاني.

لكن الحقيقة أن خروج اليهود من مصر يجب أن يدرس أيضاً بمعزل عن ذلك النزوح، لأنهم في النهاية كانوا مواطنين مصريين طبيعيين، منهم الوزراء وكبار رجال الأعمال، ويمثلون جزءاً من النسيج المصري العادي، ولم تكن قرارات تأميم ممتلكات الإقطاعيين وكبار الاقتصاديين مقصورة عليهم، بل شملتهم مثلما شملت غيرهم من المصريين الأقباط والمسلمين والأجانب، وكذلك جميع التغيرات الراديكالية التي أحدثتها ثورة يوليو (تموز) 1952 في تركيبة المجتمع المصري كله.

 

يسرد الكتاب أسماء آخرين من النازيين السابقين رفيعي المستوى ممن خدموا في المؤسسات المصرية المختلفة، ومنهم ليوبولد جليم الرئيس السابق لقسم الشؤون اليهودية في "الجستابو" ببولندا، الذي عمل في المؤسسة الأمنية المصرية الوليدة، وكان تحت قيادته العسكري النازي السابق ألويسن موزر، الذي كان مطلوباً في الاتحاد السوفياتي لارتكابه جرائم في حق اليهود، والعسكري النازي السابق برنهاردت بيندر، الذي كان يدير مركز استجواب في سفينة مهجورة وأطلق عليه الضحايا اليهود اسم "الجحيم الطافي".

ويبرر كينروس اعتماده المفرط على هذه النوعية من المعلومات على المصادر الغربية، بخاصة الاستخبارات الأميركية، بقوله إنه "لم يزل يتعذر الوصول إلى السجلات المصرية".

ينقل جوستين ماروزي عن فيفيان كينروس احتجاجه بأن عجرفة البريطانيين تجاه المصريين وموقفهم العنصري منهم كانا من أسباب التهاب المشاعر القومية لدى عبدالناصر، وينقل عنه كذلك لومه لإسرائيل "وسياستها التوسعية واحتلالها العسكري للأرض وقمعها للشعب الفلسطيني"، وكأنه يبرر بهذا سر إيواء مصر لمجرمي حرب نازيين أو ربما ليضيف قرائن إلى أدلة الإدانة الدامغة.

وأخيراً يتساءل جوستين ماروزي عما إذا كانت التجربة الألمانية، أو النازية بالأحرى، قد نجحت في مصر؟ فيرى أنها ناجحة إذا قيست بمساعدتها عبدالناصر على البقاء في الحكم من 1954 إلى 1970، لنفهم من هذا أن أكثر حكام مصر شعبية عبر تاريخها الحديث مدين بشعبيته واستقراره في الحكم للنازية، وليس لعشرات الأسباب الأخرى وأقلها انحيازه للسواد الأعظم من شعبه وتعبيره عنهم في أغلب مواقفه وسياساته.

أما إذا قيست التجربة النازية في مصر بالمقياس العسكري فهي فاشلة، لأن مصر منيت في ظل استعانتها بالألمان بأربع هزائم عسكرية هي "حرب 1948، وحرب السويس 1956، وحرب الأيام الستة عام 1967، والخسارة العسكرية الرابعة في حرب (يوم كيبور) سنة 1973"، وبهذا يكون مطلوباً منا أن نفهم لا أننا فقط كنا عالة على العقل النازي الإجرامي طوال ثلاثة عقود، بل وأن نصرنا الكبير الوحيد، الذي أنهى على نحو ملموس واضح للعيان احتلالاً عسكرياً استمر ست سنوات، كان أيضاً "خسارة عسكرية".

وعلى الرغم من مغالطات تبدو واضحة حتى لغير المتخصص مثلي، فمن المؤكد أن الإثارة التي نجدها في حياة رجل مثل أربيرت حاييم يمكن أن تتضاعف بعدد النازيين الذي هربوا إلى مصر، كثر هذا العدد أو قل، بما يجعل القراءة في هذا الباب من أبواب تاريخنا أمراً شديد الإمتاع لمن يبحث عن المتعة.

لكن من المؤكد أيضاً، على الرغم من أية مغالطات أو افتراءات، فإن هذا الكتاب وكتباً كثيرة مثله، تنبه إلى حتمية إعادة النظر المتواصلة في تاريخنا، لا بهدف أن نتبنى روايات الآخرين عنا، بل للوقوف أمام مواضع يمر بها مؤرخونا مرور الكرام إن لم يتجاهلوها، في حين يقف أمامها غيرهم بالدرس والبحث والتحليل بما ينتج سرديات لتاريخنا يجب أن نقيم معها حواراً حقيقياً جاداً أثق في أننا سنكون أول المستفيدين منه، مهما يكن ما قد ينتهي إليه.

عنوان الكتاب:  Nazis on the Nile: The German Military Advisers in Egypt،1949-1967

تأليف:  Vyvyan Kinross

الناشر:  Nomad Publishing

المزيد من كتب