Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن صورة الإسلام في عصر النهضة الإيطالية

الكتاب والأدباء الإيطاليين ورثوا تصوراتهم عن الإسلام والمسلمين من سابقيهم البيزنطيين واللاتين

لوحة تمثل حال الحوار في العصور الوسطى (صفحة الرينسانس - فيسبوك)

في كتابه "صورة الإسلام في عصر النهضة الإيطالية – في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين" (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، يذهب الباحث عمر عبد المنعم إمام، إلى أن المثل الأبرز لتلك الصورة المشار إليها في العنوان، يتمثل في "الكوميديا الإلهية" لدانتي. فقد هدف دانتي من عمله هذا استكمال مسيرة كتاب العصور الوسطى للرؤى الراسخة في أذهانهم حول صورة النبي محمد. ومع ذلك - يقول المؤلف – فإنه إذا تأمل قارئ بعض أبيات عذاب أهل النار في "الكوميديا الإلهية"، سيجد أن دانتي ربما استوحاها من الأدب الإسلامي ومن بعض آيات القرآن الكريم، لجهة أن الله يستبدل جلود الآثمين التي احترقت بأخرى حية بهدف تكرار العقوبة.

"كتاب الحج"

وعلى الرغم من أن ريكولدو دي مونتي قدم أعمالاً تتهكم على الإسلام، تحت عنوان "تفنيد القرآن"، فإن عمله "كتاب الحج" يفند أعماله تلك، ففيه يشيد بالقيم والمثل العليا المتمثلة في الأعمال الجليلة للإسلام والمسلمين. ويبدو أنه – يقول المؤلف –  من ناحية أخرى قد أراد من خلال "كتاب الحج" أن يظهر مساوئ أو نقصان المناسك الإسلامية، بالمقارنة والمقاربة بينها ومثيلتها في المسيحية. إلا أنه قد لاحظ في بعض الأحيان تفوقاً للممارسات الإسلامية على المسيحية. ومن هنا اتضح للباحث عمر عبد المنعم إمام، أن ريكولدو لم يوفق في بعض تصوراته حول العقيدة الإسلامية لعدة أسباب؛ أولاً: وصفه المناسك الإسلامية لم يكن  دقيقاً، وقد تبين ذلك في حديثه عن الصلاة واختلاط الأمر عليه بتضمين مجالس الذكر لدى الصوفية على أنها من الصلاة! ثانياً: بدلاً من إظهار الإسلام على أنه عقيدة خاطئة لدى المسيحيين، فإنه كشف لجمهوره المسيحي مدى الإخلاص والتفاني والرقي والتحضر في ممارسة المسلمين لشعائرهم الدينية. ثالثاً: من المؤكد أن تقديم ريكولدو للممارسات الإسلامية قد عمل على إيجاد نوع من التخبط والتشتت لدى قرائه من المسيحيين.      

 

وفي سياق آخر، قام بعض الرحالة الإيطاليين برصد بعض الشعائر الإسلامية، وتدوين عادات المسلمين وتقاليدهم ، البعض منهم أصاب في عدة مواضع، بينما أخطأ كثيرون منهم في رصدهم للعديد من تلك الشعائر وهذه العادات. فقد ذكر أحدهم أن المسلمين يحتفلون بعيد الأضحى لأن إبراهيم عليه السلام أمر ابنه إسحاق أن يُذبَح بدلاً من أخيه إسماعيل!

موروثات خيالية

ولاحظ المؤلف أنه كان لطبيعة الفكر الإنساني الإيطالي، خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، أنه انساق وراء الموروثات الفكرية الخيالية التي اعتمدت على النصوص القديمة عن الإسلام، وقد اتخذت الكتابات مسارين؛ الأول: استمرارية محاربة الإسلام فكرياً والثاني: يعمل على تهدئة الرأي العام في أوروبا من خلال السعي حثيثاً لتكوين جبهة موحدة، من علمانيين ولاهوتيين، لمواجهة المد الإسلامي، وهو الأمر الذي لم يستطع البابا بيوس أو غيره تحقيقه حينذاك.      

يضم الكتاب دراسة من أربعة فصول، ومقدمة وخاتمة، وقائمتين بالمختصرات والمصادر والملاحق. الفصل الأول عنوانه "صورة محمد في الكتابات الإيطالية"، والفصل الثاني عنوانه "المسلمون في كتابات الرحالة الإيطاليين"، والفصل الثالث بعنوان "الرؤى الإيطالية للمد الإسلامي"، والفصل الرابع جاء تحت عنوان "أعلام المسلمين في كتابات الإيطاليين".

وجاء في مقدمة الدراسة أن الإسلام شكَّل منذ ظهوره تحدياً كبيراً لأوروبا العصور الوسطى، بعد أن طرق أبوابها الجنوبية الغربية من ناحية بلاد الأندلس، وسيطر على شبه الجزيرة الإيبيرية، وأصبح يهدد كيان واستقرار الممالك الأوروبية، خاصة بعد معركة "بلاط الشهداء" التي كان لها دور كبير في استشعار خطر المد الإسلامي لدى كل من البابوية وملوك أوروبا الذين استنهضوا هممهم وسعوا بكل ما لديهم من قوة، كي يقفوا حائلاً ضد ما اعتبروه خطراً إسلامياً عن طريق تكوين جبهة مضادة عرفت في التاريخ بالحملات الصليبية على المشرق الإسلامي؛ أملاً في كسر شوكة المسلمين والاستيلاء على خيراتهم تحت ستار الدين.

تشويه متعمد

ولاحظ المؤلف أن الكتاب والأدباء الإيطاليين ورثوا تصوراتهم عن الإسلام والمسلمين من سابقيهم البيزنطيين واللاتين، وراحوا يفردون لها أعمالاً، لم يكن بعضها مرضيا للمسلمين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واختار عمر عبد المنعم إمام، الفترة من القرن الرابع عشر وحتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وهي الفترة الممتدة من نهاية الحروب الصليبية على المشرق الإسلامي حتى نجاح المسلمين في إسقاط القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عام 1453 وبسط سيطرتهم على معظم أنحاء شرق أوروبا، وذلك لدراسة الصورة التي رسمها الكتاب الإيطاليون عن الإسلام والمسلمين.

نماذج مسلمة بارزة

واستند ذلك على أن الفترة التي أعقبت زوال المعاقل الصليبية من الشرق الإسلامي ظهر فيها العديد من الكتابات الأوروبية عامة والإيطالية خاصة عن الإسلام.

وقد ركز المؤلف في الفصل الأخير من دراسته على ثلاثة نماذج مسلمة كان لها دور بارز في تكوين الفكر الأوروبي في العصور الوسطى، وقد تمثلت في ابن رشد وابن سينا وصلاح الدين الأيوبي.

وأوضح أنه كان لابن رشد تأثير كبير في فكر الأوروبيين عامة والإيطاليين خاصة، فقد تم تدريس أعماله في العديد من الجامعات الإيطالية، كما كان لمذهب ابن رشد دور مهم في جذب أتباع كثر من الفلاسفة والأدباء الإيطاليين.

وبخصوص صلاح الدين الأيوبي فكان له شأن خاص في الكتابات الأدبية الإيطالية وبخاصة عمل بوكاتشيو "الديكاميرون" فقد أظهره في صورة فارس نبيل يتصف بكل صفات الكرم والشجاعة.

وفي الخاتمة أوضح المؤلف أن دراسته خلصت إلى إبراز صورة معينة للإيطاليين عن بعض النماذج المسلمة ومدى الاستفادة التي اكتسبها الإيطاليون منها، ومنهم ابن سينا الذي كانت إسهاماته الطبية والفلسفية ذات أثر بالغ في الفكر والثقافة الإيطالية. ومنهم ابن رشد الذي ذاعت شهرته وعلا نجمه فوق سماء أوروبا قاطبة، لدرجة أن أعماله أصبحت تدرس في أروقة الجامعات الأوروبية عامة، والإيطالية خاصة. وقد أسهم ابن رشد بشكل كبير في فك طلاسم بعض كتابات أرسطو، الأمر الذي استفاد منه الكثيرون من فلاسفة وعلماء إيطاليا. حتى أنهم اعترفوا بجهد ابن رشد، إلا أن الطريق – يقول المؤلف – لم يكن كله مفروشاً بالورود له، فقد عارضه فرانشيسكو بترارك، بل وأهانه. وقد تزعم بترارك وجهة النظر الدينية الصارمة، والتي اعتبرت كل فكر حر يدعو للتعقل والتدبر يؤدي من دون شك إلى الإلحاد! ومن هنا رأى بترارك في ابن رشد، والرشدية الدعوة إلى الإلحاد والانحلال الثقافي. وحاول جاهداً الهجوم على كل ما يتعلق بابن رشد – سواء كانت كتاباته أو حتى أتباعه أو كل من يؤمن بالرشدية – في كل محفل أو عمل له.

ومن ناحية أخرى، حاول كتاب إيطاليون إظهار صلاح الدين في صورة رجل غربي المظهر؛ نظراً لما تمتع به من صفات أخلاقية نبيلة جعلتهم يتناسون أنه في المقام الأول عدو لهم، وراحوا من خلال أعمالهم الأدبية الأسطورية، يفردون قصصاً حول شخصيته.  

المزيد من كتب