Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بوح المشاهير"... السهام منصوبة للفضفضة

ندوب نفسية لا تسقط بالتقادم بين الدعم العالمي والرفض العربي

فجر محمود سعد نقاشا حادا بعد أن كشف تفاصيل سوء معاملة والده له (صفحة الإعلامي على فيسبوك)

الآباء يجرحون أيضاً وقسوتهم تتجدد ليس بهدف الحب طوال الوقت، كما تعلمنا من العبارات المحفوظة، إنها الحقيقة التي على ما يبدو كانت غائبة عن بعضهم، فقد اعتاد الناس على دعم الأهالي حينما يشتكون عقوق أبنائهم لهم.

لكن كان المفاجئ أن يطل إعلامي مصري شهير يتمتع بجماهيرية وقبول ويغوص في تفاصيل إنسانية في غاية القسوة معلناً أنه كان ضحية أب جرده من الأمان العاطفي والأسري في طفولته، وحرمه من ذكريات طيبة مع نموذج الأب "المراعي" أسوة برفقاء عمره، لدرجة أنه حينما توفي لم يشعر الابن بشيء يذكر تجاه هذا الحدث الجلل.

دأب الإعلامي المصري محمود سعد، من خلال لقاءاته مع الجمهور عبر فيديوهات قناته على "يوتيوب"، على سرد حكايات فنية وشخصية بتدفق وصدق وبنى رابطاً قوياً مع المتابعين، وعلى الرغم من تعاطف مجموعة منهم معه وتفهم معاناته، لكن الأمر لم يسلم من "إساءة إلكترونية" تدعوه للصمت وعدم إثارة هذا الموضوع "الحرج" وتحرم عليه "الفضفضة".

قضية حساسة ومطالبات بالتوقف

المعترضون يمتعضون من "رجل في عمره"، بحسب كلامهم، يخوض في سيرة الموتى ولا يراعي "قيمة الأب"، على الرغم من تأكيدات المذيع الشهير أنه يحترم أباه وإذا خير بين تحقيق الشهرة والثروة وأن يعيش حياة صحية مع أب يحنو عليه لكان اختار الثانية بكل تأكيد، فهل الحديث بصوت عال هنا عن أزمة حساسة وشخصية تماماً مثل تلك نوع من التداوي ومحاولة للتخفف من حمل ثقيل من الأسى؟ أم ينبغي أن يكون هناك تحكم في سرد تلك القصص لربما تؤثر سلباً في بعضهم وتزيد من الشقاق الأسري؟

أسئلة فجرتها طريقة استقبال الجمهور للحالة التي صنعها الإعلامي محمود سعد، حيث إن تصريحاته تابعها الملايين وبينهم أستاذ العلوم التربوية بجامعة عين شمس الدكتور محمد عبد العزيز، الذي قال إنه كان يتمنى أن يطرح محمود سعد تلك الأزمة كقضية عامة من دون أن يربطها بشخصه، فتأثيرها حينها سيكون أكثر إيجابية، لافتاً إلى أهمية الحديث عن مشكلة مثل تلك.

وأضاف عبد العزيز أن "تداول الخبرات السيئة في بعض الأوقات قد يشجع الغير على الانفصال العاطفي والاجتماعي عن الأهل، حتى لو لم يكن هناك حدث كبير يستدعي ذلك التصرف، فالمشاهير دوماً تحت الأنظار بحكم أنهم شخصيات عامة تؤثر في المتابعين".

وبوجهة نظر أخرى، تحدث وكيل كلية الإعلام الأزهرية المتحدث الرسمي لجامعة الأزهر الدكتور أحمد زارع في وقت سابق تعليقاً على أزمة أسرية هزت مواقع التواصل الاجتماعي حينها، حيث أقدم شاب على الانتحار بسبب سوء معاملة والده، لافتاً إلى أن عقوق الوالدين أمر يرفضه الدين الإسلامي تماماً وبرهم واجب ومفروض على الأبناء حينما يكبرون ويميزون الصواب من الخطأ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستدرك زارع "لكن حقوق الأبناء على الآباء هي أكثر بكثير من واجبات الأبناء تجاههم وتبدأ حتى من قبل الولادة، فواجب عليهم أن يصاحبوا أطفالهم ويتقربوا منهم، وللأسف هناك بعض الآباء يفرقون بين أبنائهم ولا يلتزمون إعطاءهم حقهم في التعليم ولا في المعاملة الطيبة، وحين ضاعت تلك الحقوق شهدنا سلوكيات ووقائع لا ترضي أحداً".

محمود سعد، الذي بدا حزيناً مثل طفل، بينما الرجل قد أتم في يناير (كانون الثاني) الماضي عامه الـ68، يؤكد أن ندوب أذى الآباء والأمهات تدوم، فإذا كانت قسوة الأبناء على آبائهم أمر مذموم، فماذا تسمى إذاً نظيرتها حينما يمارسها الكبار على الصغار؟ بخاصة أنهم يجب أن يكونوا مصدر الأمان العاطفي الأول وليس مصدراً لـ"الهجر والغدر"، مثلما قال المذيع الذي حقق نجاحه الأبرز عبر التلفزيون المصري وتلفزيون "أم بي سي"، ثم اختار أخيراً أن يروي حكاياته عبر قناته الخاصة على "يوتيوب" ليستفيد منها البعض، كما يقول.

القضية "الشائكة"، التي نادراً ما تطرح للنقاش عربياً، تلقي الضوء على مساحة المقبول وغير المقبول في علاقة الأبوين بالأبناء، التي تحتكم لقيم مجتمعية ودينية وعادات وتقاليد عائلية، فالآباء يمكن أن يتعرضوا لـ"الغبن" أيضاً، بل هو أمر يحدث كثيراً، وعلى الرغم من أن الغالبية تنصت لهم، لكن يلقون باللوم عليهم أيضاً ويتهمونهم بعدم بذل مجهود في "التربية"، فمن لم يذق التجربة بنفسه يستسهل دوماً الاتهامات، وهو ما حدث في حالات كثيرة.

وفي ما يتعلق بموقف محمود سعد، الذي أطلق هذا السيل من النقاشات، فقد كان رئيس تحرير مجلة "الكواكب" السابق محظوظاً، لأنه بحسب ما قال وجد أماً حنونة ومضحية حاولت أن تعوض فراغ الأب، وتقديره لها وفق كلامه هو ما جعله يترفع عن ذكر مواقف الإساءة التي واجهها مع والده.

سعد قال إنه رأى "إنساناً قاسياً" ولم يحكِ أي شيء عن الذي "حصل لي مع أبويا، لأني خايف من أمي لما أنزل لها التربة، تزعل وتقولي ليه حكيت، وما حكيته مقتطفات سريعة عشان الناس تستفيد"، فهل استفاد الناس فعلاً؟

 

التعليقات السلبية والساخرة ملأت الفضاء الإلكتروني، وأثبتت أن المجتمع بشكل عام يرفض هذه الشكوى، ويرفض تسليط الضوء على هذه القصص، حيث تطالب التعليقات في مجملها شخصاً يعاني أن يصمت ويترك تلك "السيرة"، لأنه "عيب وما يصحش (لا يصح)"، ومن غير اللائق ولا المقبول في نظرهم الحديث عن "الأب" بتك الطريقة.

من الواضح أن محمود سعد واجه أذى لا يستطيع تناسيه أو تجاهله ولا التعامل معه لدرجة أنه يحاول أن يبوح بما في قلبه في أكثر من مناسبة لعل الألم النفسي يتزحزح قليلاً، إنها معضلة غير مفهومة، فالجميع يطالب المشاهير أن يكونوا صادقين وعلى طبيعتهم، وأن يشاركوا متابعيهم تجاربهم الإنسانية، لكن مع أول اعتراف ينقلبون وكأنهم يضعون شروطاً وقيوداً على حدود "البوح"، ويحددون المقبول وغير المقبول وفقاً لقناعاتهم. على الرغم من أن الأمر هنا تعدى مرحلة التفكك الأسري، بل هو "أذى متعمد"، بحسب التصريحات المعلنة والموثقة بالفيديو.

اتهامات بالجحود والنكران

تزامن مع تلك الحملة، نبأ وفاة والد المطربة الشعبية بوسي، حيث أعيد تدوير تصريحاتها وتصريحات والدها الراحل، الذي اعترف بإهماله لها في صغرها وشبابها وطالب مسامحتها وأن ترسل له الأموال، ومن هنا انطلقت ماكينة تعليقات تتحدث عن "جحود الابنة" التي تركت الوالد مريضاً ومحتاجاً حتى فارق الحياة.

في حين أن الفنانة كانت قد كشفت من قبل أن الأب تركها وهي صغيرة وربتها والدتها ولم يكن يحاول مساعدتها أو الحنو عليها، لدرجة أنها بعد وفاة والدتها عاشت مع أقاربها وتعرضت لمعاملة سيئة للغاية، وفق ما قالت، اضطرتها للزواج سريعاً لتتخلص من هذا الوضع، لتضعها الزيجة في دوامة أخرى من الإساءة.

ردود الفعل نفسها حدثت من قبل مع الفنانة رولا سعد، التي قالت مراراً إنها لا تحب والدتها، لأنها تركتهم صغاراً ورفضت أن تعيش معهم، لتنشأ في ملجأ.

كما تحدثت الممثلة الشابة أسماء جلال عن أزمتها مع والدتها، مؤكدة في تصريحات مصورة لها بأنها لا تعرف كيف تعطي والدتها الاهتمام والحب الآن بعد أن حرمتها من كل تلك المشاعر حينما كانت طفلة. وأشارت إلى أنها متأثرة حتى الآن بالطريقة التي كانت تعاملها بها والدتها، حيث كانت تنتقص منها ومن قدراتها.

وهناك تصريحات شبيهة أيضاً أدلت بها هدى المفتي وياسمين صبري، التي تحدثت عن انقطاع التواصل مع أبيها.

اعترافات جريئة لمحاولة التعافي

في المقابل، وجد آخرون تواتر تلك التصريحات وردود الفعل عليها طريقة للفت النظر لتلك الأزمة، التي لا يلتفت لها كثيرون ولا يعترفون بها، بخاصة ممن يعتبرون القسوة والإساءة بشتى أنواعها نوعاً من "التأديب" الضروري للأبناء، حيث شارك عدد من المتعاطفين تجاربهم مع الإساءات المنزلية، سواء من الأب أو الأم، وحكوا قصصاً من الطفولة لا تزال تؤثر فيهم حتى اليوم، وتركت تلك المواقف ندوباً في نفسياتهم تدخلهم في دوائر من الظلام كلما تذكروها. وأكدوا أن المشاعر ناحية الأبوين ليست "غير مشروطة" بالمرة، فهي مرهونة بالمحبة والتفاني والاهتمام.

اللافت أنه في الوقت الذي يحاول الغاضبون التأكيد أن النظر إلى إساءات الآباء وإهاناتهم لأطفالهم وتركهم من دون سند مادي أو عاطفي أمر ينبغي التغاضي عنه، معللين هذا بأنه من "الدين"، تتعدد الفتاوى التي تخرج من المؤسسات الدينية الرسمية لتشير إلى أن مراعاة الأبوين لأبنائهم أمر واجب، ومنه ما جاء عبر الصفحة الرسمية لدار الإفتاء المصرية على "فيسبوك"، "تجرد البعض من واجبات الأبوة ولوازم الأمومة بعقوق الأولاد وإيذائهم والتعريض بهم يعبر عن تجرد من المشاعر الإنسانية وانتكاس للفطرة وهو حرام شرعاً، فكما نهى الشرع عن عقوق الأولاد للوالدين، فإنه نهى كذلك عن عقوق الوالدين للأولاد".

وإذا كانت تلك التصريحات عربياً تقابل أحياناً بتداول المعلومات والعبارات في جلسات النميمة من باب تحليل شخصية قائلها، لكن في كثير من الأوقات يحاول المعلقون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مصادرة حق الشاكي في "الفضفضة"، ومحاصرة تصريحاته تماماً، بعكس ما يجري غالباً في مثل تلك الحالات عالمياً.

 

النجمة بريتني سبيرز، التي عانت بحسب شهادتها في المحكمة بسبب وصاية والدها الكاملة على حياتها الشخصية والمهنية لمدة 13 عاماً، حيث تخلصت من تلك الوصاية قانونياً السنة الماضية، وجدت دعماً جماهيرياً كبيراً وتدشين حملات تحمل شعار "الحرية لبريتني" بسبب تعاطف محبيها معها.

سبيرز قالت إن أباها أساء معاملتها تماماً وكذلك والدتها، لكنها سردت تفاصيل قاسية حول تفاصيل علاقتها بالأب الذي منعها من الارتباط وإنجاب مزيد من الأطفال وأوقف مسيرتها المهنية، وكان يتحكم بشكل كامل في ثروتها البالغة 60 مليون دولار أميركي.

أيضاً جينيفر أنيستون كانت قد كشفت عن علاقتها المضطربة بوالدتها، حيث تسببت لها في أزمات نفسية عدة، فقد كانت الأم تصف الابنة منذ طفولتها بالبدينة، وتعبر عن عدم رضاها عن مظهرها دوماً.

كما قاطعت أنيستون والدها لسنوات طويلة بسبب تركه لها منذ صغرها وعدم مراعاته لها، وهي أمور صرحت بها الممثلة الأميركية علناً مراراً ووجدت دعماً من جمهورها الذي تأثر بحديثها عن الظروف النفسية الصعبة التي مرت بها.

العلاقات المضطربة بشدة مع الأبوين عاناها مشاهير عالميون كثر، وأعلنوا عنها بصراحة، وبينهم "كيت هيدسون وأنجلينا جولي وأديل وديمي لووفاتو وميغ رايان"، وهي أزمات بقيت معهم منذ الطفولة ولم تتركهم حتى بعد أن أصبحوا من كبار المشاهير.

عقد الطفولة تكبر مع السنوات

عقد الطفولة بخاصة حينما يتسبب فيها الأبوان تظل حية مهما مر الزمن، وهو أمر يؤكد عليه الدكتور محمد عبد العزيز أستاذ العلوم التربوية، مشيراً إلى أن المثل الشعبي المصري "الأب اللي ربى مش اللي خلف" يعبر بقوة وباختصار عن قواعد الأبوة والأمومة.

ويرى عبد العزيز أن التثقيف الأسري أمر في غاية الأهمية، والإعلام يجب أن يلعب دوراً إيجابياً فيه، فوجود قدوة طيبة للطفل شيء لا غنى عنه، وقال "حينما يختار أحد الطرفين شريك الحياة بشكل خاطئ ينبغي أن يتحمل هو نتيجة اختياره ولا يدخل الأبناء في تلك المتاهة، ويجعلهم يتأثرون بقراره غير الموفق في الزواج".

وشدد الأكاديمي التربوي على أن المشكلات العائلية تظل محفورة في الوجدان والروح مدى الحياة بل تورث أيضاً، فتأثيراتها ضخمة للغاية"، حيث يلفت النظر إلى أن القسوة في المنزل أحياناً تجعل الأبناء يهربون إلى الشارع، فعلى الرغم من وجود ذويهم على قيد الحياة، لكنهم يتحولون إلى "أطفال شوارع" بسبب أجواء المنزل المنفرة لهم.

المزيد من فنون