Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انقلاب "فاشل" بإثيوبيا... ماذا يحدث في أرض الحبشة؟

تزامن مع محاولة اغتيال لرئيس الوزراء قبل عام... ومحللون يرجعون الحادث إلى معارضة البعض مسار آبي أحمد الإصلاحي

رئيس الوزراء الإثيوبي بالزي العسكري خلال حديثه إلى المواطنين عن محاولة الانقلاب (أ.ف.ب)

في الـ23 من يونيو (حزيران) من العام الماضي، تعرّضت فاعلية كبيرة حضرها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بعد شهرين من توليه السلطة، في ميدان "ميكسل" بالعاصمة أديس أبابا، لانفجار أسفر عن إصابة أكثر من 80 شخصاً ومقتل اثنين.

واليوم وتزامناً مع التاريخ ذاته، تعود مجدداً "أرض الحبشة" إلى الواجهة مع الإعلان عن إحباط مُحاولة انقلابية نفّذتها "فرقة قتل مُرتزقة" بقيادة مسؤول عسكري رفيع المستوى خارج العاصمة، حسب توصيف سلطات البلاد، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 4 مسؤولين، بينهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي.

 

وبين التاريخين، تثير الاضطرابات المتكررة والمتواصلة في إثيوبيا إثر انتهاج رئيس الوزراء آبي أحمد مساراً سياسياً، يصفه كُثر بـ"الإصلاحي"، جدلاً على الصعيدين الداخلي والخارجي. فخلال نحو 14 شهراً منذ قدوم آبي إلى السلطة في أبريل (نيسان) 2018، أطلق الرجل القادم من "إثنية الأورومو" (كبرى العرقيات في البلاد) سراح عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، وحَاكَمَ عشرات المسؤولين النافذين بتهم فساد وانتهاك حقوق الإنسان، كما رفع الحظر عن الأحزاب السياسية، وفتح شركات مملوكة للدولة للاستثمار الخاص، فضلاً عن توقيعه اتفاق سلام مع إريتريا (العدو القديم لبلاده)، وكذلك انفتح بشكل لافت تجاه مصر، لا سيما في الملف المثير للجدل المتعلق بـ"سد النهضة".

المشهد الإثيوبي الذي يشهد عدم استقرار يطرح نفسه وبقوة على الساحة الدولية، وهذا ما يستدعي معرفة ماذا يجري في "أرض الحبشة" من كثب؟

انقلاب فاشل
صبيحة اليوم الأحد جاء أول الأنباء من إثيوبيا أن رئيس هيئة أركان الجيش قُتل برصاص حرسه الشخصي بعد ساعات من مقتل رئيس ولاية أمهرة (إحدى ولايات البلاد التسع)، في أعمال عنف وُصفت بأنها "محاولة انقلاب إقليمية"، وعكست عدم الاستقرار السياسي، الذي يعيشه هذا البلد الواقع في القرن الأفريقي.

ونشبت هذه الاضطرابات الأخيرة في ولاية أمهرة، ذات الحكم الذاتي بالبلاد، حينما اقتحم مسلحون اجتماعاً لمسؤولين كبار بعد ظهر أمس السبت، وفق ما أعلن مكتب رئيس الوزراء.

وقالت المتحدثة باسم الحكومة بيلنيه سيوم "إن حاكم ولاية أمهرة أمباشو ميكونين ومسؤولاً كبيراً آخر هو مستشاره البارز إيزي واسي أصيبا بجروح خطرة قبل أن يتوفيا متأثرين بجروحهما التي أصيبا بها في هجوم قاده رئيس الأمن في الولاية أسامينو تسيغي، كما أُصيب المدعي العام في المنطقة بمدينة بحر دار عاصمة الولاية بجروح".

وأضافت، "بعد ساعات من ذلك، وفي هجوم منسَّق على ما يبدو، قُتل رئيس هيئة الأركان الجنرال سياري ميكونين بيد حارسه الشخصي بمنزله في العاصمة أديس أبابا".

 

وقُتل جنرال متقاعد كان يزور رئيس هيئة الأركان أيضاً في العملية. وذلك قُبيل الإعلان عن إيقاف الحارس الشخصي لرئيس الأركان.

ونقل التلفزيون الرسمي عن قائد القوات الخاصة في أمهرة، تفيرا مامو، قوله "اعتُقِل معظم الأشخاص الذين قاموا بمحاولة الانقلاب، رغم أن عدداً قليلاً منهم لا يزال طليقاً".

ووفق ما نقلت تقارير محليّة إثيوبية، فإن "إطلاق النار وقع بينما كان مسؤولون اتحاديون مجتمعين برئيس الولاية، وهو حليف لآبي، لمناقشة سبل التصدي لقيام رئيس الأمن بالولاية أسامنيو بتجنيد ميليشيات عرقية على الملأ".

وكان أسامنيو توجَّه بالحديث إلى أبناء العرق الأمهري، (إحدى كبرى الجماعات العرقية في إثيوبيا)، في فيديو انتشر على (فيسبوك) قبل أسبوع، ونصحهم بتسليح أنفسهم.

وهو من بين مجموعة من العسكريين ذوي الرتب العالية، الذين أُفرج عنهم في عفو عام 2018 في قضية تعود إلى عام 2009 على خلفية الاشتباه بمشاركته في مؤامرة والتخطيط لانقلاب، وجاء قرار الإفراج حين بدأت حكومة آبي أحمد إطلاق سراح سجناء سياسيين استجابة إلى ضغط شعبي.

كيف تم التنفيذ؟
في الساعة 6:30 من مساء أمس السبت (15:30 بتوقيت غرينتش)، اقتحمت مجموعة مسلحة (لم يُعرف انتماؤها حينها) مكتبيّ رئيس ولاية أمهرة أمباتشو ميكونين، ومُستشاره إيزي واسي، في محاولة وصفتها وسائل إعلام إثيوبية بـ"الانقلابية في الولاية".

وحسب السكرتير الصحافي لرئيس الوزراء الإثيوبي، نيجوسو تيلاهان، حاصرت هذه المجموعة المُسلّحة المقرّ الرئيسي للحكومة، ما أسفر عن مقتل رئيس الولاية ومُستشاره.

ووصف نيجوسو ما حدث بـ"الانقلاب الفاشل"، وذكر أن مُدبّريه كانوا يريدون تنحية رئيس الحكومة المحليّة في أمهرة، لكن قوات الجيش تصدّت لهم، جاء ذلك فيما قال سكّان في بحر دار إن "إطلاق النار استمر ما لا يقل عن أربع ساعات مساء أمس السبت، وإن بعض الطرق كانت مغلقة".

وفيما عُيّن لايك أياليو حاكماً بالإنابة لأمهرة، خاطب رئيس الوزراء الإثيوبي مواطنيه في ساعة متأخرة من مساء أمس، مرتدياً الزي العسكري معلناً عن "محاولة انقلاب".

وحسب ما نقل التلفزيون الرسمي الإثيوبي قال آبي إن "قائد أركان الجيش، الجنرال سياري ميكونين، كان ضحية هجوم نفّذه مرتزقة"، دون أن يذكر تفاصيل أخرى.

وأضاف أن "مسؤولين آخرين في أمهرة كانوا في اجتماع عندما أطلق عليهم زملاؤهم النار".

واتهم آبي أحمد، "جهات مأجورة" بتنفيذ المحاولة الانقلابية الفاشلة. ولفت إلى أن تلك الجهات حاولت خلال الـ30 عاماً الماضية القيام بعدة عمليات فاشلة.

 

وبينما أكّد آبي أحمد أن الوضع في البلاد والإقليم تحت السيطرة، نقلت صحيفة "أديس فورتشن" الإثيوبية عن مصادر وصفتها بالمُطلعة، قولها إن "الوضع لا يزال خطيراً وقابلاً للتصعيد"، إذ تُجرى أعمال قِتال في مقرّات الدولة الإقليمية ومكتب الحزب الحاكم.

وبالتزامن مع خطاب أحمد، ذكر مكتبه في بيان، أن "محاولة الانقلاب تعارض الدستور، وتهدف إلى إفساد السلام، الذي تحقق بشق الأنفس في المنطقة".

ودعا البيان المواطنين إلى إدانة "هذه المحاولة غير القانونية"، مشدداً على أن "الحكومة الفيدرالية لديها القدرة الكاملة على التغلب على هذه الجماعة المسلحة".

ويقسّم دستور إثيوبيا لعام 1995، (أعدته الجبهة الثورية الديموقراطية الشعبية الإثيوبية بعدما أطاحت بالمجلس العسكري "ديرغ" عام 1991)، البلاد إلى تسع ولاية ذات حكم ذاتي، تتبع حدودها تمركز الجماعات الإثنية. والجبهة الثورية هي نفسها ائتلاف مكون من أربعة أطراف: أوروميا وأمهرة وتيغراي ومنطقة الأمم الجنوبية.

ويرى مراقبون أن خطط آبي لتنظيم انتخابات في عام 2020 أثارت اضطرابات في السياسة المحلية، إذ تتنافس أحزاب محلية أخرى على السلطة مع "الجبهة الثورية"، كما شهدت البلاد ارتفاعاً في النزعة القومية الإثنية.

وانفجرت أيضاً الاضطرابات الإثنية القديمة بين نحو 80 مجموعة في البلاد، التي تتواجه غالباً حول استغلال الأراضي ومواردها.

لماذا عدم الاستقرار في إثيوبيا؟
منذ قدومه إلى السلطة في أبريل (نيسان) 2018، يُرجع المراقبون والمحللون استمرار وتصاعد الاضطرابات السياسية في البلاد بين الحين والآخر، إلى انتهاج آبي أحمد سلسلة من الإصلاحات لا تزال تواجه معارضة داخل القوى والمؤسسات النافذة في البلاد، وعلى رأسها الجيش.

إصلاحات الرجل الأربعيني لم يسبق لها مثيل في إثيوبيا، ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان (نحو 102 مليون نسمة)، وأحد أسرع اقتصادات القارة نمواً.

وخلال الأشهر الأخيرة قام رئيس الوزراء بإحداث تغييرات واسعة في صفوف الجيش وأجهزة الاستخبارات أكسبته بعض الأعداء من ذوي النفوذ، فيما لا تزال حكومته تكافح لاحتواء أعمال عنف عرقية متزايدة بما يشمل أمهرة.

كما أفرج الرجل عن السجناء السياسيين ورفع الحظر عن الأحزاب السياسية، وحاكم مسؤولين متهمين بارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، لكن حكومته تواجه أعمال عنف عرقية كان للقبضة الحديدية للسلطات الفضل في كبح جماحها في الماضي.

ونفّذ آبي إصلاحات اقتصادية، وسمح للمجموعات المنشقة بالعودة إلى البلاد، ووقّع أيضاً اتفاق سلام مع إريتريا المجاورة، العدو القديم لإثيوبيا.

يقول اللواء سيد غنيم الاستشاري والمحاضر الزائر للأمن الدولي بأكاديمية دفاع الناتو، "هناك أكثر من طرف مترصّد لآبي أحمد وحكومته، من بينهم قيادات الجيش السابقون، الذين عزلهم أحمد، ومنهم رئيس الأركان ومدير الاستخبارات الحربية السابقان وغيرهما، فضلاً عن أطراف خارجية أخرى في القرن الأفريقي قد تعزي من مثل تلك الاضطرابات".

وحسب غنيم، في حديث مع "إندبندنت عربية"، "فإنه وفي كل الأحوال يجب أن لا نغفل مساعي المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا، التي قد تفقد جيبوتي كثيراً من الدعم الاقتصادي والسياسي والأمني الدولي"، ملمحاً إلى عناصر موالية لجيبوتي قد تكون وراء تصعيد الاضطرابات في إثيوبيا.

وحسب وليام دافيسون، المحلل من مركز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية، فإن "هذه الأحداث المأساوية تثبت للأسف عمق الأزمة السياسية في إثيوبيا".

وأضاف "من المهم الآن أن لا يزيد اللاعبون على الساحة الوطنية من عدم الاستقرار بالرد بطريقة عنيفة أو محاولة استغلال الوضع لأهدافهم السياسية الخاصة"، مشيراً إلى أنه "لا وجود لإشارات واضحة حول محاولة انقلاب أوسع في أديس أبابا".

بدورها قالت السفيرة مني عمر، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، "إن النظام الفيدرالي الإثيوبي القائم يعاني مشكلات عميقة، والوجه الإصلاحي الذي يقدّمه رئيس الوزراء يُخفي تحته تطورات كبيرة".

وأوضحت، "نظام الحكم في إثيوبيا يواجه اضطرابات قوية مرشحة للتصعيد بين الحين والآخر".

وتابعت عمر، "وصول آبي أحمد إلى السلطة لم يكن سهلاً، وأدى إلى ارتباك في المشهد الإثيوبي، الأمر الذي جعل من الصعب قبوله داخل الدولة، لا سيما فيما يتعلق بالجماعات النافذة".

ويعد آبي أحمد أول رئيس وزراء من عرقية أورومو، وأول رئيس وزراء مسلم يرأس حكومة في إثيوبيا، وهو مولود لأب مسلم من عرقية أورومو، وأم مسيحية من عرقية أمهرة، ومتزوج من مسيحية أمهرية، حسب مواقع متخصصة في الشأن الأفريقي.

ماذا نعرف عن أمهرة؟
تقع ولاية أمهرة، ثاني أكبر منطقة إثيوبية من حيث تعداد السكان، في الأراضي المرتفعة الشمالية في إثيوبيا، وهي موطن الإثنية التي تحمل الاسم نفسه، كما أنها مسقط رأس كثير من أباطرة البلاد، ومصدر اللغة الوطنية الأمهرية.

وتعدّ ثاني أكبر مجموعة في البلاد بعد الأورومو. وكانت كلتاهما في طليعة تظاهرات مناهضة الحكومة أدت إلى استقالة رئيس الوزراء السابق هايلي مريام ديسالين عام 2018.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأمهرة واحدة من 9 ولايات تقوم على الحكم الذاتي في البلاد، وتتمتع بحدود متاخمة مع السودان، وإقليم تغراي، الذي هيمن على الحكم في إثيوبيا عقوداً.

وأدت النزاعات العرقية، بسبب الأراضي في الغالب، إلى نزوح أكثر من مليوني شخص في أنحاء إثيوبيا وفق تقديرات أممية. وهو ما يُرجعها محللون إلى أسباب عدة، بينها إضعاف حكم ائتلاف "الجبهة الثورية الديموقراطية الشعبية الإثيوبية"، ومحاولة جماعات مختلفة استغلال الفرص الناتجة عن الانتقال السياسي لفرض مصالحها.

المزيد من سياسة