Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المدخل السعودي للاندماج الإيراني في الإقليم

عمدت إدارة بايدن إلى إخراج جماعة الحوثي من لائحة الإرهاب وقدمته هدية لطهران من دون الحصول على أي مقابل لذلك

فيما تسعى أميركا لإعادة الاتفاق النووي يسود التوتر بين إيران وجيرانها العرب بسبب التدخلات الاقليمية (أ ف ب)

لا شك في أن أجندة المحادثات التي يجريها الرئيس الأميركي خلال زيارته الشرق أوسطية الأولى واضحة ومحددة مسبقاً، على الأقل بالنسبة إلى إدارة البيت الأبيض، وقد تحدث الرئيس وفريقه عن أبرز الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها من هذه الزيارة، وفي مقدمها ولعلها الأهم، آلية تسريع دمج مصادر الغاز والنفط المنتج من الخليج وحقول البحر الأبيض المتوسط في الأسواق الأوروبية والعالمية، بما يساعد في سد جزء من حاجات هذه الدول للطاقة مع اقتراب فصل الشتاء، واستمرار الحرب الروسية على أوكرانيا.

وتحتل أزمة الملف النووي الإيراني حيزاً متقدماً في اهتمامات الزيارة الأميركية والمحادثات التي سيجريها بايدن مع قادة دول المنطقة (GCC+3) الذين سيلتقيهم في مدينة جدة، ومحاولته الدفع باتجاه تسهيل عملية تشكيل منظومة أمنية وسياسية لمواجهة الخطر الإيراني.

مسألتان استراتيجيتان

وتدرك الإدارة الأميركية ورئيسها أن المدخل الرئيس والمقرر والمفصلي الذي يساعد في تحقيق تقدم إيجابي في ترجمة هاتين المسألتين الاستراتيجيتين، يكمن في قدرته على التفاهم مع القيادة السعودية، سواء في قرار رفع مستويات إنتاج الطاقة لما تملكه من تأثير في الدول الخليجية المنتجة، أو في التوصل إلى تفاهمات سياسية حول ملفات المنطقة وآلية التعامل مع الدور والنفوذ الإيرانيين، كون طهران تشكل العامل المزعزع والمتدخل الأساس فيها.

وقد كان واضحاً لدى القيادة السعودية مدى الاندفاع الأميركي مع وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض من أجل التوصل إلى تسوية مع النظام الإيراني حول أزمة ملفه النووي وإعادة إحياء الاتفاق النووي، حتى ولو كان ذلك على حساب سحب وإخراج جميع الملفات الإقليمية الأخرى من طاولة التفاوض، كما حصل في المطلب السعودي بضرورة توسيع دائرة الدول المشاركة في مفاوضات فيينا لإعادة إحياء الاتفاق النووي، وأن تشمل الدول العربية الخليجية تحديداً المعنية بآثار وتداعيات هذا البرنامج السياسية والبيئية وحتى العسكرية.

تخلي البيت الأبيض عن هذا التوجه جاء على حساب مصالح ومخاوف حلفاء واشنطن في المنطقة، على الرغم من التداخل الكبير في هذه الملفات بين المصالح الأميركية والسعودية التي تفرض على واشنطن والرياض ممارسة أعلى مستويات التنسيق والتعاون من أجل الوصول إلى النتائج المطلوبة التي تضمن تفكيك الطموحات النووية للنظام الإيراني، وتساعد في كبح وتهذيب الدور والنفوذ الإقليمي لهذا النظام، بحيث لا تكون على حساب المصالح الاستراتيجية للأطراف الإقليمية الوازنة والفاعلة والمؤثرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل الافتراق في آليات التعامل السعودي مع ملفات النفوذ الإقليمي للنظام الإيراني في الإقليم عن آليات التعامل الأميركي، برز من خلال تعامل الطرفين مع الأزمة اليمنية، بعد أن عمدت إدارة بايدن إلى إخراج جماعة الحوثي من لائحة الإرهاب، وقدمته هدية إلى الطرف الإيراني من دون الحصول على أي مقابل لذلك، وعلى حساب الجانب السعودي المعني الأول بهذه الأزمة وحربه في مواجهة النفوذ الإيراني في اليمن، وما يشكله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي والاستراتيجي للسعودية ودول الخليج واستقرارها وأمنها.

هذه الهدية المجانية التي قدمتها واشنطن إلى النظام الإيراني أسهمت في إعادة صياغة موقف القيادة السعودية، وإيصال رسالة إلى القيادة الإيرانية بأن التفاهم المباشر مع واشنطن على الملفات الإقليمية لا يعني مصادرة موقف السعودية والدول المعنية بهذه الملفات، وأن مساعي طهران إلى تسوية الأزمات التي تعانيها لتكريس وتثبيت وجودها لا يمكن أن تحصل من خلال تفاهمها مع واشنطن التي بدأت تقلص انغماسها في أزمات الشرق الأوسط لمصلحة التركيز على التهديدين الروسي والصيني، وبالتالي كانت الرسالة السعودية للجانب الإيراني واضحة بأن أي تفاهمات إقليمية تمر فقط من خلال الحوارات الثنائية المباشرة مع دول المنطقة.

حوارات العراق

واستطاعت القيادة السعودية من خلال الحوار الثنائي مع الإيرانيين على الأراضي العراقية أن تؤكد لطهران قدرة هذه الحوارات على تحقيق تفاهمات وآليات تعامل بشكل أكثر ثباتاً وإنتاجية، وأنها تؤسس لمرحلة من التعاون في حال كانت النيات الإيرانية جادة في الوصول إلى هذا الهدف.

وعلى الرغم من تداخل الاهتمامات بين الرياض وواشنطن في المواقف تجاه الطموحات الإيرانية النووية والتوسعية في منطقة غرب آسيا، وتحديداً في إقليم الشرق الأوسط، والاتفاق بين الطرفين على ضرورة التوصل إلى حلول مستدامة لأزمة التعامل مع النظام الإيراني، إلا أن الاختلاف بين الطرفين يظهر في الأسلوب والآليات، فإذا ما كانت واشنطن تسعى إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية العليا من خلال استعادة علاقاتها مع طهران، ولو في المستقبل، حتى ولو كان على حساب مصالح الدول المتضررة من التدخل الإيراني في شؤونها الداخلية والعبث بأمن الإقليم ومصالحه الاستراتيجية، فإن الدول العربية وفي مقدمها السعودية لن تتساهل في العمل على بناء منظومة مواقف وسياسات واستراتيجيات تساعد في الحافظ على مصالحها العليا، بحيث تفرض على النظام الإيراني التعامل معها بعيداً مما يمكن أن يتوصل إليه من صفقات مع الإدارة الأميركية.

من هنا تأتي اشارة الرئيس بايدن وترحيبه بالدور والوساطة التي يقوم بها العراق بين الرياض وطهران والسعي لنقل الحوار من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي، وهو ترحيب بمثابة اعتراف أميركي بهذه الخطوة، على الرغم من كونها قد تكون من خارج الرغبة الأميركية، إلا أنها تساعد على إعادة رسم معادلات المنطقة من خلال حوار داخلي بعيدا عن التأثر بالشروط الأميركية.

وحدة النظر السعودية - الأميركية حيال اعتبار الطموحات الإيرانية النووية والإقليمية أزمة مشتركة، تستدعي التعاون للتعامل معها شرط أن لا تكون على حساب مصالح دول المنطقة أو الأخذ بكامل هواجسها، فضلاً عن أن ما تسعى إليه طهران من خلال حوارها مع واشنطن هو الحصول على الشرعية الدولية والخروج من دائرة العقوبات الاقتصادية، في حين أن الحوار والتفاهم مع السعودية يشكلان المدخل للنظام الإيراني لإمكان اندماجه بشكل طبيعي في الإقليم، وفتح صفحة جديدة من الحوارات والعلاقات الطبيعية مع الدول الأخرى.

المزيد من تحلیل