Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لهذه الأسباب اختار الفيليبينيون "نجل الطاغية" رئيسا

لم يتحدث ماركوس الابن عن تاريخ والده وأكد أنه لا يجب الحكم على أصوله بل أفعاله وبنى حملته على النهوض بالاقتصاد

المعارضون للرئيس استجلبوا فترة حكم والده متظاهرين في شوارع العاصمة تذكيراً بتاريخ فرديناند ماركوس الأسود (أ ف ب)

تسلم بونغ بونغ ماركوس رسمياً منصب رئيس الفيليبين أواخر الشهر الماضي بعد فوز كبير حققه في انتخابات التاسع من مايو (أيار) الرئاسية، إذ حصد 31 مليون صوت من بين 55 مليوناً شاركوا في العملية الانتخابية.

المعارضون له استجلبوا تاريخ حكم والده، متظاهرين في شوارع العاصمة تذكيراً بتاريخ فرديناند ماركوس الأسود، الذي حكم الفيليبين بقبضة حديدية وتسبب في انتهاكات لحقوق الإنسان وارتبط اسمه بالفساد ونهب المال العام، في حين لم يخُض ماركوس الابن في الحديث عن فترة حكم والده لحساسيتها التاريخية، وبنى حملته الانتخابية على إرساء الوحدة في البلاد وتحقيق التعافي والنهضة الاقتصادية، ليظل فوز ماركوس الابن حدثاً فريداً ينطوي على انقسام شعبي بين رؤية ماركوس كمخلص للفيليبين من عثراتها الاقتصادية، ومن يراه استمراراً لحكم والده السلطوي الذي حكم البلاد لعقدين ومات منفياً، بعيداً من وطنه مع عائلته المترفة بعد أن أطيح حكمه في ثورة شعبية عام 1989.

ومع عودة الأسرة الحاكمة إلى الفيليبين عام 1991، استنهضت نشاطها السياسي مجدداً وتوجت بعودة ابن الرئيس الفيليبيني مجدداً إلى القصر الرئاسي، فهل سيعيد بونغ بونغ ماركوس قبضة أبيه ليحكم البلاد بالحديد والنار، أم سيستفيد من أخطاء الماضي ليخلص بلاده من براثن الفساد وينهض باقتصادها المتهاوي؟.

ابن الرئيس

ينحدر بونغ بونغ ماركوس من عائلة ذات باع طويل في السياسة والسلطة، فهو ابن الرئيس الفيليبيني الراحل فرديناند ماركوس الذي حكم الفيليبين ما يزيد على عقدين من الزمن، وبالتحديد منذ 1965 وحتى 1986، كما كانت أمه عضواً في مجلس النواب الفيليبيني خلال تسعينيات القرن الماضي. وانتخبت أخته عضواً في مجلس الشيوخ عام 2019. أما بونغ بونغ، فهو الابن الوحيد للرئيس الراحل، وتقلد منصبين حكوميين وعين عضواً في مجلس الشيوخ حتى 2016، كما ترشح في انتخابات الرئاسة الماضية إلى جانب دوتيرتي كنائب له، لكنه خسر أمام ليني روبريدو.

وارتبطت فترة حكم ماركوس فرديناند بالأحكام العرفية التي فرضت عام 1972 وعطل فيها عمل البرلمان، كما شهدت اعتقال عدد كبير من السياسيين المعارضين وفرض الرقابة التامة في البلاد، وتسببت في عدد من الانتهاكات إلى جانب الفساد الذي طال الرئيس نفسه.

لكن الفساد وما ترتب عليه من غضب شعبي لم يكُن مرتبطاً بالرئيس وحده، بل شمل العائلة بأسرها، إذ عرف عن عائلة ماركوس الأب أنها كانت تعيش حياة مرفهة وتنفق ببذخ إبان حكمها البلاد، فزوجة الرئيس كانت مغرمة بالأعمال والمشغولات الفنية الباهظة الثمن والمجوهرات، وتذكر بعض الشهادات أن السيدة الأولى حينها تملكت أكثر من 3 آلاف زوج من الأحذية عثر عليها في القصر الرئاسي بعد هروب العائلة في أعقاب التظاهرات الشعبية التي أطاحت حكم الرئيس ماركوس، في وقت عاش معظم مواطني الفيليبين في براثن الفقر، مما زاد من الغضب الشعبي تجاه الأسرة المترفة، الأمر الذي تمخض عن ثورة شعبية نفي على أثرها الرئيس الفيليبيني الأسبق إلى هاواي، حيث عاش مع عائلته وتوفي بعيداً من موطنه عام 1989.

وكان الابن بونغ بونغ ماركوس في العشرينيات من عمره مع نهاية فترة حكم والده، وسبق له أن تولى منصب نائب المحافظ في مدينة إيلوكوس نورت من 1980 وحتى 1983، ثم أصبح محافظاً للمدينة ذاتها حتى نفي والده والأسرة بأكملها إلى هاواي.

العودة إلى الوطن

لم تتوقف قصة أسرة ماركوس مع النفي في هاواي، إذ عادت مجدداً إلى الفيليبين عام 1991 وبدأت باسترجاع نشاطها السياسي، وفي الوقت ذاته شرعت القضايا ترفع ضدهم داخل الفيليبين وخارجها. وأكدت المحاكم الفيليبينية والمحكمة الفيدرالية العليا في سويسرا أن الرئيس الفيليبيني الراحل أخفى كمية كبيرة من الأموال في الخارج، تقدر بنحو عشرة ملايين دولار، وشكلت لجنة خاصة في محاولة لاستعادة هذه الأموال، لكنها لم تنجح سوى في إعادة 4 ملايين دولار فقط.

كما واجهت أسرة ماركوس تهماً بالتربح والتهرب الضريبي، إلا أن المحاكم برأت ساحتها، لكن في 2016 أصدرت المحكمة حكماً بالسجن لمدة 77 عاماً ضد زوجة الرئيس الراحل إميلدا ماركوس في سبع تهم مرتبطة بالفساد، غير أنها لم تدخل السجن وأفرج عنها بكفالة انتظاراً للاستئناف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استقبلت عودة عائلة ماركوس إلى الحياة السياسية بترحيب وحذر في الوقت ذاته، إذ تمكن بونغ بونغ من العودة مجدداً إلى منصب المحافظ لمدينة إيلوكوس عام 1998، ثم أصبح عضواً في مجلس الشيوخ الفيليبيني، مما مهد لعودة عائلة ماركوس مجدداً إلى القصر الرئاسي بعد غياب استمر ما يزيد على أربعة عقود.

على الرغم من كثرة معارضي فترة حكم الرئيس الراحل فرديناند ماركوس، فإن هناك بعض المؤيدين لحكمه، الذين يرون أن فترة رئاسته شهدت طفرة بالبلاد، شملت بناء مشاريع للبنية التحتية مثل المستشفيات والطرق والجسور وغيرها، وهو ما يرفضه المعارضون بحجة أن تلك المشاريع كانت قائمة على الفساد المستشري والقروض الخارجية.

نحو القصر الرئاسي

مع إعلان خوض بونغ بونغ السباق الرئاسي، بدأت الأصوات المعارضة رفض عودة الابن وسعيه لتحسين صورة أبيه. وحاول المعارضون خلال الفترة الأخيرة قبل الانتخابات أن يمنعوا بونغ بونغ من الترشح والوصول إلى المنصب الأعلى في الفيليبين، من خلال رفع دعوى أمام المحكمة العليا باعتباره غير مؤهل للترشح كونه مرتبطاً بقضايا تهرب ضريبي، لكن الدعوى لم يكُن لها أثر يذكر.

في الوقت ذاته، كانت شخصية بونغ بونغ تكتسب شعبية لدى الشعب الفيليبيني، ويزداد المؤيدون لحملته الانتخابية بعد أن جعلها ترتكز على الوحدة الوطنية وتحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد. وفي استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات، تصدّر بونغ بونغ ماركوس قائمة المرشحين الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات الرئاسية، حاصداً النسبة الأكبر من القبول بين المرشحين، والتي وصلت إلى 56 في المئة بفارق كبير عن أقرب منافسيه، نائبة الرئيس السابق ليني روبريدو، وهو ما عُدّ مؤشراً إلى اقترابه من كرسي الرئاسة.

وعلى الرغم من صدور حكم ضد ماركوس فرديناند الأب في هاواي بانتهاكات حقوق الإنسان، وإلزامه دفع تعويضات وصلت إلى 2 مليون دولار أميركي لنحو 9 آلاف فيليبيني تضرروا من جراء فترة حكمه وأحكامه العرفية، لكن ذلك لم يكُن مما تطرق إليه الرئيس الجديد في حديثه خلال حملاته الانتخابية. وتجنب بونغ بونغ خلال برنامجه الانتخابي التطرق إلى القضايا الخلافية والمثيرة للجدل، مؤثراً التركيز على ضرورة الوحدة في البلاد والقضايا الاقتصادية وزيادة الوظائف ومواجهة ارتفاع الأسعار. كما رفض الرئيس الحالي الاعتذار عن أخطاء أبيه، موضحاً أنه كان حديث السن أثناء فترة حكم الأب ولا يمكن محاسبته على أفعال والده. وأكد أثناء حملته الانتخابية أن الحكم عليه يجب ألا يكون بناءً على أصوله ولكن على أفعاله.

الجدل الذي صاحب بونغ بونغ ظهر أثناء فترة الحملات الانتخابية، فاتهم بقيادته حملة منظمة للإشاعات والمعلومات المغلوطة تسعى إلى تلميع عصر أبيه باعتباره "العصر الذهبي" للفيليبين، في ما أوقف "تويتر" مئات الحسابات التابعة لحملة ماركوس في يناير (كانون الثاني) الماضي بزعم انتهاكها قواعد المنصة بالتلاعب. وإلى جانب ذلك، رفض ماركوس الظهور في عدد من المناظرات واللقاءات التلفزيونية الخاصة بالانتخابات الرئاسية، معللاً ذلك بافتقار مديري الحوار إلى الموضوعية.

حلم وإشاعات

الفوز الكاسح الذي حققه بونغ بونغ ماركوس بحصوله على 31 مليون صوت خلال الانتخابات الرئاسية يعكس شعبية واسعة للرئيس الجديد، لكن هذا الفوز يفسر بعدد من الأسباب المختلفة. فالمعارضون يرون أن الفوز يرجع إلى الحملة المخططة التي أطلقها وفريقه لنشر الإشاعات والمعلومات المغلوطة على المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، سواء في شأن فترة حكم الرئيس الراحل فرديناند ماركوس أو في ما يخص منافسيه في الانتخابات، في حين يرى البعض أن فوز بونغ بونغ يعود إلى رغبة الشعب الفيليبيني بالحصول على نهضة اقتصادية، وهو ما قدمه بونغ بونغ في برنامجه من خلال رسمه صورة لفترة حكم والده باعتبارها العصر الذهبي للفيليبين.

ويعتبر محللون في العلاقات السياسية الإقبال والشعبية الواسعة للرئيس بونغ بونغ انعكاساً لأعوام من فشل النخبة السياسية في تحقيق أية فوائد ملموسة على الأرض ما جعلهم لا يرون في الديمقراطية حلاً للمشكلات القائمة في بلدهم. إلى جانب ذلك، فإن البرنامج الانتخابي القائم على إعادة الفيليبين مجدداً إلى الساحة العالمية ونهضتها كان يمثل حلماً لكثير من الشعب الفيليبيني، ما تسبب في التفافهم حول الرئيس الجديد واختياره في الانتخابات الأخيرة. وعلاوة على ذلك، جعلت ليني روبريدو، أقرب منافسي بونغ بونغ ونائبة الرئيس السابق دوتيرتي، عدداً من الناخبين يعزفون عن اختيارها باعتبارها وجهاً يمثل النظام القديم الذي لم يحقق المأمول منه اقتصادياً.

تتعدد الأسباب التي تنظر في تفسير فوز بونغ بونغ الكاسح وعودة أسرة ماركوس إلى الحكم مجدداً في الفيليبين، لكن الأكيد أن حال السجال التي صاحبت ماركوس الابن منذ ترشحه ستستمر خلال فترة حكمه ليكون أحد رؤساء الفيليبين الأكثر إثارة للجدل.

المزيد من دوليات