Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

توقيعا شاغال وهتلر جمعتهما لوحة واحدة

الرسام الفرنسي انتقم من الديكتاتور النازي بتخطيط قصة من سرديات اليهود فوق إحدى وثائقه

مارك شاغال أمام إحدى جدارياته (غيتي)

لن يكون جديداً أو مفاجئاً أن نقول إن الديكتاتور النازي أدولف هتلر لم يكن معجباً بالرسام الروسي الأصل والفرنسي الهوى والهوية في ذلك الحين، مارك شاغال، بل كان يحمل له كراهية فائقة وليس فقط لأن شاغال يهودي، بل أكثر من ذلك، لأنه عبر في معظم لوحاته التي رسمها في فيتبسك الروسية/ الأوكرانية ثم بعد ذلك في فرنسا، عن التقاليد اليهودية حتى وإن لم يربطها على الإطلاق بأية أيديولوجية أو بعد سياسي. فبالنسبة إلى هتلر كان كل ما يلامس اليهودية ملعوناً ومغضوباً عليه فكيف بفنان جعلها واحداً من مواضيعه الأثيرة. والأدهى من ذلك أن هتلر الذي كان يرى في الثورة البلشفية كلها مؤامرة يهودية - صهيونية، كان على علم بأن شاغال حتى بعد مبارحته وطنه الروسي عاد إليه وقد بدأ يتحول إلى إمبراطورية سوفياتية ليشارك بفنه في ذلك التحول وأنه لئن كان بارحه نهائياً بعد ذلك فإنما لأن البلد الجديد بدأ يحيد عن المثل العليا البلشفية، بالتالي كان لدى هتلر أسباب عديدة تدفعه إلى كراهية شاغال حتى إذا صرفنا النظر عما تحدث عنه بعض المؤرخين على سبيل المزاح على الأرجح من غيرة "مهنية" وحقد كان يحس بهما هتلر ضد كل فن يعتبره "انحطاطياً". وبخاصة حين يمارسه فنانون يهود، من جبلة مارك شاغال الذي كان الفوهرر يعتبره الأكثر يهودية بين اليهود.

كراهية متبادلة

وفي المقابل كان شاغال يكره هتلر بدوره معتبراً إياه مجرماً وقاتلاً بل مبيداً لليهود جميعاً. ومن هنا كان من المستحيل على الرجلين أن يجتمعا، لكنهما اجتمعا بالفعل. ليس في لقاء عملي بينهما، بل على مسطح وثيقة لا شأن لها بالفن تمكنت من أن تحتوي رغماً عنها على العديد من العناصر الفنية التي طبعت لوحات شاغال الكبرى، ولنقل بالأحرى على ما سيبدو في نهاية الأمر تخطيطاً يعبر عن واحدة من أشهر تلك اللوحات، بل لنقل حتى إن ما اجتمع على تلك الصفحة لم يكن في الحقيقة سوى توقيع الرجلين على المنسوخة المطبوعة على لوحة مصنوعة من قماش وورق. ولهذا التوقيع المزدوج حكاية على أية حال جديرة بأن تروى. أما بداية الحكاية فيمكن تحديدها بذات يوم من عام 1989 بعد أربعة أعوام من رحيل الرسام ونحو نصف قرن من موت هتلر.

كان ذلك في باريس خلال افتتاح معرض أقامه أحد غاليريات العاصمة الفرنسية لـ"معلمي القرنين 19 و20" وكان من بينهم بالطبع مارك شاغال. حينها ومن بين تلك المعروضات كانت ثمة تلك الوثيقة التي لم تكن في الأصل سوى الصفحة التي تحمل بالخط الغوطي الذي كان أثيراً لدى النازيين بسبب جرمانيته الفاقعة، وتشير سطورها إلى أن "الفوهرر يمنح بموجب هذه الوثيقة وباسم الشعب الألماني صليب الحرب الحديدي إلى الأوبرليوتنان أوتو بنزين لشجاعته خلال المعارك" وحتى هنا يبدو الأمر عادياً لكن الذي حدث هو أن مراسلاً حربياً كان يرافق جنوداً أميركيين قد عثر على تلك الوثيقة الممهورة بتوقيع هتلر بين ركام البونكر الذي وجدت جثة هتلر فيه يوم مقتله في عام 1945. ولقد نقل المراسل الوثيقة معه إلى أميركا حيث سرعان ما وقعت في يد الرسام مارك شاغال الذي كان مقيماً حينها هناك.

نوع من انتقام متأخر

والحال أن الرسام شعر بالطرب وهو يلتقط تلك الوثيقة العادية ويتأملها لافتاً نظره فيها قياسها الغريب حيث إن ارتفاعها لم يكن يقل عن 70 سم بينما بلغ عرضها 50 سم، ثم على الفور واتته فكرة أن "يغيظ" الديكتاتور الألماني ولو بعد موت هذا الأخير، فأمسك بأقلامه وألوانه وراح يملأ الصفحة الضخمة رسومات مستقاة ليس فقط من عناصر كثيراً ما تجمعت في لوحاته الأكثر يهودية، بل إنه تحديداً رسم الخطيبين الطائرين في الفضاء وإلى جانبيهما في اللوحة الحاخام اليهودي الشهير ينشد فرحاً بهما أو يصلي من أجلهما إضافة إلى العنزة والكمان الشهيرين والعديد من الأشياء الأخرى المغرقة في بعدها اليهودي إلى درجة التخمة. وكان من الواضح أن شاغال إنما كان يفعل ذلك متأرجحاً بين الجدية والمزاح والسخرية والتهكم وكأنه يقول لهتلر محدقًا في عينيه "ها نحن أولاء هنا... بل ها أنا ذا هنا وأنت اختفيت في مزبلة التاريخ!". ويقيناً أن شاغال قد شعر لحظتذاك بأنه رد بتلك الخطوط السريعة على جزء من الأذى الذي ألحقه هتلر ونازيوه ليس فقط بالشعب اليهودي بل كذلك بمجمل فنون وإبداعات القرن العشرين سواء أكان مبدعوها يهوداً أو غير يهود! وهو ما سيقوله شاغال وهو منشرح طوال السنوات التالية حتى بعد أن غابت الوثيقة عن ناظريه ونسيها تماماً لتقع لاحقاً، ومزاداً علنياً بعد الآخر، في أيدي جامعي اللوحات ليس فقط باعتبارها وثيقة نادرة تحمل توقيعين لم يكن في مقدور أية قوة في الكون أن تجمع بينهما، بل أكثر من ذلك باعتبارها عملاً فنياً يمكن في نهاية الأمر أن يلخص جزءاً من فن شاغال.

بعيداً من الأيديولوجيا!

وهذا الجزء هو كما نعرف، ذاك الذي ارتبط أولاً بحياة الرسام في قريته الريفية فيتبسك الواقعة في ما يسمى اليوم بيلاروس، وعرفت بكون العدد الأكبر من سكانها من اليهود الروس والأوكرانيين كما بكونها تعبق بالتقاليد الريفية والفولكلور اليهودي، وارتبط بعد ذلك، ولا سيما خلال سنواته الباريسية الأولى بحنينه إلى تلك الحياة التي كان يقول إنه لم يكن ليخيل إليه أبداً أنه سيبتعد عنها ذات يوم. والحقيقة أن هتلر قد عرف بكراهيته لشاغال انطلاقاً من اللوحات التي عبر فيها هذا الأخير عن كل ذلك، لكننا نعرف أن هذا الجانب من عمل شاغال (1887 – 1985) لم يكل كل عمله، لكنه طغى على معظم عمله من دون أن يربطه بأي بعد أيديولوجي. أو هذا في الأقل ما سيقوله مفسراً للباحث والسياسي المصري ثروت عكاشة حين زار مصر يوم كان هذا وزيراً للثقافة ودعاه لتقديم باليه كان شاغال قد صمم ديكوراته وملابسه وهو باليه "دافني وكلوي". ومهما يكن من أمر لا شك أن تلك الأطر اليهودية الفولكلورية، وأحياناً الأسطورية التي اشتغل عليها شاغال في لوحاته، أتاحت له ملونة وتشكيلاً ربما يكونان الأجمل في مساره الإبداعي الطويل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من تشابلن إلى شاغال

كما أشرنا، كان مارك شاغال (1887 - 1985) حين رحل عن عالمنا يعيش عامه الثامن والتسعين مقترباً من الذكرى المئوية لولادته، لكنه على الرغم من تلك السن المتقدمة كان لا يزال يحتفظ بقسط كبير من حيويته وروحه المرحة إلى درجة أنه حتى في الأعوام القليلة الأخيرة من حياته، كان لا يتوقف عن الاستغراق في الضحك حين يتذكر كيف أنه، وهتلر قد تشاركا في "التوقيع على لوحة واحدة، أنا مع علمي التام بما أفعل، وهو جاهل تماماً حين كان يوقع أنه سيضع اسمه على قدم المساواة إلى جانب اسم... يهودي!" كما كان يحلو له أن يقول مقارناً بهذا بينه هو نفسه وتشارلي تشابلن الذي جعل من شخصيته الصعلوكية أنا/ آخر للديكتاتور النازي نفسه في فيلم "الديكتاتور". مهما يكن، كان شاغال، حين رسم على تلك الوثيقة ومهرها بتوقيعه، قد بلغ من الشهرة العالمية ما كان من شأنه أن ينسيه حقاً سنوات البؤس والتشرد، هو الذي ولد في روسيا القيصرية، وبدأ رحلته الفنية والحياتية في عام 1910، حيث اكتشف فن فان غوغ ومجموعة الضواري، وراح يكيف فنه الخاص، الذي كان ريفياً توراتياً خالصاً في البداية، مع تلك المدارس الرائجة وكان ذلك قبل أن يبدأ سلوك دروب خصوصيته التي جعلته نسيج وحده في فنون القرن العشرين كما أشرنا، وفي خضم دروب منافيه العديدة التي جعلته كوزموبوليتياً، حتى وإن ظلت ذكريات طفولته محركة حياته الرئيسة، وليس دائماً بالمعنى البائس للكلمة.

المزيد من ثقافة