Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تبلور العزائم: نظام القطبية العالمية الجديد

هناك أفكار بدأت تطفو على السطح لبناء ما يسمى بتحالف القانون ضد حكم الغاب

الهجوم الروسي على أوكرانيا أوضح علامات انهيار النظام العالمي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية (رويترز)

لطالما كانت هناك قناعة متزايدة في مراكز الفكر الغربية بأن النظام العالمي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية لن يتمكن من البقاء طويلاً، وأن مؤشرات أفوله في تزايد، ولكن كان السؤال الملح متى تحين لحظة الأفول تلك، إلى أن جاء الهجوم الروسي على أوكرانيا ليوضح بجلاء علامات الانهيار المرتقبة منذ عقود طويلة.

وخلال العقود التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، صار النظام العالمي محكوماً بدور قيادة أميركي، الأمر الذي لم يوافق هوى روسيا والصين، وهما الدولتان اللتان استثمرتا عقوداً من انشغال الولايات المتحدة الأميركية في حروب تقليدية ثانوية في الصومال وكوسوفو والعراق وأفغانستان، والحرب الطويلة والمجهدة ضد الإرهاب، حماية لمصالحها الحيوية في العالم، ونشر الديمقراطية، الأمر الذي استنزف قدراتها، فيما عملت الدولتان الخصم على الاستفادة من انفتاح العالم عليهما في بناء أسس لكيانات اقتصادية وعسكرية راسخة مع الإبقاء على نظم تقف على النقيض مع النظام الديمقراطي الغربي.

وعلى الرغم مما يبدو من أن النظام العالمي ما زال تحت إمرة أميركا إلا أن مكونات التعددية القطبية والفرز المتعاظم بين القوى الغربية وغيرها بات واضحاً، وتضاعف الضغط على القيادة الأميركية للنظام العالمي، وتزايدت أعداد الدول التي تتحدى القيادة الأميركية، في ما يمكن وصفه أحسن وصف بالقول العربي المأثور "اتسع الخرق على الراتق". وأسهمت في توسع رقعة هذا الخرق، أهواء الإدارات الأميركية المتعددة وأولوياتها في السياسة الدولية التي أضعفت واشنطن وحلفاءها، على الرغم من امتلاكهم مصادر القوة، فيما عززت بالمقابل مواقع خصومها في العالم.

وحينما جاء الهجوم الروسي، وهي قصة حرب معلنة منذ زمن ليس بقصير، وكانت سيناريوهاتها قد تجلت في الحروب مع جورجيا وأوكرانيا سابقاً، ومحاولات روسيا وقف تقدم حلف شمال الأطلسي داخل ما تسميه مجالها الحيوي، تدافعت الدول الغربية، ووحدت صفوفها، وفعّلت مؤسسات عملها المشترك وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي، وفرضت عقوبات شاملة بهدف ردع روسيا وتقليم تطلعاتها الإمبراطورية، إلا أن هذا الاندفاع بنظر المراقبين مرهون بإطالة أمد النزاع الأوكراني المرشح للبقاء لسنوات. ما يهدد بتصدع التحالف الغربي، نظراً إلى كلفته العسكرية والسياسية والمالية الهائلة.

وفي محاولة من إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن للإبقاء على زخم التحالف الغربي، تقوم حالياً بتعزيز حلف شمال الأطلسي بانضمام ما تبقى من دول عرفت سابقاً بالحياد، ومأسسة التحالف الغربي. وهناك أفكار بدأت تطفو على السطح لبناء ما يسمى بتحالف حكم القانون ضد حكم الغاب. وهو ما ردده الرئيس بايدن مراراً خلال الفترة القليلة الماضية. وهي الفكرة التي تنبعث من صلب الثقافة الغربية، التي جاءت من مفهوم "الحضارة ضد الهمجية" المستنسخ من الحضارة الرومانية.

تحالف وتحالف مضاد

الباحث إيفو دالدير، رئيس "مجلس شيكاغو للشؤون الدولية"، الذي عمل سفيراً لأميركا لدى حلف شمال الأطلسي ومستشاراً في الإدارات الديمقراطية، وجيمس ليندسي، نائب رئيس مجلس العلاقات الخارجية، في مقال مشترك لهما في مجلة "الشؤون الخارجية" بعنوان "أفضل أمل أخير"، يقترحا إنشاء مجموعة الـ12 خلفاً لمجموعة الـ7 الصناعية الكبرى، التي ستشمل بالإضافة إلى الدول السبع كلاً من أستراليا ونيوزيلاند وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. والمجموعة المقترحة تشكل 60 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي والإنفاق العسكري، في مواجهة الصين وروسيا اللتين تشكلان 20 في المئة من الإنتاج العالمي و17 في المئة من الإنفاق العسكري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقدم الكاتبان وصفة من الخطوات اللازم اتخاذها لتعزيز مكانة هذه المجموعة على الصعيد الدولي، من حيث خلق شراكات، وزيادة الإنفاق العسكري، على المنوال الذي اعتمدته أخيراً ألمانيا واليابان. وأهم عناصر الوصفة تكمن في أن تعلم أميركا القيادة لمجموعة من الأنداد المتساوين، وأن تهجر أخطاء ممارساتها السابقة عبر جر شركائها كمن يجر أعمى وراءه مثلما حدث العام الماضي في الانسحاب من أفغانستان.

إن خطاب الانفراد في القيادة الأميركية مثل أن "أميركا تقف شامخة وترى ما هو أبعد في المستقبل من دون الدول الأخرى، الذي أطلقته وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، لم يعد مقبولاً. ويرى الكاتبان أن المقاربة الأميركية المقترحة لمجموعة الـ12 حيال كل من الصين وروسيا وبقية الخصوم، ستكون منسجمة مع خطاب وزير الخارجية أنتوني بلينكن: "تنافسية عندما يجب أن يكون، وتعاونية عندما يكون ذلك ممكناً، وعدائية عندما يجب أن يكون كذلك".

في المقابل، تسعى الصين وروسيا للتحرك في الاتجاه المضاد لهذا الطرح الأميركي، عبر تفعيل حزمة من الشراكات مثل تحالف "بريكس" الذي يضم بالإضافة إلى الدولتين، الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. والتوجه بالدعوة إلى دول أخرى للانضمام إلى هذا النادي. ولدى الصين مشروع "الطريق والحزام" الذي يهدف إلى خلق شراكات دائمة مع دول العالم. ولا يستبعد المراقبان أن تفشل جهود إقامة تحالف الـ12 نتيجة لطبيعة الحراك الذي ولّده وما زال الهجوم الروسي على أوكرانيا، ومؤشرات الصراع السياسي في الديمقراطيات الغربية مثل احتمالية وصول اليمين المتطرف مستقبلاً لقيادة فرنسا، أو القيادة اليمينية المتطرفة في المجر، ووصول الترامبية إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025.

أين نحن؟

تبقى رؤية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لمنطقتنا هي قامتنا الشامخة الوحيدة التي يمكننا من خلالها رؤية المستقبل المشرق للمنطقة، وهي الوحيدة القادرة على أن تمخر بنا عباب بحور متلاطمة الأمواج في المشهد السياسي العالمي من حولنا. ومن بين الأفكار التي تداولتها مراكز الفكر الغربية، تلك التي تناولتها في مقال سابق هنا بعنوان "رؤية سعودية لبناء قطب إقليمي"، وهي تنطلق من نقاشات مستفيضة في مركز الدراسات في أميركا حول احتمالات تغير شكل النظام العالمي الجديد وتحوله من المركزية التي وصمت النظام العالمي لما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى تحالفات بين نظم ترتكز على التعددية القطبية ذات أبعاد إقليمية، تتشاطر قواسم الجغرافيا والإرث الثقافي والحضاري المشترك.

وتتوافر فرص النجاح للقطبية الإقليمية في منطقتنا، في رؤية المملكة 2030، شريطة أن تدرك دول منطقتنا الأهمية الاستراتيجية للبعد الإقليمي لرؤية الأمير محمد بن سلمان، الذي يرى بعين ثاقبة عبر ركام من الصراع وتاريخ من الخلافات وجبال من التخلف والشحن الطائفي والجهوي، "أوروبا جديدة" تتخلق من رحم هذه الأرض الطيبة وشعوبها التواقة إلى اللحاق بركب الحضارة البشرية. إنها عين الحالم الذي يصنع أحلامنا ويجتهد يومياً لتحويلها إلى واقع ملموس.

ويبقى التحدي الأكبر الذي يحول دون تحقيق رؤية منطقتنا كقطب إقليمي فاعل في تحالف الأقطاب العالمية التي ستقود النظام العالمي الجديد، أن نتمكن من أن نشمخ معاً لنرى عبر جبال من نقائص الماضي، مستقبلاً واعداً بالخير الوفير يمكن أن نرسمه معاً لخير أجيالنا المقبلة والبشرية جمعاء، متجاوزين أجنداتنا الصغيرة وتطلعاتنا الضيقة، وأن نعمل بجهد مضاعف على صياغة تجمعنا السياسي والاقتصادي والثقافي بنزعاته وقيمه الكونية، الذي تتحول معه الرياض إلى مركز مشع للقطب الإقليمي الذي يجمع الأنداد الأقوياء المتساوين على كلمة سواء.

إن فكرة القطبية الإقليمية ما زالت بحاجة إلى دراسات معمقة تسهم في النقاشات الجارية في مراكز الفكر الدولية حول رؤية النظام العالمي الجديد بما يحقق موقعنا كشركاء لا تابعين. وحينما ترى مشاريع الغرب والشرق تحولات النشوء والارتقاء للنظام العالمي، ستجد منطقتنا جاهزة للتفاعل الخلاق مع ما يتفق ومصالحنا ويحفظ أمن شعوبنا واستقرارها وازدهارها، ويطلق العنان للإبداع الإنساني الذي كانت منطقتنا وستبقى إحدى ركائزه الرئيسة.

المزيد من آراء