Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خلفيات "توراتية" تهجر سكان قرية فلسطينية

بحسب اتفاقية أوسلو "النبي صموئيل" مصنفة في منطقة جيم

في عام 1995، تم تخصيص مساحة كبيرة جداً من أراضي القرية بما فيها المسجد المكون من ثلاثة طوابق بنيت عام 1730، والأراضي المحيطة به، لتكون حديقة وطنية ومحمية طبيعية إسرائيلية (اندبندنت عربية)

حزم جمال بركات (32 سنة) أمتعته وقرر الرحيل مع زوجته هدى (27 سنة) ورضيعهما الجديد إلى قرية مجاورة أقل هدوءاً كما فعل عشرات الشبان من قبلهم، الذين ضاقوا ذرعاً بقريتهم وظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المرهقة والخانقة.

تراث يهودي

قريتهم "النبي صموئيل" المطلة على القدس، والتي لا تبعد عنها سوى كيلومترات قليلة، فقيرة بضجيج الحياة وصخبها ومقوماتها البسيطة، ليس لأن عدد سكانها أقل من 250 نسمة، نصفهم من العجائز، ولا لأن منازلها قديمة ومتهالكة تعود إلى قرون مضت، أو لأنها قرية من دون ملاعب ومحال تجارية ومتنزهات ومدارس ومطاعم، بل لأن سكانها يقيمون على موقع استراتيجي وأثري. تقول إسرائيل، "إنه يعود إلى التراث اليهودي"، وإن "صموئيل" هو أحد أحبار بني إسرائيل في العهد القديم، حيث إنه كان قاضياً وداعياً لهم، وإن هذه القرية شمال غربي القدس، فيها قبر "صموئيل" ويدعي الإسرائيليون أن لهم أحقية دينية فيها، الأمر الذي حرم سكان القرية منذ سبعينيات القرن الماضي من بناء المنازل أو تطوير القديم منها أو توسيعها، بل ومنعوا من زراعة أراضيهم على الرغم من اتساع مساحة القرية، التي تبلغ قرابة 5 ملايين متر مربع.
وتحدث بركات لـ"اندبندنت عربية" عن الأوضاع فقال، إن "الشباب يهجرون القرية نتيجة المضايقات المتزايدة، فالمباني القائمة التي شيدت عام 1967 قديمة ومتهالكة ولا تستوعب الأسر الممتدة الموجودة، حيث يسكن الأجداد والآباء والأبناء وربما العمات والأعمام في ذات الغرف الضيقة، فضلاً عن نشوء أسر جديدة، وهو ما يضطر الشباب لترك القرية على الرغم من تعلقهم بها. ومع أن البلدة تصنف على أنها تتبع لبلدية القدس، لكن سكانها يتبعون للسلطة الفلسطينية، ويملكون هوية الضفة الغربية، حيث يمنع دخولنا كشباب إلى مدينة القدس للعمل أو التجارة، على الرغم من عدم وجود حاجز يفصلنا عنها، لكن إذا رصدت كاميرات المراقبة الإسرائيلية أي شخص من القرية يتسلل ليدخل القدس فإنه يسجن لمدة سبعة أشهر".

"سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية" وبحسب موقعها الإلكتروني، أشارت إلى أن "غالبيـة سـكان القرية لا يملكون سندات ملكية للبيوت التي يعيشون فيها ولا يملكون إذناً للبناء، وأنه بموجب قانون الحدائق الوطنية الإسرائيلي "يحظـر القيام بأي نشـاط أو بنـاء في منطقة صنفت كحديقة وطنية أو محمية طبيعية، حفاظاً على سلامة الجمهور وحماية للآثار".

كنيس ومسجد

في عام 1995، تم تخصيص مساحة كبيرة جداً من أراضي القرية بما فيها المسجد المكون من ثلاثة طوابق بنيت عام 1730، والأراضي المحيطة به، لتكون حديقة وطنية ومحمية طبيعية إسرائيلية، بادعاء المحافظة على النباتات الفريدة التي تعيش في المنطقة، في حين تم تحويل الطابق الأول من المسجد فوق المغارة التي يعتقد أن فيها "قبر النبي صموئيل من العهد القديم" إلى كنيس يهودي، تعمل فيه مدرسة دينية يهودية - أرثوذكسية صغيرة تدعى "يشيفا"، قامت العام الماضي بوضع شمعدان يهودي على سطح المسجد.

وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التابعة للسلطة الفلسطينية، حسام أبو الرب، قال إن "خطورة الانتهاكات الإسرائيلية على هذا المسجد والتي تجري بشكل مكثف، تأتي في سياق التعرض لحرمته وقدسيته، فقد تعرض لسلسلة اعتداءات في السابق من حرق وتكسير ومنع الآذان وخلع مكبرات الصوت، وتعرض المصلون فيه إلى الضرب من قبل المستوطنين، إضافة إلى قيام سلطات الاحتلال بإحاطة المسجد بأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة، وإغلاق الطابق الثاني منه ومنع ترميم الطابق الثالث وإبقائه مهجوراً". وأضاف، أن "الاحتلال يهدف من هذه الإجراءات إلى تحويل المسجد إلى مكان أثري وسياحي يهودي، وطمس معالمه الإسلامية".

رواية يهودية

كما يرد حالياً على موقع سـلطة الطبيعيـة والحدائـق الإسرائيلية، فإن موقع الحديقة الوطنية في النبي صموئيل متاح لليهود والمسلمين والمسيحيين وبأنه، "موقع بقايا أثرية منذ أيام الهيكل الأول".
وتركـز المـواد السـياحية المنشـورة والمتعلقة بالموقـع بصـورة أساسية علـى أهميته الدينيـة لليهود، وكونـه بلـدة توراتيـة ومـكان دفـن صموئيـل اليهودي. ويشير الموقـع الإلكتروني لـوزارة الخارجيـة الإسرائيلية إلى أن "القرية مرتبطـة برامـا التوراتيـة، وهي مـكان دفـن صموئيـل النبـي، بحسب التوراة".
وأشارت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في وقت سابق إلى أن "المسجد والأراضي المحيطة به عبارة عن حديقة وطنية، تضم القرية العربية، التي بنيت على هلنيستية" وهي مستوطَنة يهودية من القرن الثاني قبل الميلاد.

داخل الجدار

بحسب اتفاقية "أوسلو" الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل في عام 1995، تم تصنيف قرية النبي صموئيل كمنطقة جيم، تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة، ويجـب علـى السـكان هناك الحصـول علـى "تنسـيق" مـن مكتـب الارتبـاط فـي الإدارة المدنيـة الإسرائيلية ليتمكنـوا مـن استقبال زائريـن، بمـن فيهـم مـن العائلـة، ممـن يحملـون هويـات الضفـة الغربيـة، وأيضاً لإحضـار البضائـع التـي تعتبـر أنها تمثـل كميـات تجاريـة أو الحاجات الكبيـرة كالأثـاث. وبحسـب السـكان، عند نقطـة التفتيـش الإسرائيلية، توجـد قائمـة بأسماء وأرقام هويـات كل سـكان النبـي صموئيـل للسـماح لهـم بالدخـول إلى قريتهـم عنـد عودتهـم مـن مناطـق أخرى فـي الضفـة الغربيـة.

وقال الناشط الشبابي في القرية رمزي بركات، "تمت السيطرة على ثلثي مساحة القرية، حتى باتت محاصرة من جميع الاتجاهات، بأربع مستوطنات تجثم على أراضيها، فيما أقام الاحتلال حاجزاً عسكرياً على مدخلها، يسمى، "حاجز الجيب"، والمعزز ببوابات حديدية، ونقاط تفتيش، وثكنات عسكرية للجنود الإسرائيليين، إذ يعد المدخل والمخرج الوحيد للمواطنين في النبي صموئيل. وفي عام 2007 أحكم الخناق بالكامل على القرية، عندما تم وضع جدار الضم والتوسع الذي عزلها عن جميع المدن الفلسطينية، وباتت بلا حدود خاصة بها، وهو ما تسبب في معاناة كبيرة للأهالي في التنقل والعمل والدراسة". وأوضح بركات "أن تكون المنطقة محمية إسرائيلية يعني أن السكان يواجهون الآن قيوداً شديدة، فهناك شروط مفروضة حتى على السلع التي يسمح لهم بإحضارها عن طريق المعبر، كما وأنه يطلب من كل زائر فلسطيني يدخل القرية من الضفة الغربية تصريح مسبق من قبل مكتب تنسيق الجيش الإسرائيلي، هذا وترفع القيود المفروضة على النبي صموئيل، مستوى البطالة بين الرجال في القرية إلى نحو 90 في المئة".

قيود صارمة

وبحسب تقرير لمؤسسة الحق لحقوق الإنسان (مستقلة)، "تشـكل قرية النبـي صموئيـل أحد الجيـوب فـي ضواحـي القـدس كمـا وصفتهـا المحكمـة، ويواجـه سـكانها قيوداً صارمة مفروضة على حرية حركتهم، ولا تتماشى القيود المفروضة على سكان النبي صموئيل مع قيود الاسـتثناءات المسـموح بها لحرية الحركة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولـي. وفـي الحقيقـة فـإن القيـود المعقولـة التـي يسـمح بهـا العهـد الدولـي الخـاص بالحقـوق المدنيـة على اعتبارات تتعلـق بالأمن القومي، أو النظـام العام أو الصحـة والسياسـية، تفقـد معناهـا عندمـا يسـمح للمسـتوطنين الإسرائيليين والسـياح الأجانـب والفلسـطينيين من القدس الشـرقية بالدخول إلى القرية بسـهولة من دون عوائق، وهذا يؤكد أن التقييدات فـيها انتهاك للقانـون الدولـي ومبـادئ المسـاواة علـى حريـة الحركـة والتي تسـتهدف سـكان النبـي صموئيـل تحديداً، إن الهـدف الوحيـد للتقييـدات المفروضـة علـى حريـة الحركـة هـو عـزل سـكان النبـي صموئيـل وممارسـة الضغـط عليهـم، وتعزيـز الاسـتعمار الإسرائيلي غيـر المشـروع للمنطقـة".

وقال شاؤول أريئيلي، الرئيس السابق لإدارة السلام في حكومة رئيس الوزراء السابق إيهود باراك، الخبير في موضوع الجدار الأمني لـ"تايمز أوف إسرائيل" في وقت سابق، إن "المفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين حاربوا بمرارة على النبي صموئيل أثناء المفاوضات لاتفاق أوسلو المؤقت عام 1995، لكن العامل الأساسي هو موقعها المطل على القدس".
وأشار تقرير مكتب الأمم المتحدة المنسق للشؤون الإنسانية (OCHA)، إلى وجود 17 مجتمعاً فلسطينياً مثل النبي صموئيل غرب الجدار الأمني الإسرائيلي، الذي يفصل أكثر من 27500 فلسطيني عن الضفة الغربية ويضمهم بشكل فعلي إلى إسرائيل، بينما لا يحمل هؤلاء السكان هوية إسرائيلية، ويمكنهم دخول الضفة الغربية فقط عبر 39 بوابة تشغيلية (من أصل 66 بوابة على طول الجدار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


تزوير حقائق

في عام 2020، أعلن مجلس التخطيط الأعلى لجودة البيئة في الحكومة الإسرائيلية، اعتبار 110 آلاف متر مربع من أراضي قرية النبي صموئيل، موقعاً أثرياً يهودياً، وضمها لتطوير الحديقة القومية الوطنية اليهودية التي تبلغ مساحتها 3.500.000 متر مربع، والمقامة على أراضي النبي صموئيل، وقرى فلسطينية مجاورة لها.
ويؤكد مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية في جمعية الدراسات العربية، خليل تفكجي أن مشروع الحديقة القومية اليهودية، "يسعى إلى تحويل موقع القرية، بما يشمل مسجد النبي صموئيل، إلى السياحة العامة والسياحة الدينية الإسرائيلية وتحديد الموقع الأثري فيها، بهدف استقطاب زائرين متدينين يهود وسياح أجانب، لتقديم شروحات عن الموقع المقدس تستند فقط إلى مصادر يهودية، تعزز الرواية الإسرائيلية التوراتية السياسية، وتزور حقائق المكان التاريخي ومعالمه، وتحاول إضفاء الصبغة اليهودية بدلاً من الرواية الإسلامية الأصلية".
منظمة "عميق شيبه" التي تعنى بمكانة علم الآثار في المجتمع الإسرائيلي وفي النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني تقول، إن "حالة النبي صموئيل فريدة من نوعها، كونها أول قرية في الضفة الغربية يطرد سكانها من قبل السلطات الإسرائيلية وتدمر منازلهم بهدف تحويلها إلى موقع أثري، وهي مهددة بالاندثار وهجرة الشباب لانعدام فرص العمل، فقانون حماية الحدائق الوطنية والصعوبات التي تضعها السلطات هناك، لا تترك أي أمل أو إمكانية لتطور القرية. السلطات الإسرائيلية تدمج الآثار في الموقع مع التقاليد الدينية، وتسمح بحرية العبادة لليهود والمسلمين، على الرغم من أن الحرية الدينية لم تتضرر ظاهرياً فقد نشأت حالة غير متوازنة من التعايش بين اليهود والمسلمين، وعدم التوازن هذا سببه أن المسلمين طردوا من بيوتهم، ولا يسمح لهم ببناء وتطوير قريتهم، ووضعهم القانوني لا يتساوى مع الإسرائيليين".

إعمار وتطوير

قررت الحكومة الإسرائيلية بداية العام الحالي، تخصيص 10 ملايين شيكل (3.2 مليون دولار)، تحت مسمى "إعمار المواقع الأثرية" بالضفة الغربية وغور الأردن. وأشارت القناة "السابعة" الإسرائيلية إلى أن وزارة "القدس والتراث الإسرائيلية" خصصت تلك المبالغ، لما سمته "مكافحة تدمير الفلسطينيين المواقع التاريخية الإسرائيلية". وذكرت القناة أن وزير القدس والتراث زئيف ألكين تعهد "محاربة عمليات السيطرة على المواقع الأثرية في الضفة الغربية".

وصرح عساف أبراهام، وهو باحث أثري في جامعة بار إيلان الإسرائيلية لوسائل إعلام إسرائيلية، بأنه قلق على مصير المواقع الأثرية في الضفة الغربية، مشيراً إلى أنه "إذا لم تكن هذه المناطق في أيدي أو تحت سيادة السلطات التي تعرف كيف تعتني بها... ولديها الدافع لفعل ذلك، فإننا في الحقيقة نخشى على هذه الأماكن".

في حين اتهمت السلطة الفلسطينية إسرائيل مراراً بسرقة الآثار بالضفة الغربية، مشيرة في هذا الصدد إلى القانون الدولي واتفاقية لاهاي، اللذين يحظران على إسرائيل نقل آثار أو مقتنيات أو اكتشافات أثرية خارج الإقليم المحتل، أو التنقيب والتفتيش عن الآثار في الأراضي المحتلة.

بدورها، شددت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على "أن ما يجري الآن تجاه المقدسات والمواقع الإسلامية يتطلب دوراً عربياً وإسلامياً استثنائياً للتحرك العاجل من أجل حمايتها والدفاع عنها، مطالبة المؤسسات الحقوقية والثقافية الدولية بوضع حد للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق المقدسات الإسلامية".

ووفقاً لمعطيات وزارة السياحة والآثار الفلسطينية فإن "53 في المئة من المواقع الأثرية في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي تقارب 7 آلاف موقع أثري، تقع في منطقة (جيم)، ويحرم على الفلسطينيين إجراء عمليات تنقيب أو ترميم وتطوير فيها، وأن نحو 223 موقعاً أثرياً داخل المستوطنات في الضفة الغربية تعرض بعضها لتدمير كلي، وآخر لتدمير جزئي بسبب أعمال البناء الاستيطاني، فيما التهم جدار الضم والتوسع، بحسب دراسات أجرتها الوزارة، أكثر من 1100 موقع أثري، ودمر مواقع أخرى نتيجة مروره بها".