Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بابل: اللغة صينية والحلم أميركي

هذا العالم يواجه اليوم نفسه في مرآة توازن الرعب

أطروحة بوتين هي صد الغرب وحماية الأمن الروسي منه (أ ف ب)

محطات تلفزيونية صينية وروسية وكورية وغيرها من هذه الدول موجهة للمشاهد العربي تبث بالعربية، وقد شدني هذا الاهتمام بهذا المشاهد، لكن ما أغبطني أنها اتاحت لي فرصة أن أسافر إلى تلك البلدان، وقد أعجزتني إمكاناتي عن السفر إليها، فكثيراً ما أجول بين هذه المحطات أملاً بأن أعرف ما لا أعرف عن بلدانها، وأشاهد حياة البشر فيها، ولهذا الغرض أخذت مشاهدة الأعمال الدرامية المعربة، فتابعت مثلاً عدداً من المسلسلات الصينية وهي كثيرة، على الرغم من أنني لم أطق مشاهدة مثيلاتها العربية، ولست حتى من هواة التلفزيون.

كلما غرقت في محيط تلكم التلفزة غرقت في تشابهها، فتكاد تكون محطة واحدة ومشاهد المكان الواحد، فالشوارع والبنايات واحدة، البشر وملابسهم واحدة، طريقة الكلام وما في حكمها، وحتى الأكل، سندويتشات في مطاعم منتشرة في الشوارع، إما أنها مطاعم "كنتاكي" أو تقليد لـ "كنتاكي"، فتذكرت أنني شاهدت أكثر من مرة، الفيلم ما أعجبني وما زال، وما حصد 27 جائزة مختلفة حول العالم منها جائزة "أوسكار"، فيلم "بابل"، إنتاج سنة 2007، للمخرج المكسيكي الأشهر أليخاندرو غوانزاليز إيناريتو، وتأليف جويليرمو أرياجا، وتدور أحداث الفيلم حول صبيين يرعيان قطيع ماشية في الصحراء الغربية المغربية، وأثناء سيرهما يجربان بالبندقية طلقات عدة، ولسوء حظهما تنطلق رصاصة بشكل خاطئ لتصيب سيدة أميركية، وتلك الرصاصة تقلب الحياة رأساً على عقب، فتغير مصائر أربع عائلات من ثلاث قارات مختلفة، فالمشاهد تتنقل بين طوكيو ونيويورك، على ما أذكر، ولما تتنقل الكاميرا بينهما لم تكن تتعرف بسهولة على أنك في هذه المدينة أم تلك، التشابه حتى التماهي، فقط الوجوه البشرية ما تمنحك، مكنة أن تعرف أين هذا المشهد أو ذاك، أما السلوك البشري والأحداث تقريباً متماهية، المخرج العبقري، عبر النقلات بين المشاهد والصور، يبين هذا التماهي بين طوكيو ونيويورك وبين البشر فيهما.

"بابل" الفيلم ما جعلني أنتبه، أن ما أشاهد عبر المحطتين الصينيتين بالعربية وما مثلهما، هو كما مكان واحد وزمان أوحد، فإن الحياة الصينية من خلال المسلسلات الصينية لا تختلف عن الحياة الأميركية، حتى التفاصيل مشتركة، فالمدن الصينية نسخة أميركية، وكأنما في المحصلة أن اللغة صينية، لكن الحلم الأميركي المشهور، وليس الفكر والأيديولوجيا الصينية غربية، شيوعية أو شيوعية رأسمالية وحسب، بل الحلم الصيني ذاته الحلم الأميركي، لذا فالحزب الشيوعي الصيني نموذجه الإمبريالية الأميركية، ويريد أن يرثها حية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الأيام والحرب الروسية للاستيلاء على أوكرانيا تستعر، فإن الدوافع تتوكد، فأطروحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هي صد الغرب وحماية الأمن الروسي من هذا الغرب، الحليف من أجل مشروع روسيا الرأسمالية الصين الشيوعية، وكل منها أو معاً يبغيان الوراثة.

كنت أتابع الأخبار من دون أن أنقطع عن مشاهدة تلفزيونات هذه الدول التي تحلم الحلم الأميركي، فكانت الخلفية التي أشاهدها أن الحرب ضد القطب الواحد هي حرب من أجل المشاركة في الحلم الواحد، وما التباين المطروح، فالحرب القائمة إلا لأجل أن تكون روسيا أميركا أخرى، أي الشقيقة الثانية، وأن بكين نيويورك أخرى ليس إلا، فلقد توغلت الثقافة الأميركية في نخاع بوتين والحزب الشيوعي الصيني.

إن الحرب القائمة قائمة بين ذات أميركية منقسمة على نفسها، منها ما يتحدث الروسية وأخرى الصينية، لكن التباين يوضح التشاكل والتداخل حتى درجة التماهي، والخطر الذي يواجهه العالم هو انشطار القنبلة النووية الأميركية، ففرانكشتاين تزوج من دون إرادة المؤلفة البريطانية ماري شيلي (1797-1851)، ولقد خرج عن طوعها حتى أنه تزوج وأنجب أيضاً، وإذا كان فرانكشتاين من صنع المخيلة الغربية، فإن ما أنجب من صنع كابوس تلك المخيلة.

هذه حقيقة خلفية الحرب القائمة الساعة في أوروبا المنزوعة قشدة الفكر الغربي التنويري، فيكون التنازع الآن تحت شعار بالٍ "توازن الرعب"، ما يكون هو حارس حقول الشوفان، خيال مآته الحرب، وأقصد أننا في مرحلة ليس ما بعد الحداثة المبشرة بموت الإنسان، وأن القيامة الآن وحسب، بل وما بعد توازن الرعب، مما بات حامي حمى الحرب الكبرى المنشطرة لحروب صغرى، لم يكن مبتدؤها حرب أوكرانيا ولكنها خبر جهينة، الحرب اليقين، أن باب جهنم الموارب قد فتح على مصراعيه.

الغرب انقسم من قبل وخاض حربيه الكبريين، لكن الغرب المتوسع في سهوب روسيا وبحر الصين، هذا الغرب الرأسمالي العالمي، أمسى يتحدث الصينية بعد أن تحدث الروسية، وهذا العالم هذا اليوم يواجه نفسه في مرآة توازن الرعب.              

المزيد من آراء