Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لغز "مثلث الانتحار" بالمغرب... في كل أسبوع حالة

عدد سكان المنطقة 457 ألف نسمة ولا تخدمها بنية تحتية كافية وتعاني الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية

مغربي يبكي على نعش عبد الوهاب زيدون وهو الخريج الذي كان عاطلا عن العمل وانتحر في يناير 2012 بالرباط (أ ف ب)

لا يكاد يمر أسبوع من دون سماع خبر انتحار رجل أو امرأة أو حتى طفل في عدد من مناطق المغرب، الأمر الذي دفع جمعيات ومتخصصين وأحزاباً سياسية إلى دق ناقوس الخطر في شأن تفشي الانتحار في المجتمع. واللافت في الظاهرة أن هناك مناطق جغرافية بعينها تشهد ارتفاعاً ملموساً في حالات الانتحار، بخاصة "مثلث" شفشاون وسطات وبرشيد، وهي مناطق تعرف تسجيل حالات انتحار بشكل غير مسبوق.

ويعزو متخصصون تنامي حالات الانتحار في "المثلث" المذكور، لا سيما في شفشاون التي بات يلقبها الإعلام "عاصمة الانتحار" في المغرب، إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية لهذه المناطق التي تكابد التهميش والإقصاء التنموي.

وسجلت المصالح الأمنية في إقليم شفشاون، السبت 11 يونيو (حزيران)، حالة انتحار شاب في الثلاثين من عمره، إذ أقدم على إنهاء حياته بواسطة حبل وجده سكان المنطقة القروية ملفوفاً حول عنقه.

وفي اليوم ذاته، سقطت فتاة في عقدها الثاني جثة هامدة بمدينة سطات بعد أن تجرأت على إنهاء أنفاسها شنقاً، بينما تعزو المصادر هذا الانتحار إلى مشكلات اجتماعية لم تقوَ الفتاة على تحملها، بخاصة أنها عاطلة من العمل وتعيش في كنف أسرة فقيرة.

وقبل أيام قليلة، في شهر يونيو ذاته، عُثر على جثة شاب في عقده الثالث، معلقة في شجرة بضواحي شفشاون، وكان يعاني اختلالات نفسية وعصبية.

وفي الأسبوع ذاته، وجد سكان أحد الدواوير القروية بشفشاون شاباً معلقاً في جذع شجرة، غير بعيد من منزل أسرته.

وفي ظل غياب الأرقام الرسمية بخصوص عدد حالات الانتحار بشفشاون، أفادت جمعية "السيدة الحرة" بأن هذه المنطقة سجلت في الأعوام السبعة الأخيرة ما يزيد على 240 حالة، أي بمعدل حالة انتحار كل أسبوع.

وكذلك تشهد مدينة برشيد بين الفينة والأخرى حالات انتحار عدد من الشباب ذكوراً وإناثاً، تتوزع أسبابها بين ما هو نفسي واجتماعي واقتصادي.

"عاصمة الانتحار"

وليس اعتباطاً إطلاق اسم "عاصمة الانتحار" على منطقة شفشاون تحديداً الواقعة شمال البلاد، بالنظر إلى تنامي حالات هذه الظاهرة الخطيرة هناك، التي يعزوها كثيرون إلى الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة.

وفي السياق، تفيد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (مؤسسة رسمية تُعنى بتنمية المناطق القروية) بأن شفشاون، على سبيل المثال، التي تتوافر على جماعة حضرية واحدة و27 جماعة قروية، وعدد سكانها يناهز 457 ألف نسمة، لا تخدمها بنية تحتية كافية.

ووفق الأرقام الرسمية ذاتها - التي يمكن قياسها على بقية "عواصم الانتحار" في المغرب - فإن نسبة الهدر (التسرب) المدرسي مقلقة، كما تصل نسبة الأمية إلى 40.2 في المئة بحسب آخر إحصاء عام يعود إلى 2014.

وتبعاً للمصدر، سجل العرض في مجال التكوين المهني نسباً متدنية، كما أن الإقليم لا يتوافر على عرض صحي لائق ويخدمه مستشفى واحد.

من جهتها، تنسب جمعية "السيدة الحرة" تنامي حالات الانتحار في شفشاون، على وجه الخصوص، إلى "التهميش والبطالة"، بينما أرجعت حالات انتحار الفتيات إلى "علاقات عاطفية وزنا المحارم والحمل خارج مؤسسة الزواج والعنف النفسي".

الانتحار في البرلمان

ووصلت أخبار الانتحار، خصوصاً في شفشاون، إلى البرلمان المغربي من خلال طرح أحزاب سياسية أسئلة مكتوبة وشفوية على وزراء الحكومة، بهدف البحث عن حلول لهذه الظاهرة الخطيرة.

حزب الأصالة والمعاصرة، المشارك في الحكومة الحالية، أورد في سؤال اطلعت عليه "اندبندنت عربية" أن عدد ضحايا الانتحار في إقليم شفشاون يتسم بارتفاع متزايد ومقلق في الآونة الأخيرة، منتقداً "عدم تفاعل المؤسسات الرسمية مع الظاهرة ومحاولة القضاء على أسبابها ومسبباتها".

ووفق الحزب ذاته "بدل الاستكانة إلى التطبيع مع هذه الظاهرة الخطيرة، التي أصبحت تطاول جميع الأعمار والجنسين معاً، صار لزاماً الإقرار بأن الفقر والبطالة وهشاشة وضعية الأسر، كلها عوامل أساسية للإقدام على الانتحار في شفشاون".

ولفت الحزب السياسي إلى أن هذه الأوضاع الاجتماعية المزرية زادتها تفاقماً "تداعيات جائحة كوفيد-19 وانعكاسات الحرب الروسية على أوكرانيا، وما خلفته من ارتفاع للأسعار وضرب للقدرة الشرائية".

من جهته، سأل حزب "الأحرار" الذي يقود الحكومة، وزير الصحة في شأن التدابير اللازم اتخاذها بسبب تفشي ظاهرة الانتحار في المغرب، لا سيما أن البلاد تعرف ضعفاً في البنى التحتية الخاصة بالصحة النفسية والعقلية، وأحياناً الحصول على هذه الخدمة ينعدم في مجموعة من المدن والأقاليم والجهات".

استراتيجية الهروب

في السياق، يقول الدكتور مصطفى السعليتي، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة القاضي عياض بمراكش، إن الانتحار ظاهرة تاريخية عانت منها المجتمعات المتقدمة كما المتخلفة، أو التي في طريق النمو، كما تخترق المدن والبوادي على السواء، والإناث والذكور، وجميع الأعمار تقريباً.

ويردف السعليتي في تصريحات لـ"اندبندنت عربية"، أن ظاهرة الانتحار يصعب تحديد أسبابها بدقة، فهناك من يعزوها إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والعائلية، وهناك من يرجعها إلى عوامل نفسية وعقلية.

وسجل الخبير ذاته أن نسبة كبيرة من المقدمين على الانتحار لديهم أمراض نفسية مثل الاكتئاب الحاد، فهم من ينتحرون أكثر، وفي الوقت ذاته لا يمكن إغفال المتغيرات الاقتصادية، فالمنتمون إلى الطبقات الفقيرة ربما أكثر ميلاً إلى الانتحار بسبب المشكلات المالية والاقتصادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويكمل السعليتي "عندما تتعقد الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وعندما لا يملك الشخص مناعة وقوة داخلية لمواجهة هذه المشكلات، يتأثر بشكل خطير، ويسقط في براثن الاكتئاب النفسي، ويبلغ حافة الحياة، فلا يجد سوى الانتحار أمامه للتخلص من مشكلاته وفق تقديره".

وبخصوص تفشي الانتحار في مناطق معينة بالمغرب، يقول إن هذا الانتحار لا يمكن إرجاعه إلى مقاربة "باثولوجية نفسية" فحسب، بقدر ما يتعلق الأمر بوجود مشكلات ووضعية اجتماعية واقتصادية صعبة تدفع الشباب إلى الخضوع لسيطرة أفكار سوداوية.

وخلص أستاذ علم النفس الاجتماعي إلى أن "الانتحار في هذه الظرفية الاجتماعية يصبح استراتيجية للهروب من الواقع المرير والمزعج الذي لا يستطيع الشخص أن يتحمله، فينتهي به المطاف إلى إزهاق روحه بنفسه كحل أخير بالنسبة إليه".