Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين يقصف سياسات التغير المناخي

اعتماد أوروبا على الفحم سيزيد وثمة حكومات أدركت أنه لا يمكن تحقيق الأمن البيئي من دون نظيره بالطاقة أولاً

الحرب الروسية كشفت عن ازدواجية المعايير الأوروبية لاستخدام الفحم (أ ف ب)

ذكرت منذ بداية الحرب الروسية لأوكرانيا أن بوتين ضرب سياسات التغير المناخي الأوروبية وأخَّر تطبيق هذه السياسات بنحو سبع أو ثماني سنوات. وشهدنا في الأيام الأخيرة إثباتات عديدة تدل على صحة هذا التوقع، أهمها رجوع الدول الأوروبية إلى الوقود الأحفوري والطاقة النووية. وسأستعرض في مقال اليوم أهم التطورات في هذا الشأن، وتحديداً، العودة للفحم.

ألمانيا

ستقوم ألمانيا بتخفيض استهلاكها من الغاز الطبيعي في محطات الكهرباء لصالح الفحم، وفقاً لما أعلنه وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابك. ألمانيا ملكة الطاقة الخضراء في العالم تعود للفحم، الأكثر تلويثاً للبيئة ضمن كل مصادر الطاقة. عندما تهدد الأمن القومي تجاهلوا سياسات التغير المناخي. عندما تهدد النمو الاقتصادي ألقوا بسياسات الحياد الكربوني جانباً، والأنكى من ذلك أن هابك من حزب "الخضر".

أدرك هابك أنه لا يمكن تخفيض الاعتماد على الغاز إلا بزيادة حرق الفحم، حيث قال، "هذا مرير، لكن من الضروري تقليل استهلاك الغاز. يجب علينا، وسنفعل كل ما في وسعنا، لتخزين أكبر قدر ممكن من الغاز في الصيف والخريف". إلا أنه أكد أن ألمانيا ما زالت ملتزمة بخطة التخلص من الفحم تماماً بحلول 2030. هذه الخطة هي تطبيق لنظيرتها التي تم تبنيها في عام 2020 وتتضمن التخلص منه في عام 2038 على أكثر تقدير. وتم فعلاً إغلاق بعض المحطات كان أولاها في 2020.

هولندا

أعلنت الحكومة الهولندية أمس، على لسان وزير الطاقة روب جتن، تعليق بعض القوانين التي تمنع زيادة استخدام الفحم فوق 35 في المئة من الطاقة الاستيعابية لإنتاج الكهرباء. يأتي هذا القرار أسوة بما فعلت ألمانيا نتيجة نقص إمدادات الغاز. وأعرب جتن عن قلقه في شأن إمدادات الغاز حيث قال في مؤتمر لحزبه في الأسبوع الماضي، "هناك قلق متزايد من أن أوروبا لن تستطيع ملء مخزونات الغاز". وكانت الحكومة الهولندية تخطط لوقف آخر أربع محطات عاملة بالفحم بحلول 2030.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت هولندا من أكبر منتجي الغاز في أوروبا، إلا أن زيادة عدد الهزات الأرضية أجبرها على تخفيض الإنتاج وإغلاق حقل الغاز خرونينجن بالكامل بحلول عام 2023. وهذا أجبرها على زيادة وارداتها من روسيا، التي بلغت نحو 15 في المئة من حاجتها من الغاز. وتقوم حالياً باستيراد الغاز المسال لتخفيف اعتمادها على الغاز الروسي، إلا أنه من الواضح أن مخزونها من الغاز سيكون منخفضاً في فصل الشتاء، الأمر الذي أجبرها على العودة إلى الفحم.

إيطاليا

تعاني إيطاليا حالياً انخفاضاً في إمدادات الغاز من روسيا، الأمر الذي قد يجبرها على إعلان حالة الطوارئ. وتصدر روسيا 45 في المئة من احتياجات إيطاليا من الغاز.

إعلان حالة الطوارئ يعني اتخاذ الحكومة عدة إجراءات تتضمن إجبار بعض الصناعات على تخفيض استهلاك الغاز، وعلى استيراد المزيد من إمدادات الغاز من موردين آخرين. المشكلة أنه ليس هناك موارد إضافية، وإذا أرادت إيطاليا تحويل الغاز إليها من بلاد أخرى فإن عليها رفع السعر.

سبقت إيطاليا كل الدول الأوروبية بالعودة للفحم. فما إن بدأت الحرب الروسية ضد أوكرانيا في الأسبوع الأخير من فبراير (شباط) أعلنت شركة إنل للكهرباء بأنها لن تحول محطتها الرئيسة، فردريكوا 2، من فحم إلى غاز. وكانت الشركة قالت إنها ستحول المحطة من فحم إلى غاز بحلول عام 2022. المثير في الأمر أن هذا القرار أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي وأنصار البيئة لأنهم لا يريدون استبدال "وقود أحفوري" بنظيره. كانوا يريدون إغلاق المحطة تماماً.

عندها أعلن رئيس الوزراء أندرو دراغي أن متطلبات أمن الطاقة تقتضي العودة إلى بعض محطات الفحم وإعادة تشغيلها. ومن الواضح الآن في ظل انخفاض إمدادات الغاز الروسية أن إيطاليا ستشغلها، ربما خلال الأيام المقبلة.

النمسا

النمسا تعود للفحم أيضاً بعد أن اتفقت الحكومة النمساوية مع شركة فرباند السبت الماضي على تحول محطة كهرباء ميلاتش من الغاز إلى الفحم في حالة انخفاض إمدادات الغاز من روسيا بشكل كبير. هذه المحطة، التي تقع في جنوب منطقة ستايري، وسط، ووسط شرقي البلاد، كانت مغلقة، ولكنها في الأصل كانت تعمل بالفحم، ثم تم تحويلها إلى غاز، والآن سيتم إعادتها إلى فحم وتشغيلها إذا اقتضت الحاجة.

بريطانيا

كانت بريطانيا تخطط للتخلص من محطات الكهرباء العاملة بالفحم. إلا أن الحرب الروسية-الأوكرانية غيرت الخطة، فقد تم التمديد لمحطة فحم بدلاً من إغلاقها، كما تم وضع محطة مغلقة في حالة التأهب لتشغيلها إذا اقتضى الأمر. وكان من المفروض أن يتم التخلص من محطات الفحم بحلول عام 2024، وهذا يبدو غير ممكن الآن.

أستراليا

على الرغم من فوز حكومة يسارية في أستراليا بالانتخابات الأخيرة، وعلى الرغم من تأييدها الكامل سياسات التغير المناخي والحياد الكربوني، فإن الحكومة بدأت تتراجع عن أهدافها منذ الأيام الأولى لتوليها السلطة لتلافي أزمة كهرباء خانقة في فصل الصيف، وهذا التراجع تضمن العودة للفحم.

وأمس، أعلن مجلس أمن الطاقة الأسترالي مشروعاً يقضي بدفع أموال إضافية لمنتجي الكهرباء من الفحم والغاز للحفاظ على طاقة إنتاجية إضافية لاستخدامها وقت الحاجة، هذا يعني أن هذه المحطات ستحصل على عائد الكهرباء سواء أنتجتها أم لا. وتمثل محطات الفحم 65 في المئة من الطاقة الكلية لتوليد الكهرباء في أستراليا، والتي تواجه انتقادات شديدة من اليسار وحماة البيئة الذين يريدون إغلاقها، والآن مضطرون إلى دفع أموال إضافية لها! هذه الخطة تقتضي إبقاء محطات الفحم وعدم إغلاقها حتى تتوافر بدائل لها من دون تعرض إمدادات الكهرباء للتوقف.

من الواضح الآن أن هدف الرئيس بوتين هو تضييق الخناق على الدول الأوروبية ومنع مخزونات الغاز من الارتفاع. لهذا يجب النظر إلى كل ما ذكر سابقاً عن العودة إلى الفحم على أنه البداية، إن اعتماد هذه الدول على الفحم سيزيد بأكثر مما هو مخطط له الآن. ومن الواضح أيضاً أن أوروبا تدفع الآن ثمن تهورها في سياسات المناخ وتبني سياسات خاطئة في الطاقة.

ويبدو أن بعض الحكومات أدركت أنه لا يمكن تحقيق الأمن البيئي من دون تحقيق نظيره من الطاقة أولاً. هذه التطورات قد تجعل من مؤتمر المناخ "كوب 27" الذي سيعقد بشرم الشيخ في مصر مؤتمراً استثنائياً، إن لم يكن تاريخياً، بخاصة أن الهند والصين تستخدمان الفحم بشكل لم يسبق له مثيل!

المزيد من آراء