Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فنانون عالميون يحتفون ب"الغابة السحرية" خوفا من تواريها

"قصر الفنون الجميلة" في فرنسا يقيم معرضا يقارب تمثّلاتها في الفن

لوحة للرسام دافيد كويا يولا في معرض "الغابة السحرية" (الخدمة الإعلامية)

في البدء، كانت الغابات. وحين ظهر البشر، عاشوا طويلاً في أحضانها، في حالة تناغم ووئام، قبل أن ينطلقوا في تشييد حضاراتهم ومدنهم على حسابها، ضمن مقابلة ساذجة وخاطئة بين مفهومي الحضارة والطبيعة. وفي هذا السياق، ألقى الإغريق، ثم الرومان، فأتباع الديانات التوحيدية في الغرب، نظرة سلبية على الغابات كمكان هلاك يتوجّب تجنّبه، فبدأوا بقطع أشجارها وإفناء كائناتها، قبل أن تحلّ العولمة الحالية وتتعامل معها كمجرّد مورد يمكن استهلاكه، فتهدّد بشكل منهجي خطير ما تبقى منها، متجاهلة أن الحياة في كوكبنا مرهونة كلياً بها وبنظامها الإيكولوجي.

الغابات هي أيضاً مكان سحري يسكن خيالنا منذ القدم، كما تشهد على ذلك أعمال فنانين كثر استلهموه على مر العصور، ملقين عليه نظرة فريدة تعكس استشعارهم أهميته في توازن العالم الحيّ. نظرة تشكّل موضوع المعرض المهم الذي ينظّمه حالياً "قصر الفنون الجميلة" في مدينة ليل الفرنسية، تحت عنوان "الغابة السحرية"، ويتوق إلى طرح مجموعة أسئلة، أبرزها: كيف مثّل الفنانون الغابة وكائناتها؟ وما هي الفضائل والقوى التي نسبوها إليها؟

اختبار جمالي

وفي سياق الإجابة عن هذين السؤالين، يقترح منظّمو المعرض على زوّاره عشرات الأعمال الفنية التي تتراوح بين لوحات قديمة وحديثة، وتجهيزات مبتكرة ومقتطفات أفلام وألعاب فيديو، ويقدمون من خلالها، اختباراً جمالياً قوياً، وقراءة حسّية وطبيعية لهذه الأعمال، يضطلع بها علماء بيئة ونباتيون. قراءة غير معهودة، لكن ضرورية لأن مؤرّخي الفن الذي اعتمدوا التحليل الصوري التقليدي للمنظر الطبيعي، لم يتأملوا كما يجب في الأعمال الفنية المرصودة له. وبالتالي، حان الأوان لكتابة تاريخ بيئي للفن لا يجعل هذه الأعمال  تقول ما لا تقوله، بل يعيد اكتشاف المعنى العميق الذي أراد الفنانون منحه لها.

في الصالة الأولى من المعرض، التي تحمل عنوان "الشجرة التي تخفي الغابة"، تنتظرنا مجموعة أسئلة، أبرزها: هل أن لكل نوع من أنواع الشجر شخصية فريدة؟ هل تملك السنديانة سلوكاً يختلف عن شجرة الزان؟ وبالنتيجة، هل أن كل شجرة فردٌ مميّز داخل محيطه؟ وفي سياق الإجابة، توضح هذه الصالة أن البشر، بسبب اعتقادهم الخاطئ بمركزية الإنسان، يميلون إلى رؤية الشجرة قبل الغابة، وإلى عدم إيجادهم فيها سوى شيء عادي، أو بالعكس، إلى رؤيتها على صورتهم الخاصة. ومن هذا المنطلق، ميّزوا بعض الأشجار وبجّلوها، وقطعوا أشجاراً أخرى كمجرّد مواد ضرورية لتطورهم. بينما يعرف علماء النبات اليوم أن الأشجارلا تتمتّع فقط بشخصيات خاصة، وفقاً لنوعها، وتتنافس في ما بينها، بل تتحاور أيضاً وتشكّل نظاماً إيكولوجياً استراتيجياً ذكياً في تكاتفه، وضرورياً لتحقيق توازن كوكبنا.

أما الفنانون فيميلون إلى تمييز بعض الأشجار كرموز للتجدّد الدائم، وأيضاً كرفاق يتوجّب الاعتناء بهم. وفي هذا السياق، كانوا من بين البشر الأوائل الذين تولّوا الدفاع عن الغابات، كالرسام الفرنسي تيودور روسو الذي نجح منذ عام 1861 في انتزاع حماية لجزء من غابة فونتينبلو. وعلى المستوى التقني، لطالما شكّل تمثيل الشجرة تحدّياً لهم. لكن مهما كانت الوسيلة المستخدمة، من الأساليب التشكيلية التقليدية إلى قوانين المعلوماتية، يتبيّن من الأعمال المعروضة في هذه الصالة أن الاستسلام للدهشة التي يثيرها مشهد الطبيعة داخلنا هو الوسيلة الأضمن لرؤية الأشجار على حقيقتها، أي ليس فقط ككائنات حيّة غير بشرية تستحق اهتمامنا ورعايتنا، بل أيضاً كشقيقات لنا وُلدت مثلنا من رحم أمنا الطبيعة.

الغابة القديمة

الصالة الثانية من المعرض، التي تحمل عنوان "الغابة المقدسة"، تتوقف عند سفر "التثنية" الذي يتضمن قوانين الشريعة العبرية، ومن بينها ذلك الذي أوصى النبي موسى فيه بحرق الغابات المقدسة لكونها أماكن عبادة الطوائف الوثنية. وفي هذا السياق، تستحضر هذه الصالة التقاليد الدينية الأولى التي نعثر في معظمها على شجرة كونية هي عبارة عن وسيط بين عالم الجحيم السفلي والأرض والسماء، وفي وقت لاحق، على غابات مقدسة ومحميّة بوصفها مركز الكون. غابات تواجدت في اليونان وروما القديمتين، وعموماً في أوروبا ما قبل المسيحية، مثل غابة "كارنوت" الشهيرة التي شكّلت مركز بلاد الغال ومقرّ عبادة كهنتها. وأيضاً في الهند حيث اختبر سيدهارتا غوتاما اليقظة تحت شجرة تين محاذية لمعبد داخل الغابة، قبل أن يصير بودا.

ومع ظهور المسيحية وانتشارها في الغرب، تبيّن هذه الصالة كيف أصبحت الغابة عالماً دنساً، غالباً عدائياً، تُرتكَب فيه الخطايا، قبل أن يعيد الشعراء والفنانون الرومنطيقيون والرمزيون في القرن التاسع عشر الاعتبار إليها كمكان روحاني، وينظرون إلى أشجارها كمعابد. وفي زمننا الراهن، أعاد فنانون كثر إليها قدسيتها، كالمخرج جيمس كاميرون في فيلمه "أفاتار" (2009) أو ليونارد كوهين في كليب أغنيته "يحدث للقلب" (2019). عملان يعكسان، من بين أعمال أخرى كثيرة، تجدد الاهتمام بتعايش سعيد بين الإنسان والغابة، بدلاً من الاستغلال المسعور لمواردها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتستحضر الصالة الثالثة، التي تحمل عنوان "الغابة المسكونة"، أولى ملاحم البشرية، ملحمة "جلجامش" السومرية التي يقرر جلجامش السومري فيها، مع رفيقه أنكيدو، قتل حارس غابة الأرز في جبل لبنان، المارد خومبابا، ولا يكتفيان في النهاية بقطع رأسه، بل يقطعان أيضاً أكبر أرزة في الغابة المذكورة. استحضار غايته التدليل على أن الغابة مثّلت منذ زمن سحيق نقيض الحضارة، عالماً غامضاً، مسكوناً، معتماً، بدائياً، سابقاً للبشرية وعصياً على التجانس الحضاري. عالم بلا قواعد فرض الإنسان عليه، من أجل إخضاعه، قوانين خاصة، كتحويله إلى مكان لممارسة الصيد، قبل أن يعمد، من أجل تملّكه، إلى قطع أشجاره بطريقة أكثر فأكثر "عقلانية" وناجعة. عالم مرعب لما يثيره من صور ورهابات داخل لاوعي الإنسان، ولكن أيضاً لتشكيله ملجأ للخارجين عن القانون والفارّين من الحضارة.

أما الصالة الرابعة والأخيرة من المعرض، التي تحمل عنوان "الغابة المسحورة"، فتبيّن أن الغابة ليست فقط مكاناً مقلقاً، بل أيضاً فضاءٌ لكل الاحتمالات والتحولات، إذ يمكن لما هو جامد فيها أن يتحرّك ويحيا، كما يمكن للآلهة الغابرة أن تتقمّص شكل حيوانات. مكان يصبح الخارج عن القانون فيه قاضياً عادلاً، والإنسان المتوحّش فارساً مقداماً. وإذ رأى الفيلسوف ديكارت فيه الشكّ بعينه، لم يرَ شكسبير فيه إلا مكاناً بريئاً ورائعاً، مثله مثل فنانين وشعراء وكتّاب وسينمائيين كثر نظروا إليه كمكان للتخيّل بامتياز، وكفضاء مسارّي نلتقي داخله بكائنات عجيبة، طبيعية أكثر منها خارقة، لا تحترم وتفهم الغابة فحسب، بل تحيا أيضاً بتناغم معها إلى حد تصير فيه جزءاً لا يتجزّأ منها.

باختصار، يوجه المعرض من خلال الأعمال الفنية الآسِرة التي توقّع مساره وتعزّز وقع سرديته، رسالة مهمة مفادها أننا، في الوقت الذي نواجه فيه خطر فقدان الغابات كلياً، حان الوقت لمنحها المكان والاهتمام اللذين تستحقهما، ليس فقط لأنها تشكّل أحد الأسس الضرورية لبقائنا على قيد الحياة، بل لأنها أيضاً الملاذ الأخير للخيال، وأحد آخر أماكن مقاومة التنميط الذي يتهددنا.

المزيد من ثقافة