Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأصل الأفريقي للحضارة يقدمه معرض متحف متروبوليتان

الإحتفاء بنظرية العالم السنغالي أنتا ديوب حول الأثر الفرعوني التاريخي

من المعرض الإفريقي في متحف متروبوليتان (الخدمة الإعلامية)

"الأصل الأفريقي للحضارة: بين الحقيقة والأسطورة" للمُفكر السنغالي الشيخ أنتا ديوب، هو أحد المؤلفات ذات التأثير الواسع في حقل الدراسات الإفريقية. أثار هذا الكتاب منذ صدوره باللغة الإنجليزية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي عاصفة من الاعتراض والممانعة لدى علماء الأنثروبولجيا والتاريخ حول العالم، لما يقدم من أفكار مناقضة للعديد من الثوابت حول نشأة الحضارة الإنسانية وتطورها. ورغم هذا الهجوم الذي تعرض له كتاب ديوب وقت صدوره إلا أنه يتخذ مكانته اليوم كأحد أهم المؤلفات المرجعية المتعلقة بالثقافة الأفريقية. ويعد المفكر السنغالي الراحل الشيخ أنتا ديوب (1923 – 1986 ) واحداً من أبرز المفكرين وعلماء الأنثروبولوجيا الأفارقة، وقد ساهمت أفكاره في خلق تيار عالمي يهدف إلى إعادة الاعتبار إلى إفريقيا، اعتماداً على هذه الأفكار التي تضمنتها مؤلفاته حول القارة السمراء، ومن بينها هذا الكتاب المثير للجدل.

القارة السمراء

يجادل المؤرخ السنغالي في كتابه المُشار إليه حول أصل الحضارة، ويعصف بالمسلمات التاريخية التي تحرم القارة السمراء من أي مشاركة حضارية في التاريخ الإنساني. ينظر ديوب إلى القارة السمراء باعتبارها مهد الحضارة الإنسانية، لا موطناً للجماعات البشرية الأولى فقط. يعتمد ديوب في فرضياته تلك على الربط بين الحضارة المصرية القديمة والثقافات الأفريقية المختلفة التي انتشرت في عموم القارة. في هذا الكتاب يرُدّ أنتا ديوب على الفرضيات التي طالما فصلت مصر القديمة عن محيطها الأفريقي، ويفند الادعاءات التي تحيل هذه الحضارة وتصنفها كإحدى حضارات حوض البحر الأبيض المتوسط، في تعمد واضح كما يقول، لفصلها عن امتدادها الأفريقي، والذي يرى مؤلف الكتاب أنه الأصل الطبيعي لهذه الحضارة القديمة.

يذهب ديوب إلى أن علماء الأنثروبولوجيا الغربيين خلال القرن التاسع عشر أمعنوا في تزوير الحقائق التي تم الكشف عنها بعد فك طلاسم الكتابة المصرية القديمة. وكان هدفهم الواضح كما يقول، هو إبعاد جذور تلك الحضارة عن بقية إفريقيا. وعلى عكس ما يذهب إليه المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا الغربيون، يرى ديوب أن الحضارة المصرية قد بدأت  كحضارة إفريقية خالصة، وظلت أقرب إلى إفريقيا في معتقداتها وأساطيرها من الحضارات الأخرى التي ظهرت حول حوض البحرالأبيض المتوسط. يدل المفكر السنغالي على ذلك بأن أصل الآلهة المصرية ظل مرتبطاً بمنابع النيل، كما أن كثيراً من المظاهر الاجتماعية ونظم الحكم تربطها أواصر صلة بالثقافة الأفريقية. بين أبرز هذه القواسم المشتركة التي أوردها ديوب على سبيل المثال يأتي النظام الأمومي، الذي يعني إمكانية تمرير القيادة والحكم من جانب الأم في الأسرة بدلاً من جانب الأب، وهي من الأمور التي كانت شائعة في إفريقيا دون سواها كما يقول. ويذهب الكاتب إلى أن "هناك إثباتات تؤكد وجود سمات مشتركة بين لغة الولوف المنتشرة في غرب إفريقيا مع اللغة المصرية القديمة، وهو ما لا يمكن تفسيره بمجرد الصدفة".

بين مصر الفرعونية والإغريق

يرى ديوب أن الحضارة اليونانية  قد اعتمدت في كثير من مقوماتها على الحضارة المصرية القديمة، وأن الإغريق أنفسهم رأوا أن مصر هي أصل حضارتهم، وأنها كانت مجرد بناء على العلوم التي تلقوها من مصر. ولكن لأن كثراً من المؤرخين يتغاضون عن هذه الحقيقة كما يقول مؤلف الكتاب، فبدا أن الإنجاز اليوناني قد أتى من العدم، وبالتالي تم تسويغ فكرة المعجزة الإغريقية وتمريرها تاريخياً. يرى ديوب أن الأمر لا يعدو مجرد قراءة عنصرية متجذرة للتاريخ عند الغرب، وترسخت تحديداً بداية من القرن الثامن عشر، ونصدقها لأننا نقرأ التاريخ من خلال عدسة غربية.

لا يتوقف المفكر السنغالي عند هذا الحد بل يذهب إلى أن كثيراً من الثقافات الأفريقية التي ظهرت في غرب القارة، كان لها علاقة مباشرة وممتدة بالحضارة المصرية القديمة. يورد الكاتب عدداً من الدلائل والإثباتات التاريخية والثقافية على أن جماعات من المصريين القدماء قد انتقلت أو هاجرت إلى الجنوب على امتداد النيل، عندما وقعت مصر تحت الحكم الأجنبي بداية من 500 قبل الميلاد. وانتشرت هذه الجماعات غرباً ونقلت حضارة مصر القديمة وثقافتها إلى غرب إفريقيا، وساهمت في تطور ثقافات ولغات هذه المجتمعات. وعليه يقترح المفكر السنغالي أن الثقافة الأفريقية  بنيت على أساس الحضارة المصرية القديمة بالطريقة التي بنيت بها الثقافة الأوروبية على تراث اليونان القديمة وروما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبصرف النظر عن مدى صحة أو خطأ ديوب في ما ذهب إليه، فإن الكتاب هو سرد ممتاذ لكيفية تحريف الغرب للتاريخ والعلم من أجل غاية خاصة. تطرح مؤلفات أنتا ديوب أسئلة مهمة حول التحيز الثقافي المتأصل في البحث العلمي في الدوائر الغربية، وكانت كتاباته مسؤولة إلى حد كبير في إعادة التوجيه الجزئي للمواقف، حول مكانة الشعوب الأفريقية في التاريخ في الدوائر العلمية حول العالم.

تكريماً لذكرى ديوب وأفكاره يفرد متحف متروبوليتان في نيويورك حتى 26 من الجاري، معرضاً كبيراً يضم روائع من مجموعات المتحف من غرب إفريقيا ووسطها ، جنباً إلى جنب مع أعمال من مصر القديمة، في تجاور لافت ودال. يضم المعرض الذي حمل العنوان نفسه لكتاب أنتا ديوب نماذج فنية من مختلف الثقافات والعصور الإفريقية، ويوفر فرصة نادرة لتقدير الإبداع الاستثنائي للقارة عبر خمسة آلاف عام. يكشف المعرض عن أوجه تشابه وتناقضات غير متوقعة، على الرغم من عدم وجود اتصال بين صانعي هذه الأعمال، لبعد المسافة أو الأزمنة التي صنعت خلالها تلك الأعمال.

المزيد من ثقافة