Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أسطورة الأساطير" بين نظريات فرويد وعلم الإناسة لدى ليفي – ستروس

مؤسس التحليل النفسي انطلق من أسطورة أوديب والأنثروبولوجي قارنها بالمسرح الهزلي

أوديب كما صوره الفن التشكيلي (الموسوعة البريطانية)

لم يكن من قبيل الصدفة أن يقع الاختيار لصياغة مادة "أوديب" في سياق الـ 400 مدخل التي يتألف منها "قاموس ليفي- ستروس" الصادر قبل أسابيع في باريس، على العالمة الكبيرة ومؤرخة حركة التحليل النفسي في فرنسا إليزابيث رودينسكو. فهذه الباحثة الفرويدية – اللاكانية (نسبة إلى فرويد وجاك لاكان في الوقت نفسه) تعد من أبرز المؤلفين في هذا المجال في اللغة الفرنسية، ناهيك بأنها تعد في الوقت نفسه تلميذة لعالم الإناسة ليفي – ستراوس، ووضعت عديداً من الدراسات عنه. ومن هنا كان طبيعياً في واحد من أفضل الكتب الموسوعية التي صدرت حتى اليوم عن العالم الراحل قبل سنوات قليلة، أن تكتب بنفسها تلك المادة التي كان مطلوباً منها أن تسبر أغوار الاشتغال الفرويدي على "أسطورة الأساطير" وتحديداً في علاقة ليفي – ستراوس به، بالنظر إلى أن كل عمل هذا الأخير إنما انبنى على رصده للأساطير وعلاقتها بحياة الإنسان ومفاهيم القرابة. الإنسان "البدائي" والإنسان الأكثر بدائية. ومن الواضح أنه كان من المطلوب من رودنسكو أن تجري مقارنة بين عملي العالمين الكبيرين تنطلق فيها من نظرة مجردة. نظرة تتماشى مع هذا القاموس الذي يمكن اعتباره أهم تكريم علمي لمسيرة عالم الإناسة الكبير واستعادة لمجمل مؤلفاته وأفكاره وعلاقاته بزملائه وعصره وتجواله بين الأماكن والأزمنة. ومن هنا كان من الضروري لـ"أوديب" أن يحضر في صفحات أنيقة لا شك في عمقها تكشف للمرة الأولى عن عمق، بل إطلاقية التناقض في نظرتي العالمين الكبيرين إلى الأسطورة ذاتها.

مباراة بين جبارين

والحقيقة أن في إمكاننا أن نقول هنا ومنذ البداية، إن "المباراة" الفكرية بين فرويد وليفي – ستروس كما رصدتها رودنسكو بعلمها الغزير ودقة صياغتها، أتت لصالح ليفي – ستروس، على الرغم من محاولاتها "إنقاذ" منطق فرويد، وإيجاد ما يمكن إيجاده من تبرير لـ"شططه" العلمي مقابل رصانة منافسه. ونعرف أن هذا الحكم ليس بالجديد ولا هو بالمفاجئ. فتاريخ مسار التحليل النفسي خلال النصف الأول من القرن العشرين مليء بصراعات و"انشقاقات" عانى منها فرويد، وكان المقدمون عليها من أقرب زملائه إليه من أمثال كارل يانغ وفليس وغيرهم من الذين تركوه تحديداً لاختلافهم معه حول مكانة تلك الأسطورة في ولادة التحليل النفسي، بالتالي في المسألة الجنسية التي ربطها فرويد بعناد مطلق بالعقدة التي أسماها عقدة أوديب جاعلاً منها، في رأي ليفي – ستروس الذي تعبر عنه رودنسكو في مقالتها، "دوغما ما بعدها من دوغما". وهنا تلفتنا الكاتبة أن حكاية أوديب بأسرها تنطلق من علاقات القرابة والمحارم باكراً، أي من قبل ظهور أوديب نفسه يوم بدأت الحكاية مع قدموس وأخته أوروبا التي خطفت لتؤسس القارة الأوروبية وتدعى هذه باسمها. حينها نعرف أن قدموس قد انطلق يبحث عن أخته – حبيبته، في الحكاية التي باتت معروفة حول أوديب بوصفه ابناً للايوس وحفيداً لقدموس، وحول النبوءة المدمرة بقتله أبيه وزواجه من أمه... إلى آخر الحكاية.

مفاهيم القرابة وعلاقات المحارم

لقد اشتغل فرويد على هذه الحكاية محدداً كونها الأصل في الحياة الجنسية،   بالتالي أصل في نوازع البشر وتربيتهم وعلاقات الأقارب التي تسود بينهم. ومن هنا حين ظهرت أعمال كلود ليفي – ستروس الأولى بعد سنوات من رحيل فرويد، وكان في مقدمتها أطروحته الأنثربولوجية التأسيسية حول علاقات القرابة انطلاقاً من رصده ودراسته لقبائل من الهنود الأميركيين، كان من الطبيعي توقع انصرافه إلى التعامل مع النظريات الفرويدية في هذا المجال، نفياً أو سجالاً أو استعارة. لكن ليفي – ستروس كما تقول رودنسكو في هذه المقالة التي لئن كانت تكشف وقوفها إلى جانب عالم الأنثروبولوجيا على تناقض مع أستاذها الكبير في ما تذهب إليه، فإنها تنم أيضاً عن شيء من الحيرة مشوب بشيء من المكر. ففي نهاية الأمر، وبعد أن حددت الباحثة أوجه المفارقة بين نظرة العالمين إلى تلك المسألة الجوهرية عبر نظرتهما إلى الحكاية الأوديبية نفسها، لفتت الأنظار إلى أن ليفي – ستروس قد حلق بعيداً في تحليله لعلاقة الأسطورة بمفاهيم القرابة راسمة كيف أنه بعيداً من التفسير الفرويدي المفرط في جديته، سيكتفي ليفي – ستروس، ومتأخر جداً عن نصوصه الأولى التي اشتغلت على القرابة بدءاً من "البنى الأساسية للقرابة" (1949) التي بناها على أية حال على دراسة له مبكرة عنوانها "الحياة العائلية والإجتماعية لدى هنود النانبيكوارا" (1948) وحتى كتاب حوارات أخير له مع ديدييه إريبون، عنوانه "من قريب ومن بعيد" (1988) مروراً برباعيته الكبرى "أسطوريات" (4 أجزاء صدرت خلال ستينيات القرن العشرين)، سيكتفي بصفحات بالغة الطرافة لعل طرافتها تشكل رداً موارباً على فرويد و"صرامته العلمية". وهي تلك التي يقيم فيها في واحد من أبرز كتبه المتأخرة "الخزّافة الغيورة" توازياً بين أسطورة أوديب، وعلى الأقل كما كتبها الإغريقي سوفوكلوس – وهي التي اعتمدها فرويد أساساً في تحليله - وبين مسرحية فودفيل هزلي فرنسي هي تحديداً "قبعة قش من إيطاليا" للكاتب أوجين لابيش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الأسطورة والفودفيل

والحال أن رودنسكو التي تستعرض، بكل جدية بدورها، ذلك التوازي المفاجئ بين "أسطورة الأساطير" والمسرحية الهزلية التي لا تفتأ تقدم كعرض شعبي مضحك يقوم على المفاجآت والقلبات المسرحية المعتادة، وتقدم دائماً على خشبات العالم بعشرات اللغات دون أن يخطر في بال أحد أن يبحث عن أية قرابة تدنيها من "أوديب"، رودنسكو تقول لنا إن ليفي – ستروس قد فعل ذلك هو الذي يفيدنا بأن ثمة تشابهاً بنيوياً بين العملين. ففيهما معاً، يقول الإناسي الكبير، يمكننا "أن نلاحظ نفس الخميرة الحدثية ونفس المثلث المعياري". ففي "أوديب" يلفتنا الباحث هناك "تيريزياس الأعمى الذي يتعامل مع الأقدار في نبوءاته التي لا تخيب"، أما في "قبعة قش من إيطاليا" فهناك فيزينيه الأصم الذي "يمسك بين يديه ودون أن يكون على علم بذلك، مفتاح المعضلة التي تقوم عليها المسرحية، بالنظر إلى أنه هو الذي يحمل لابنة أخته هدية عرسها، التي هي عبارة عن علبة من ورق مقوى في داخلها قبعة قش إيطالية يؤتى بها بديلة لقبعة أخرى كان الحصان قد التهمها". بالتالي، لدينا في رأي ليفي ستروس وجيهان كل منهما مصاب بعاهة قوية، يضاف إليهما شخصان يدور كل منهما في محور واحد من الوجيهين: خادم ورسول في "أوديب ملكا" من ناحية، ووصيف ووصيفة في "قبعة قش من إيطاليا". وإلى هذا يضيف ليفي – ستروس أن كلاً من المسرحيتين تدور أحداثاً في مكانين: كورنثة وطيبة بالنسبة إلى المسرحية الإغريقية، والمنزلين البورجوازيين، منزل آل فادينار ومنزل آل بوبرتوي في الهزلية الفرنسية. طيب فماذا إذاً؟... أوليس علينا أن نستخلص أن لابيش قد استنسخ سوفوكليس وعصرنه؟ فلماذا يمكن اعتبار هذا الأمر انتقاصاً من قيمة فرويد ونظريته؟

حيرة القارئ

تقول الكاتبة أن ليفي – ستروس إنما كان يرمي إلى ما هو أبعد من اكتشاف فضيحة أدبية. كان يريد القول إن المسألة أعمق من ذلك، حيث أن كلاً من المسرحيتين تسعى لحل لغز معين خاص بها. وهما للتوصل إلى ذلك تسعيان لمعرفة من قتل لايوس في "أوديب"، والعثور على قبعة مشابهة تماماً للقبعة الضائعة في مسرحية لابيش. في الحال الأولى لدينا أوديب الذي يجهد للوصول إلى القاتل ليكتشف أنه هو نفسه ذلك القاتل. وفي الحالة الثانية يقوم الأمر في اكتشاف أن القبعة التي يجري البحث عنها هي نفسها تلك التي أكلها الحصان... وطبعاً يمكن للقارئ أن يتساءل عما إذا لم يكن كل هذا الكلام عبث في عبث، ولكن يبقى السؤال مطروحاً هنا على الرغم من ذلك، ولأننا نعرف وتعرف إليزابيث رودنسكو، أن ليفي – ستروس لا يمكن أن "يمزح في مثل هذه الأمور"، السؤال حول الأسطورة ومعانيها الخفية في ذلك كله. ولكن في المقابل يبقى لنا أن نتساءل عما كان من شأن فرويد نفسه أن يعلق لو كان حياً بيننا ورأى زميله العالم الكبير ينسف له فكرته المركزية بعبارات لا شك أن القارئ سيكون على صواب حين يتوه في حيرته أمامها. ولكن دون أن ينقص هذا ولو حفنة من جدية ليفي – ستروس وعلم إليزابيث رودنسكو، وروعة القاموس الذي ورد فيه هذا كله.

المزيد من ثقافة