Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غاليانو يتحسر على "شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة"

أية لعنة تلك التي حلت على القارة فالتهمتها ونهبت خيراتها!

إدواردو غاليانو (غيتي)

إذا كان عالم الأناسة الفرنسي كلود ليفي ستروس، قد اعتُبر دائماً من أشد العلماء الأوروبيين دفاعاً عن تاريخ أميركا اللاتينية، وأكثرهم نضالاً للدفاع عنها ضد الظلم، الذي طاولها طوال قرون وأوصلها إلى حال من التخلف المشين، فإن ابن الأورغواي إدواردو غاليانو، قد اعتُبر المعادل الأميركي اللاتيني لليفي ستروس مع فارق كبير ميز بينهما، وهو أنه فيما التفت العالم الفرنسي إلى ماضي القارة الجنوبية باحثاً في الأساطير متعمقاً في علاقتها بحياة الإنسان وتصرفاته، كان غاليانو ملتفتاً أكثر نحو الحاضر والمستقبل، باحثاً مهتماً في مجال التخلف الاقتصادي، الذي التهم القارة دائماً. ولقد كان من الطبيعي على أية حال لوطن ليفي ستروس، فرنسا أن يكون من البلدان المهتمة أكثر من غيرها بغاليانو وكتاباته. وفي هذا الإطار لا بد أن يلفت النظر أن سلسلة "أرض البشر" الأنثروبولوجية التي تصدرها منشورات "بلون" الباريسية، كانت ولا تزال تفخر حتى اليوم (ومن بين نحو المئة كتاب التي أصدرتها وأصدرت من معظمها طبعات متلاحقة وصولاً إلى طبعات شعبية مدهشة في توزيعها)، بواحد من أشهر كتب غاليانو وهو "شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة" الذي صدر أولاً بالإسبانية عام 1971، لتصدر ترجمته الفرنسية عن تلك السلسلة بعد ذلك بأعوام، ويصبح من حينها الكتاب المعتمد علمياً في بحث شؤون أميركا اللاتينية وشجونها. علماً بأن غاليانو أعاد الاشتغال على الترجمة الفرنسية مضيفاً إليها ملاحق عديدة محدثاً كثيراً من معلومات الكتاب، بحيث أتت الترجمة الفرنسية عملاً جديداً أثنى عليه قراؤه وراحوا ينهلون منه.

وكان من الطبيعي أن يعتبر غاليانو باريس وطنه بالتبني، مؤكداً أن العاصمة الفرنسية كانت هي من أعاد اكتشافه، في ركاب إعادة كشفها (للعالم كله) عن الجراح العميقة التي طاولت تلك المنطقة من العالم فاتحة شرايينها، موجهة أصابع الاتهام إلى نفس الطرف الذي كان كلود ليفي ستروس قد اتهمه بالمسؤولية، ليس فقط عن أوضاع أميركا اللاتينية المزرية، بل كذلك عن إضاعة الفرص التي كان من شأن ذلك المتهم نفسه، أي الغرب، أن يستفيد منها في عملية تلاقح جبارة بين الشعوب المنتمية إلى إنسانية هي نفسها، لكنه لم يفعل. فما الذي يقوله إدواردو غاليانو في "شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة"؟

تاريخ قرون من النهب

تقريباً نفس ما يقوله ليفي ستروس، أو إنه على الأقل يستكمل ما قاله هذا الأخير. وببساطة عبر استعراضه الغاضب لما لا يقل عن خمسة قرون من تاريخ النهب، الذي طاول خيرات القارة الجنوبية، بدءاً من الاستيطان الأوروبي لأميركا وصولاً إلى الزمن الراهن. ولعل اللافت والمنطقي على أية حال، في هذا الكتاب، هو أن غاليانو يقسم ذلك التاريخ تاريخين، يشكل أولهما المرحلة الواقعة بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر، وكان النهب فيها من فعل الإمبراطوريات الكولونيالية من إسبانية وبريطانية وبرتغالية وفرنسية....، والثانية المرحلة الواقعة منذ القرن التاسع عشر وتمتد حتى الآن، حيث بات النهب من فعل القوى الإمبريالية وآيتها هذه المرة الولايات المتحدة الأميركية.

على صعيد بنية الكتاب يقسمه غاليانو إلى قسمين كبيرين، لكل منهما عنوان يكاد يكون في حد ذاته مساراً فكرياً لبرنامج عمل متكامل، فعنوان القسم الأول هو "فقر الإنسان كنتيجة لغنى الأرض"، أما عنوان القسم الثاني فهو "التنمية رحلة يكون فيها عدد الغارقين أكثر من عدد السابحين". ومن الواضح أن في إمكان القارئ أن يستشف كثيراً من هذين العنوانين الشاعريين، اللذين يكادان يبدوان ملحميين منتسبين إلى الشعر الهوميري. ومع ذلك نص الكتاب علمي خالص، واتهامي كأنه مرافعة في محكمة عدل دولية، وموثق وكأنه تقرير فاضح يقدم إلى مؤتمر إنساني سامي الأهداف. وذلكم هو على أية حال أسلوب غاليانو في نحو الخمسين كتاباً التي أصدرها خلال مسيرته الكتابية – النضالية، التي لم يوقفها سوى رحيله بعد صراع مع المرض العضال في عام 2015، في وقت كان لا يزال يقول فيه، إنه لا يزال لديه كثير مما يريد أن يقوله، هو الذي كان باحثاً وروائياً وشاعراً، وقال مرة عن نفسه حين سئل كيف يعرّف مساره "أنا كاتب مهووس بالتذكر، تذكر كل ماضي أميركا، ولكن قبل كل شيء ماضي أميركا اللاتينية المحكوم عليها بفقدان الذاكرة".

الكتابة للحفاظ على الذاكرة

من الواضح إذاً أن غاليانو يجعل من كتابه هذا كما خاصة من ثلاثيته، التي لا تقل شهرة عن "شرايين أميركا اللاتينية..." المعروفة بـ"ثلاثية ذاكرة النار" التي أنجزها بين العامين 1982 – 1986، أداته للحفاظ على تلك الذاكرة. وتشهد على ذلك الكاتبة إيزابيل الليندي التي قالت مرة إن نسختها من كتاب "شرايين أميركا اللاتينية..." كانت واحدة من الأشياء القليلة التي حرصت على أن تحملها معها حين اضطرت إلى الهرب من بلدها الشيلي إثر الانقلاب الذي قاده الدكتاتور بينوشيت.

ومن المؤكد أن كل أميركي لاتيني، يمكنه أن يتحدث عن ذلك الكتاب بنفس الحماسة التي تتحدث بها إيزابيل الليندي، وذلك لأنه تحول منذ صدوره للمرة الأولى، ليصبح إنجيل كل رجل شريف في تلك القارة. وكيف لا يكون الأمر كذلك والحديث هو عن كتاب يحكي مؤلفه في مقدمته عن مئة وعشرين مليون طفل من أبناء القارة "يعيشون في قلب الإعصار"؟ ويصف في فصل عنوانه "هجمة على الذهب، هجمة على المال" كيف تحول التهام الذهب المكتشف منذ حملة كولومبوس، إلى التهام للمال بعد ذلك... إلى درجة انتهى معها الأمر إلى اختفاء الذهب، ومن ثم إلى اختفاء المال؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

النهب "على عينك يا تاجر"

مهما يكن فإن الكاتب لا ينسى في طريقه الحديث عن أحوال السكر والموز والذرة ونهبها حيث يروي بالتفاصيل، غير المملة على أية حال، كيف نهبت القوى الكولونيالية كل الخيرات الزراعية تباعاً في كل منطقة من مناطق أميركا اللاتينية على حدة، كما كانت الحال مع سكّر كوبا وكاوتشوك البرازيل وموز الإكوادور وكولومبيا... وكل هذا يوصف لنا بشكل يجعلنا نشعر وكأننا بصدد قراءة رواية لآستوياس أو كاربانتييه أو حتى غابريال غارسيا ماركيز. ولئن كان غاليانو يقول لنا في الفصل الثاني من القسم الثاني من الكتاب، إن ذلك النهب الذي كان يبدو "على عينك يا تاجر" أول الأمر، قد تطور خلال القرن العشرين ليضحي أكثر تكتماً في شكل ما، لكنه لم يختلف في المضمون عما كانه دائماً، نهب منظم للخيرات يقابله إفقار أقل تنظيماً للبشر. وفي هذا السياق تبدو فصيحة تلك الخاتمة الطويلة التي أضافها غاليانو في طبعة جديدة من كتابه، صدرت عام 1977 تحت عنوان "بعد سبع سنوات" يلاحظ فيها أنه على العكس مما كان يجب أن يحصل في تلك المرحلة المغمورة بالوعي والحافلة بالنضالات، ساءت الأوضاع أكثر وأكثر في القارة اللاتينية. وهنا قد يكون من المفيد أن نذكر أن الكتاب ظهر أصلاً في عز مرحلة من تاريخ أميركا اللاتينية، تميزت بحدة الصراعات الأيديولوجية والفوضى السياسية العارمة، ما أضاف إلى الدور الذي لعبه الكتاب إضافات بالغة الأهمية ولا يزال يفعل على أية حال.

بقي أن نذكر أن إدواردو غاليانو المولود في مونتفيديو أورغواي عام 1940، الذي سيموت فيها بعد ذلك بخمسة وسبعين عاماً، بدأ حياته صحفياً ومناضلاً سياسياً. وهو اضطر لمغادرة بلده الأورغواي إثر انقلاب يميني اعتقله أول الأمر. فغادر إلى الأرجنتين حيث أسس مجلة فكرية أسماها "كرايزيس" لقيت نجاحاً كبيراً منذ ظهورها. وهو سيعود إلى السياسة عام 1984 بعد نجاح انقلاب يساري أقام ديمقراطية في مونتيفيديو، حيث كان أول ما فعله هناك كتابته قطعة عنوانها "حين يصوت الشعب ضد الخوف" في إشارة منه إلى انتصار المناضل تاباري باسكيس في الانتخابات الرئاسية هناك...

المزيد من ثقافة