Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الملكة إليزابيث الثانية توازن بين إنسانيتها ورمزيتها الوطنية

بمناسبة الاحتفال بالذكرى السبعين لتربع جلالتها على عرش بريطانيا، تستعرض إيما ماكينزي كيف يوازن أفراد العائلة المالكة وبحذر شديد بين رمزية موقعهم ومشاعرهم الإنسانية

الملكة إيليزابيث الثانية (غيتي/اندبندنت)

يرى البعض أن الملكة تمثل أحد أهم رموز بريطانيا، إلى درجة اعتبرت الكاتبة تينا براون أن "الشعب لن يعرف كيف يكون بريطانياً" يوم تخطو الملكة آخر خطواتها في رحلة العمر وتغادر هذا العالم الفاني. ويرى البعض الآخر أن الدور الذي تؤديه العائلة المالكة ليس محورياً إلى هذا الحد. ولعل مقالة غلين نيوي المشينة، التي نشرت منذ عشرين عاماً، غداة احتفالات اليوبيل الذهبي، والتي انتقدت فيها هذه الثقافة، إحدى أهم المقاربات للمسألة.

أن نتعثر جميعاً وننسى كيف نستمر كدولة، على غرار ما تقدمت به براون، أمر غير مرجح. وأن تفكك نيوي بشكل لاذع طبيعة النظام الملكي المعادية بجوهرها للديمقراطية، وإن عن وجهة نظر ثاقبة، يغفل "السحر" المحيط بالعائلة المالكة والذي يجذب بعض الناس فعلاً. ويبقى الواقع أن هذه العائلة – على الرغم من مجدها المختل – اختيرت لتكون هي رمزاً وطنياً.

في هذا الحكم الملكي الدستوري، نذكر باستمرار برمزية آل ويندسور. فسلطتهم والدور الذي يؤدونه على مسرح البرلمان السياسي هما بالتأكيد سلطة ودور رمزيان، لذا من المفترض ألا يشكل الأمر أي تهديد للديمقراطية، لكن السؤال المطروح هو: ماذا يعني أن تكون هذه العائلة رمزاً وطنياً يعيش بيننا ويتنفس كباقي البشر؟ والحال أن إيجاد توازن بين حياتهم العادية كباقي البشر ودورهم في الحياة العامة يتطلب فن متقن وحذر، إن أخفقوا في إحقاقه تواجه المؤسسة الأزمات وتفقد سبب وجودها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن أظهر أحد رموزنا طبيعته البشرية كثيراً، تبدأ الشقوق بالظهور في القناع الوطني. فذاك الرمز لن يسعه أن يكون جزءاً من عملية بناء الأسطورة القومية، فيما يعاني مشكلات شخصية ويصدر عنه آراء حادة أو يظهر عيوب شخصيته. خذوا مثلاً مشاركة الأمير أندرو أخيراً بالقداس الذي أقيم في ذكرى وفاة دوق إدنبرة. فمن الناحية الإنسانية، لربما تعاطف معه الكثيرون لو لم يسمح له بحضور القداس لراحة نفس والده الذي لم يمض وقت طويل على وفاته، إلا أن العائلة المالكة ليست مجرد أي عائلة كباقي البشر، وحضوره – إلى جانب الملكة في موقع الصدارة – لم يكن مقبولاً بالنسبة للرأي العام الذي تساءل أفراده إن كانت تلك إشارة إلى إعادته إلى كنف الأسرة. وهنا يكمن جوهر المسألة: جانب بشري معطوف على مضمون عام رمزي، وكل فعل يصدر في هذه الحالة يحلل بجانبية للارتقاء إلى معانيه الأشمل.

إن أظهر أحد رموزنا طبيعته البشرية كثيراً، تبدأ الشقوق بالظهور في القناع الوطني.

عندما قرر ميغان وهاري سنة 2020 الانسحاب من الحياة الملكية والتخلي عن مهامهما فيها، واجها على الفور العواقب التي نتجت من إعطائهما الأولوية لحياتهما الشخصية على حساب البعد الرمزي للعائلة التي ينحدران منها. أن يقررا تقديم صحتهما النفسية ورفاههما كعائلة على واجباتهما الملكية اعتبره كثيرون قراراً لا يغتفر: فانهارت شعبيتهما، إذ إن هناك منطقاً غريباً يرى في أنهما، من موقعهما الرمزي، ملك للشعب البريطاني وليس لنفسيهما. فالشعب يدفع بطريقة أو بأخرى لأفراد العائلة المالكة الذين يمارسون مهامهم الملكية، لذا فإن أي تقصير يرصد في أداء واجباتهم لصالح مصلحة ذاتية، يسخف على الفور روحية الملكية وتقاليدها. فعندما يغلبون الطابع البشري فحسب على الطابع الرمزي، يفقدون كل معنى بالتميز الإضافي، ما يجعل من الامتيازات والثروة التي يتمتعون بها مجرد تعدٍ على الشعب البريطاني.

 

كان يطلق على ديانا تسمية أميرة الشعب، وقد أحبها كثيرون بالتحديد لأنها كانت تبدو ومن دون لبس أكثر إنسانية من باقي أفراد العائلة. إلا أن تعرضها الزائد للانكشاف قاد في النهاية إلى دمارها الذاتي، إذ كانت شقوق التصدع قد حلت في تجربتها، وباتت جاهزة للاستغلال. فالبشري لا يمكنه الصمود وسط آليات هذا الدور العام من خلال الكشف عن خصوصيته أكثر مما تسمح به المؤسسة الملكية نفسها.

فقط بعد وفاة ديانا بدأت الانتقادات تنهمر على العائلة المالكة إذ اتهمت ببرودة المشاعر والبعد التام عن هموم الناس، ما أثار أزمة جديدة. وراح الرأي العام راح يطالب هذه العائلة بالتعبير أكثر عن المشاعر. وقد أدى الأمر، كما يعرف الجميع، إلى منعطف حاد في حياة عائلة ويندسور، يوم أدلت الملكة إليزابيث الثانية بتصريحات علنية تتعلق بأثر تلك الحادثة على عائلتها. أرادت البلاد أن تشارك كلها بالحداد، وجرى تحضير الصغيرين ويليام وهاري كي يعملاً على مواساة الجمهور – وقد اعترفا في ما بعد بأنهما وجدا الأمر غريباً وتأذيا منه.

أفراد العائلة المالكة يمثلون بريطانيا ونحن لا نريدهم متيبسين كالحجارة.

عندما يكون أفراد العائلة المالكة بعيدين جداً عن هموم الناس أو يفتقرون إلى سمات إنسانية دامغة فإن أدوارهم تضمحل، هكذا ببساطة. فهؤلاء يفترض بهم تمثيل بريطانيا، ونحن لا نريدهم متيبسين كالحجارة. ففي النهاية، تبقى تكلفة بناء تمثال أدنى بكثير من تمويل هذا السيرك الملكي.

في مهمة المحافظة على ذاك التوازن بين الطبيعة البشرية والأبعاد الرمزية، تبدو الملكة من طراز قديم. وقد قالت، "ينبغي أن يرى الشعب أفعالي ليصدق أقوالي". مظاهر الإيمان المستمرة مطلوبة بالتأكيد لإبقاء سحر العرض الملكي قائماً. وعليها كرمز أن تجعل نفسها مستحقة لتلك المصداقية. قالت الملكة في عام 1980 "الخدمة تتطلب التضحية"، وهذه الكلمات كأنها شكلت حياتها. ففي كل مرة كانت تتجاهل فيها نفسها، أو تضحي فيها من أجل واجباتها الرمزية، كانت تحظى بشعبية أكبر، إذ إن الأمر يخلق إحساساً في وجدان الناس يفيد بأنها مستعدة لبذل نفسها أمامهم، وأن واجبها تجاههم أكثر أهمية من سعادتها الشخصية. ويمكن القول إنه كلما تقلص سماحها لنفسها بمزيد من الإنسانية، كلما منحها الشعب مخيلته وأسبغ عليها تخيلاته.

هذا الشعور السائد في مخيلة الشعب الذي يرى في الملكة، قبل أي شخص آخر في عائلتها، استعداداً للتضحية بالذات، لم يُغذّه سوى التمثيلات التخيلية التي حيكت حولها. أخيراً، صرح أوميد جليلي بعد مشاركته في فاعلية موسيقية ومسرحية بمناسبة اليوبيل البلاتيني "ما من شك، كما تعرفون، خصوصاً بعد متابعة (مسلسل) [التاج]، في التعاطف مع امرأة وصلت إلى العرش ثم قالت [أعدكم مهما بلغ عمري، سواء أكان مديداً أم قصيراً، بأن أخدم شعبي وبلادي]، والحقيقة أنها وفّت بذلك، حتى لو كان الناس حولها قد تصرفوا بطريقة سيئة. فهي كانت شديدة الثبات والصدق تجاه ما وعدت به". وتأتي كلمات جليلي بمثابة تذكير بالوجه العام الذي تمثله الملكة والذي يحاكي القيمة الأدبية لتأويل كلير فوي وأوليفيا كولمان لها. ومثل أغنية بوب، جمعت الملكة الخصوصية بالحياد، وكل مستمع تقريباً يمكنه أن يشعر بانعكاس حياته على هذه الأغنية.

 

السر إذن هو الاحتفاظ بما يكفي من أبعاد إنسانية. الملكة تدرك أن ذلك ينبغي أن يكون في مرتبة ثانية بعد الجانب الرمزي، لكن يجب أيضاً أن يكون محسوساً. وهي تحب كلاب الكورجي والعوارض في استعراضات الأحصنة. وتروي الطرائف حول تقدمها في العمر، وتضحك زعماء الدول وهم يتصورون معها. الفيلم الوثائقي الجديد "إليزابيث: الملكة اللامرئية" Elizabeth: the Unseen Queen يتألف من مقاطع فيديو منزلية استخدم فيه كثيراً التعلق العالمي بالنوستالجيا والنزعة العاطفية. كذلك يقدم الفيلم لمحات عن إنسانيتها، لكن لا شيء أكثر. ويقوم دوق ودوقة كامبريدج بأمر مماثل في إطار الصور العائلية التي ينشرانها في عيد ميلاد أولادهم: حيث يولد من ذلك وهم بمشاركة الحميمية والحياة المنزلية العادية مع الشعب. وهما نجحا حتى الآن في تنسيق عرض رصين للجوانب "الشخصية" من دون التخلي عن الجانب الملكي من هذه الشخصية، ولكن من يمكن له أن يلومهما وهما يسيران على حبل رفيع جداً لإحقاق توازن صعب؟         

© The Independent

المزيد من متابعات