Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التعافي الاقتصادي في الخليج ينعش طفرة الاكتتابات العامة

صعود النفط يقود الطروحات الأولية نحو أفضل أداء نصف سنوي على الإطلاق

تسعى دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها بعيداً من عوائد النفط، وتأمل بأن تتحول إلى مراكز مالية رائدة (أ ف ب)

توقع محللون ماليون استمرار فورة الطروحات الأولية في منطقة الخليج، خصوصاً في السعودية والإمارات، خلال النصف الثاني من العام الحالي، في ظل أسعار النفط المرتفعة، والاهتمام الكبير من المستثمرين العالميين والإقليميين، في الوقت الذي يعزف المستثمرون عن الاكتتاب في الولايات المتحدة وأوروبا.

وقال محللون في تصريحات متفرقة لـ"اندبندنت عربية"، إن هذا التوجه من شأنه توفير مزيد من العمق للأسواق عبر إضافة قطاعات جديدة، إذ يخلق قاعدة أكبر من الشركات والقطاعات للمستثمرين تضمن التنويع في الاستثمارات.

حصيلة الطروحات

يأتي ذلك بعد أن حققت الاكتتابات العامة الأولية في الشرق الأوسط 11.4 مليار دولار في الأشهر الخمسة الأولى من 2022، متجاوزة المبلغ الذي تم جمعه في أي نصف سنوي لها على الإطلاق، في ظل السعي الحثيث لجذب التدفقات الأجنبية التي تحمي المنطقة من التقلبات المحطمة للطروحات في جميع دول العالم، بحسب "بلومبيرغ".

وتسعى دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها بعيداً من عوائد النفط، وتأمل بأن تتحول إلى مراكز مالية رائدة، وكجزء من هذا التحول فإن كبرى الشركات في المنطقة بدأت تسعى إلى البحث عن التمويل المحلي، وتعد الصفقات المرتقبة علامة على أن الشركات التي تسيطر عليها الحكومة تبحث بشكل متزايد عن طرق للاستفادة من ارتفاع طلب المستثمرين على الطروحات الجديدة، مع جمع الأموال للمساعدة في تمويل خطط لتنويع الاقتصاد.

ومن المنتظر إجراء عدد من الاكتتابات بمليارات الدولارات خلال النصف الثاني من العام الحالي، بحسب المحللين، خصوصاً في السعودية، أكبر سوق للاكتتاب العام في الشرق الأوسط، في حين تستعد دبي لمواصلة فورة الطروحات. 

أكبر عدد من الإدراجات

وشهدت الرياض أكبر عدد من الإدراجات مقارنة مع منافسيها الخليجيين العام الماضي، وخلال الخمسة أشهر الأولى من العام الحالي، وحصل اقتصاد السعودية، الأكبر في الشرق الأوسط، على دفعة من ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 120 دولار للبرميل، ومن تخفيف الحكومة لعمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا، وارتفع مؤشر "تداول" بنسبة 12 في المئة العام الحالي، ما يجعله أحد أفضل المؤشرات أداء في العالم، وفق بيانات "بلومبيرغ".

ويمضي صندوق الاستثمارات العامة السعودي والشركات الأخرى التي تسيطر عليها الحكومة في خطط لتسريع عمليات الخصخصة وزيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد عبر بيع حصص في مجموعة كبيرة من الشركات خلال الفترة المتبقية من العام الحالي في ظل وجود أكثر من 70 طلباً للطرح العام الأولي قيد المراجعة حالياً من قبل الهيئة التنظيمية والسوق المالية في السعودية، بعد أن تم طرح أسهم 7 شركات في السوق السعودية بقيمة إجمالية 12.7 مليار ريال (3.46 مليار دولار)، وتصدرها اكتتاب "النهدي الطبية" بقيمة 4.6 مليار ريال (1.22 مليار دولار)، ثم شركة "علم" بـ2.1 مليار ريال (560.7 مليون دولار)، وشركة "الدواء للخدمات الطبية" بقيمة 1.7 مليار ريال (454 مليون دولار). في حين تخطط شركة "أرامكو السعودية لزيوت الأساس" (لوبريف) وهي وحدة تابعة لأرامكو، لطرح عام أولي قد يجمع أكثر من مليار دولار، وعينت بنكي "إتش أس بي سي" و"الأهلي كابيتال" لتقديم المشورة في شأن الطرح.

صفقات جديدة وتفاوت كبير

وستشهد أسواق دبي وأبو ظبي خلال الأشهر المقبلة صفقات جديدة بالطروحات خلال العام الحالي والعام المقبل، حيث تخطط نحو 25 شركة إماراتية تقريباً للاكتتاب العام، وأبرزها "طيران الإمارات" و"دناتا" و"إينوك" و"مراس القابضة" وشركة المليادير الإماراتي خلف الحبتور "الحبتور القابضة" ومجموعة ماجد الفطيم، ونظام تعرفة المرور "سالك"، إضافة لسعي الشركة العالمية القابضة إدراج وحدتها "بيور هيلث" في بورصة أبو ظبي. 

وأعلنت دبي خطة طرح 10 شركات حكومية وشبه حكومية في سوقها المالية، كمسعى إلى اللحاق بركب الرياض وأبو ظبي، وبالفعل شهدت طرح هيئة كهرباء وماء دبي "ديوا" الذي أصبح الأكبر في الشرق الأوسط منذ طرح شركة "أرامكو" السعودية نهاية 2019، الذي جمع 22.3 مليار درهم (6.07 مليار دولار).

وتشهد القيمة السوقية للبورصات الثلاث الكبرى في منطقة الخليج تفاوتاً كبيراً، إذ تصل القيمة السوقية للسوق السعودية "تداول" إلى أكثر من 12 تريليون ريال (3.22 تريليون دولار)، فيما تبلغ قيمة سوق أبو ظبي للأوراق المالية 1.95 تريليون درهم (540 مليار دولار)، أما القيمة السوقية لسوق دبي المالية فتبلغ 543.27 مليار درهم (147.63 مليار دولار).

يشار إلى أنه على مستوى دول الخليج الأخرى، فإن سلطنة عمان تخطط لإدراج 35 شركة مملوكة للدولة في السنوات الخمس المقبلة. وأعلنت البحرين في وقت سابق استهدافها إدراج 5 شركات جديدة في  البورصة في السنوات الأربع المقبلة.

جاذبية استثمارية

من جانبه، اعتبر عبدالله باعشن، المحلل الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة شركة "تيم ون" للاستشارات المالية ومقرها الرياض، أن تلك الطروحات تؤكد أن أسواق المال في منطقة الخليج الأكثر جاذبية لرؤوس الأموال في ظل الطفرة الاقتصادية التي تشهدها بدعم من ارتفاع أسعار النفط. وأشار إلى أن هذا الارتفاع مع الاستقرار السياسي وقوة العملة وتوفر الثروة أصبحت أبرز صمامات الأمان التي جعلت من دول المنطقة، بخاصة السعودية والإمارات، من الملاذات الآمنة لكثير من المستثمرين حول العالم.

ولفت إلى أن هناك  فوائد عدة ستجنيها الشركات العائلية من الإدراج المباشر أو الطرح الأولي في أسواق المال، سواء في السعودية أو في الإمارات، وهي تجنب عدم استمرار نشاطهم بعد انتهاء الجيل الأول بتلك الشركات ونشوب الاختلافات مع الأجيال التالية، والحصول على كفاءات تسهم في نموها، إضافة لتعزيز الملاءة المالية القوية لديها.

اهتمام المستثمرين

ويرى عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد" للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات، وضاح الطه، أن الزخم الكبير الذي تشهده الاكتتابات العامة الأولية في الخليج يعود في الأساس إلى الاهتمام الكبير من المستثمرين العالميين والإقليميين بالعروض الأخيرة والمخطط لها مستقبلاً في حين يتجه إلى تحقيق أفضل نصف أول لها على الإطلاق، في ظل أسعار النفط المرتفعة والتدفقات الأجنبية التي تحمي المنطقة من التقلبات في الأسواق العالمية.

وقال الطه، إن الطروحات الأولية الضخمة التي شهدتها المنطقة هي إحدى المحفزات القوية التي تدعم المكاسب السنوية للأسواق الخليجية، موضحاً أن النجاحات التي حصدها طرح الشركات التي أغلبها كيانات حكومية خلال الخمسة أشهر الأولى من العام الحالي تأتي بشكل رئيس من الرصانة المالية التي تمتلكها تلك الشركات وتوزيعات الأرباح السنوية والنصف سنوية المجزية، التي خلفت حالاً من زيادة شهية المخاطرة لدى الأفراد والمؤسسات، مدعومة بارتفاع أسعار النفط، الذي بدوره عزز الإنفاق الحكومي في دول الخليج، وهو ما شهدناه أخيراً في الإمارات. وأوضح أن تلك الطروحات كان لها دور كبير في زيادة الشعور الإيجابي وتقليل حالة القلق لدى المستثمرين التي كانت تسيطر عليهم منذ عام 2020 خلال جائحة كورونا. 

ولفت الطه إلى أن تلك الطروحات أيضاً أسهمت في امتصاص تأثير العوامل السلبية الخارجية، وبشكل خاص من ارتفاع أسعار الفائدة، الذي لم يؤثر سلباً على الأسواق الإقليمية فقط، بل على أداء أسواق الأسهم الأميركية التي شهدت انخفاضات ملحوظة خلال الفترة الأخيرة. وهذا لا يعني أن فك ارتباط أداء أسواق المنطقة عن أداء الأسواق الأميركية سيستمر.

أكبر محرك لأسواق الأسهم

وقال المستشار المالي السعودي، علي الجعفري، إن السعودية لا تزال أكبر محرك لأسواق الأسهم في الشرق الأوسط، مضيفاً أن خطة طرح مصفاة "لوبريف" التابعة لشركة "أرامكو" في بورصة السعودية بقيمة مليار دولار تؤكد المضي قدماً في تحقيق أهداف رؤية 2030، ومن أهدافها تيسير الإدراجات الأولية في السوق المالية الرئيسة "تداول" أو السوق الثانية الموازية "نمو". وأوضح أن إدراج وجذب مزيد من الشركات الكبرى والعائلية سيسهم في وضع نظام يحفظ استمرار نشاطها وعدم ارتباطه بوجود الملاك أو المؤسسين لها. وبين أن من فوائد طرح مثل تلك الشركات التابعة للكيانات الكبرى سيزيد من عمق السوق المالية، ويعطي لها إمكانية إضافة مستثمرين استراتيجيين جدد، سواء أجانب أو محليين. وتوقع أن تشهد السوق المالية السعودية طروحات ضخمة مع تقديم تسهيلات أكثر لتلك الشركات بدءاً من النصف الثاني من العام الحالي، لافتاً إلى أن السوق المالية الثانية "نمو" قد تشهد تزايداً في الإدراجات المباشرة من قبل الشركات العائلية خلال الفترة المتبقية من العام الحالي.

توزيعات الأرباح المرتفعة

بدوره، أوضح رئيس الباحثين لدى شركة "سنشري فاينانشال" للاستشارات ومقرها دبي، أرون ليزلي جون، أن توزيعات الأرباح المرتفعة شكلت عامل جذب كبيراً للمستثمرين العالميين على تلك الموجة الضخمة من الطروحات الأولية في السعودية والإمارات.

وشركة "بروج" التي جمعت ملياري دولار في أكبر طرح في سوق أبو ظبي للأوراق المالية تعتزم دفع أرباح الأسهم مرتين في كل سنة مالية، مع دفع دفعة أولية لنتائج النصف الأول في سبتمبر (أيلول) من تلك السنة، ودفعة ثانية بعد نتائج النصف الثاني يتم دفعها في مارس (آذار) من السنة التقويمية التالية، التي تخضع في كل حالة لموافقة الجمعية العمومية، إذ من المتوقع أن تدفع توزيعات أرباح ثابتة بقيمة 3.6 مليار درهم (980 مليون دولار) للربع الثاني والنصف الثاني من عام 2022، و4.77 مليار درهم (1.3 مليار دولار) عن 2023.

وأكد ليزلي جون أن من بين الدوافع الرئيسة لزخم الطروحات الأولية في المنطقة الطلب المتزايد على النفط. وأكد أن الاكتتاب العام الأولي لموانئ أبو ظبي لشهر فبراير (شباط) الماضي أشار إلى تحقيق تقدم كبير في تطوير أسواق رأس المال الإماراتي، الذي شهد تحسناً وتطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. ونجحت مجموعة "موانئ أبو ظبي" التي تدير موانئ ومناطق لوجيستية وصناعية في وقت سابق للإدراج في استقطاب رأسمال جديد من إصدار أولي، وسيتم توظيف هذه العائدات التي بلغت 4 مليارات درهم إماراتي (1.1 مليار دولار) في تمويل خطط نمو المبيعات وعمليات الاستحواذ والضم، ما يتيح للمجموعة تعزيز خططها للتوسع المحلي والدولي. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد ليزلي جون، أن منطقة الشرق الأوسط مستعدة جيداً، لا سيما دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات، للاستفادة من الفرص في عام 2022 على الرغم من عدم اليقين الجيوسياسي في الأسواق الدولية.

يقول المدير العام لشركة "سولت" للاستشارات المالية، طارق قاقيش، إن من الطبيعي أن تتوجه دول الخليج في أسواقها المالية لزيادة الطروحات الأولية بهدف زيادة التنويع الاقتصادي، إذ إن البورصات تعد مرآة للاقتصادات المحلية، مشيراً إلى أن الفترة الحالية مناسبة لزيادة الطروحات الأولية بسبب ارتفاع أسعار النفط والمنتجات المرتبطة بقطاع البتروكيماويات، بالتالي فإن تلك الاكتتابات تركزت في هذا القطاع أخيراً. وأشار إلى أن الطروحات الأولية من أحد المنافذ الرئيسة التي تستوعب الفائض بالسيولة لدى القطاع العام والخاص، ما يعد بديلاً لها في ظل عدم وجود وسيلة استثمار مناسبة في الخارج وسط الظرف الجيوسياسي في معظم الدول العالمية، بخاصة الأوروبية.

عوامل محفزة ووقت مناسب

نائب رئيس إدارة البحوث والاستراتيجيات الاستثمارية في "كامكو إنفست" الكويتية رائد دياب، يقول إن التحسن الاقتصادي في دول المنطقة وعودة النشاط التجاري بعد جائحة كورونا، إضافة لزيادة أسعار النفط، هي عوامل رئيسة حفزت الحكومات والقطاع الخاص على الاستثمار المحلي، بالتالي زيادة الطروحات الأولية. وأكد أن ما تشهده السوق السعودية والإماراتية من طروحات أولية ناجحة وسط تلك الظروف التي يشهدها العالم تؤكد الإصرار من قبل الجهات التنفيذية على تحسين البنية التحتية للمشاريع الكبرى والاهتمام بتسهيل وسائل جذب رؤوس الأموال الدولية للمنطقة.

إلى ذلك، يرى المحلل المالي، مدير الاستثمار لدى "يونيفرسال" لتداول الأوراق المالية محمود عطا، أن الوقت مناسب بالنسبة إلى سوق دبي لاستقبال الطروحات الحكومية وشبه الحكومية خلال الفترات المقبلة، خصوصاً بعد نجاح طروحات عدة في أسواق الخليج، مثل "ديوا" و"علم" التابعة للصندوق السيادي السعودي، و"النهدي" للخدمات الطبية، وقبله إدراج "موانئ أبو ظبي" و"أكواباور" في السوق السعودية، و"أدنوك للحفر" و"فيرتيغلوب" في سوق أبو ظبي. وأشار إلى أن قطار الطروحات سيتسارع في المنطقة بدعم من حالة الرواج الاقتصادي وارتفاع أسعار النفط وجذب الأداء المالي الفائق للشركات المدرجة للمستثمرين الأجانب.

ويتوقع المتخصص في الشؤون الاقتصادية محمد مهدي، أن تشهد الطروحات السعودية والإماراتية إقبالاً كبيراً من قبل الصناديق الاستثمارية المحلية والأجنبية للمشاركة في الاكتتابات المنتظرة، نظراً إلى تحسن مستويات نمو الاقتصاد والعائدات على مستوى المنطقة، مبيناً أن هذه الطروحات تمثل مصدراً من مصادر التنويع في الدخل، ما يدعم تنفيذ خطط التحول الاقتصادي في المنطقة.

ولفت إلى أن مستويات الاكتتابات العامة الحالية تعد "جيدة جداً" بدعم من قوة وزخم الصفقات في السعودية، وبفضل الاهتمام الكبير من المستثمرين العالميين والإقليميين بالعروض الأخيرة المخطط لها مستقبلاً في أسواق رأس المال. وأشار إلى أن هناك تدفقات مستمرة للأجانب في جميع البورصات الخليجية حتى أثناء عمليات البيع الأخيرة، ما يشير إلى شراء المستثمرين الدوليين في أسواق المال في المنطقة، على الرغم من التقلبات التي يمر بها العالم.

وأضاف مهدي أنه في المقابل قد تواجه الاكتتابات العامة في الخليج ظروفاً أكثر صعوبة في المستقبل، إذ تزعج المخاوف في شأن تشديد السياسة النقدية الأسواق العالمية، مما يجعل المستثمرين أقل تقبلاً لطروحات الشركات الجديدة، على الرغم من أن منطقة الشرق الأوسط نجت حتى الآن من الاضطرابات بشكل كبير، وجذبت مستثمرين من أماكن أخرى.